عِلْمُ المَنْطِقِ هُوَ عِلْمٌ يَبْحَثُ في القواعدِ والأُسُسِ التي تُنظِّم التفكيرَ الصحيح ، وتُميِّز بَيْنَ الاستدلالِ السليمِ والاستدلالِ الخاطئ . وَهَذا العِلْمُ آلةٌ قانونية تَحْمِي الذِّهْنَ مِنَ الخَطأ في الفِكْرِ .

     يُعْتَبَرُ الفَيلسوفُ اليوناني أَرِسْطُو طاليس ( 384 ق. م _ 322 ق.م ) مُؤسِّسَ عِلْمِ المَنْطِقِ . وَهُوَ أوَّلُ فَيلسوف قامَ بتحليل العملية التي بِمُوجِبها يُمْكِن مَنطقيًّا استنتاج أنَّ أيَّة قضية مِنَ المُمْكِن أن تكون صحيحة استنادًا إلى صِحَّة قضايا أُخْرَى ، وقد كان اعتقادُه أنَّ عملية الاستدلال المَنطقي تَقُوم عَلى أساس شكل من أشكال البُرهان سَمَّاه القِياس . وفي حالة القِياس ، يُمْكِن البَرْهَنَة أو الاستدلال مَنطقيًّا على صِحَّةِ قضية مُعيَّنة ، إذا كانت هُناك قَضِيَّتَان أُخْرَيَان صحيحتان .

     والفَيلسوفُ الإيطالي توما الأكويني ( 1225 _ 1274 ) تَمَسَّكَ بِمَنْطِقِ أَرِسْطُو ، واتَّخَذَ مِنَ المَنهجِ الأَرِسْطِيِّ أساسًا لأبحاثِه ، فَبَدَأ أوَّلًا بِتَحديدِ المُشكلة ، ثُمَّ حَصْر أوْجُهِ الخِلاف فِيها ، باستعراض شَتَّى المُشكلات والشُّكوك التي تُثَار حَوْلَها ، والعمل على الإجابة عنها بالأدلة المَنْطِقِيَّة المُقْنِعَة . وكانَ دَوْرُهُ مُهِمًّا مِنْ ناحيةِ الشَّرْحِ والدَّمْجِ بَيْنَ الفلسفةِ الأَرِسْطِيَّةِ والعَقيدةِ المَسِيحِيَّةِ .

     والفَيلسوفُ الألماني جوتلوب فريجه ( 1848_ 1925 ) يُعَدُّ أشهرَ مَن اهْتَمَّ بالفلسفةِ التَّحليليةِ ، وَمَنْطِقِ الرِّياضياتِ الحديثة . وَهُوَ أحَدُ مُؤسِّسي المَنْطِقِ الحديث ، وأحد أكبر فلاسفة المَنْطِقِ بَعْدَ أَرِسْطُو . وقد ابتكرَ فريجه لُغةً اصطناعية بواسطة الرموز المَنْطِقِيَّة ، وساهمَ في تطوير جُزْء كبير من أبحاث المَنْطِقِ الرِّياضي ، وكانَ مِنْ دُعَاةِ مَا يُعْرَف بالمَذهَبِ المَنْطِقِيِّ ، وَهُوَ اتِّجاه يَدْعُو إلى رَدِّ التَّصَوُّراتِ الرِّياضيَّة الأساسيَّة إلى تَصَوُّرَاتٍ مَنْطِقِيَّة خالصة .

     والفَيلسوفُ الألماني إدموند هُوسِّرل ( 1859_ 1938 ) طَوَّرَ عِلْمَ المَنْطِقِ ، وساهمَ في كَشْفِ الجَوانبِ المَعْرفيةِ والفَلسفيةِ للمَنْطِقِ . وَنَفَى أنْ تَكُون العَلاقاتُ المَنْطِقِيَّةُ خاضعةً للتأثيراتِ النَّفْسِيَّة ، واعتبرَ العَلاقاتِ المَنْطِقِيَّة تَنْتمي إلى عَالَمٍ خاص ( المَاهِيَّات ) المُستقلة عَن العَقْلِ البَشَرِيِّ . وهذه المَاهِيَّاتُ بِمَثابةِ حقائق ثابتة تَجْعَل الأفرادَ يَتَّفقون حَوْلَها ، فَيُصْدِرُون أحكامَهم وقَرَاراتهم .

هيجل والجدل
يصنف دارسي فلسفة هيجل انها قامت على ثلاث ركائز هي المنطق، والطبيعة، والروح، معتبرا الطبيعة هي (تخارج) العقل بالمكان، والروح أوالتاريخ هو تخارج العقل في الزمان.

السؤال لماذا استخدم هيجل لفظة (تخارج) بدلا من لفظة (جدل)؟ الاجابة ان هيجل في تنظيراته المثالية الجدلية لا يؤمن بوجود قانون جدلي يحكم الطبيعة والتاريخ وحياة الانسان ونوضح هذا لاحقا. ربما هذا الكلام يصدم بعض القراء الذين يرون ان مخترع الجدل في المادة والتاريخ هو هيجل. وبدورنا نؤكد ان هيجل في اختراعه الجدل مثاليا على صعيد الفكر لم يكن يؤمن بديالكتيك يحكم المادة والتاريخ كما صاغه ماركس في المادية التاريخية. ولا مجال الدخول في توضيح لهذه الاشكالية الهيجلية. تخارج العقل مع الطبيعة هو تخارج تكامل (معرفي) وليس تضادا جدليا ينتفي فيه اطراف الجدل كليهما نوعيا في ميلاد المركب الثالث الجديد. على قدر اعطاء العقل موجودات الطبيعة من ادراك معرفي، تقابله الطبيعة بتبادل متخارج يعمل على تطوير العقل معرفيا فكريا ايضا. التخارج المعرفي لا يقوم على مجانسة نوعية بين العقل والطبيعة بدلا من جدل غير حاصل على صعيد علاقة العقل بالطبيعة كبنية ادراكية شاملة او كموضوعات وجودية منفصلة بصفات وماهيات مختلفة. التخارج المعرفي بين العقل في ادراك تجريد التعبير اللغوي الصادر عنه هو من نوع وعي قصدي معرفي.

اما ان العقل يدرك علاقته بالاشياء جدليا فهذا يلزم العقل تفكيره التجريدي الدخول في جدلية تجمع الفكر بالمادة المدركة في تضاد يجمع نقيضين في مجانسة نوعية واحدة لانتاج مركب ثالث. لا اعتقد جدل الفكر مع الواقع يقوم على تضاد يجمع نقيضين متجانسين بالماهية والصفات، بل يدخلان بعلاقة تخارج معرفي كما سبق وذكرنا. محال ارتباط الفكر بالمادة بعلاقة جدلية بينهما بسبب انعدام وحدة وصراع قطبي اضداد الجدل بعلاقة تجانسية واحدة.

هيجل علاقة الجدل بين المنطق والعقل

 يذهب هيجل الى ان العقل مطبوع بفطرة ان يفكر جدليا. طبعا الفكرة خاطئة اوضحت خطأها في اكثر من مقال. إذ لا توجد خاصية فطرية يمتلكها العقل انه مبرمج جدليا.

عمد فويرباخ أن يجعل من الطبيعة منشأ وأصل الدين، وينصّب الانسان (الها) عليها ومن خلالها، فهو – فيورباخ - جعل الانسان يقدّس ويؤله الطبيعة بتأملاته الخيالية والميتافيزيقية المحدودة أدراكيا عقليا، وأن يعتبر (الانسان ) دون وعي منه، الطبيعة بكل ماتمتلكه من ظواهر وهيئات وتنوعات جغرافية وبيئية وتضاريس وانهار وجبال وحيوانات ما هي الا مصدر (الاله) الذي يحتاجه الانسان روحيا وماديا أيضا في تعليل اسباب وجوده او المساعدة في ايجاد حلول لجميع المشكلات التي تعترضه والظواهر والموجودات الاخرى التي تتعايش معه وتحيط به.

فويرباخ كما معلوم أبرز فيلسوف أنشق مع آخرين من تلامذة هيجل واطلقوا على أنفسهم الشبان اليساريين الهيجليين، منهم ماركس وانجلز وشتيرنر وشتراوس وشيلروغيرهم. وربما يكون أهم انجاز فلسفي تركه فويرباخ هو كتبه الثلاث (اصل الدين)و (جوهر المسيحية) و (جوهر الايمان) في محاولته تثبيت نزعته الالحادية وشرح فلسفته في منشأ الدين عن الطبيعة واغتراب الانسان عن ذاته.

ولقّب فويرباخ بأنه صاحب منهج فلسفي مادي تصوفي او تأملي ذاتي، البعض ينعت فويرباخ فيلسوف الذات فهو عالج موضوعة أغتراب الذات فلسفيا في سبق فلسفي يحسب له. ومن الماركسيين المحدثين الذين ينكرون التأثير المادي لفويرباخ على ماركس، بنفس معيار أنكارهم الجدل الهيجلي على ماركس أعتبارهم فويرباخ هو الآخر مثاليا تجريديا تأمليا، واقفا على رأسه بدلا من قدميه قبل ماركس، علما أن جميع دارسي وباحثي الماركسية يذهبون الى أن المادية التصوفية الفويرباخية والجدل او الديالكتيك الهيجلي كانتا دعامتي الديالكتيكية المادية ، والجدل المادي التاريخي الذي اعتمدهما ماركس في صياغته قوانين تطور المادة والتاريخ، بعد تخليص مادية فويرباخ من تصوّفها التأملي الديني، وتخليص الجدل الهيجلي من مثاليته المقلوبة.

المهم أن هذا ليس موضوعنا، لكن لا يمكن لأحد نكران أن المعارف والفلسفات وحتى العلوم الانسانية، هي تراكم معرفي وحضاري تاريخي محكوم بالكم والكيف، في تقادم زمني لا يلغي تماما جهد السابقين على اللاحقين تاريخيا، مهما اعتور وشاب تلك المسيرة من النقد والمراجعة والحذف والتفسير والتفنيد. . الخ. كما يتعذر ولادة معارف علمية أو فلسفية من فراغ فكري سابق عليهما. واذا سمحنا لانفسنا اسقاط الفهم الحداثي وما بعد الحداثي على اي نص مكتوب ، فهو بحسب رولان بارت في مقولته الشهيرة موت المؤلف ، في ردّه كل نص الى تناصه  المتعالق مع سابقاته من النصوص من جهة ، ومن جهة اخرى فأن النص بعد كتابته و نشره يصبح ملكا صرفا للقاريء المتلقي، او بالاحرى المتلقين الآخرين في تعدد وتنوع قراءآتهم للنص. وهو ما ينطبق على كل نص تداولي مكتوب سواء في الثقافة او المعارف او الفلسفة او السرديات الكبرى كالايديولوجيا والتاريخ والدين الخ.

ويؤكد البرتو ايكو هذا المعنى لدى بارت قائلا ( بارت يقوم بتفريق هام بين نص القراءة، الذي يستهلكه القاريء، والذي يمنح نفسه للقاريء بلا مشّقة، ومن ثم يقوم بترسيخ العادة وألمالوف، وبين نص الكتابة الذي يقوم القاريء بكتابته مرة اخرى، ومرات عديدة في كل قراءة اخرى جديدة).

مهمة الباحثين بالفلسفة مراجعة ونقد افكار الفلاسفة وليس مهمتهم الحفر عميقا في تفرعات مباحث فلسفة اللغة وتبعاتها المتطرفة واقامة بنى ليست نسقية وانما هي تجريد لغوي منطقي منفصل عن حركة الواقع ومجرى الحياة المتجددة على الدوام.

1. بيركلي وقابلية الوجود

من مقولات جورج بيركلي الفيلسوف المثالي (وجود الشيء هو قابليته ان يكون موضوعا لادراك). ناقشت المقولة في غير هذا المقال سابقا. في البدء المادة موضوع للادراك في وجودها المتعيّن بابعاد اربعة هي الطول والعرض والارتفاع واضاف انشتاين بعدا رابعا هو الزمن، هذه ابعاد المادة لا خلاف عليها ضمن عالم الاشياء والطبيعة. ولا تمتلك المادة في وجودها الانطولوجي المستقل قابلية ادراك ذاتية متموضعة فيها تجلب اليها من يدركها (بالحس وبالعقل).

وجود الشيء كموضوع للادراك الحسي والعقلي ليست لانه يحمل خاصية موجوديته المادية كينونة انطولوجية تمتلك قابلية الادراك ذاتيا كمعطى وجودي. وليس خاصية امتلاك الموجود صفة ليست له متموضعة تكوينيا فيه تسمى (قابلية الادراك) الملازمة له كما يذهب له جورج مورخطأ. قابلية الادراك ليست خاصية المادة ولا خاصية موضوع يدرك بالحس وادراك العقل.

قابلية الادراك علاقة ترابطية تجمع بين السيرورة كموضوع مدرك من جهة والوعي به من جهة اخرى. ولا يمكن ان تتحول الصفة الكيفية التي هي قابلية الادراك الى موضوع لادراك حسّي او عقلي مستقل. كمثل إدراك وجود الشيء المادي في واقعيته الكينونية موجود ضمن عالم. السيرورة الشيئية التي تحكم حركة الاشياء هي علاقة متغيرة لا تصلح ان تكون موضوعا ثابتا لادراك حسي – عقلي. السيرورة علاقة بين الاشياء لا تحمل خاصية الادراك.

نقطة اخرى خاصية قابلية الادراك هي خاصية الحس والعقل فقط وليست خاصية تلازم المادة كي يتم ادراكها وتصبح موضوعا يثبت موجوديته الانطولوجية. قابلية الادراك ليست خاصية موجودة في المدركات الحسية. وهي خاصية فعالة ايجابية في عملية الادراك العقلي فهمه الاشياء وليس ادراكها فقط. قابلية الادراك ليست موجودة في المادة والاشياء . ، ولو افترضنا خطأ أن خاصّية قابلية الادراك موجودة في تكوينات الموجودات الشيئية المادية بالفطرة الطبيعية والتكوينية الموجودية لها ماديا لكانت صفة ذاتية سلبية تستمد قيمتها من الموجود الشيئي التي هي جزءا منه وليس أهميتها في مرجعية إدراكها لازمة لموضوع مستقل لإدراك افتراضي يكون خارج إدراك الحس والعقل للموجود الشيئي في كينونته التامة المستقلة الذي لا تنتسب له قابلية الادراك التي هي من خصائص الحس والعقل وليست من خصائص المادة. .

النقطة الاخرى من الذي يحدد ان يكون الموجود المادي أو أي شيء موضوعا لادراك؟ هل يحدد قابلية ادراكه مضمونه المادي فيه ام يحدده شكله (الصفات الخارجية) المدركة حسيّا له؟.

الجوهر ضرورة لا تدرك
مثلما لا يمكننا إعتبار ما بعد اللغة هي ليست غير لغة أخرى تحمل مجانسة تواصلية منبثقة عن اللغة الأم، وكما لا يمكننا ايضا إعتبار مابعد الفلسفة هي ليست الا فلسفة أخرى إنبثقت عن الفلسفة الأم بالمجانسة اللغوية ايضا... لذا نجد غريبا من اسبينوزا إدخاله الجوهر في نفق ميتافيزيقا مذهب وحدة الوجود معتبرا الجوهر سابقا الوجود وليس ناتجا عنه، والجوهر لا يدرك ولا يحتاج تصور من أي نوع له. لا نجانب الصواب أبدا أن نصف تعبير اسبينوزا حول الجوهر في مشابهات تعبيرات هيدجر حول العدم، بمعنى الحديث عن مواصفات شيء لا تدركه حسيا ولا تعرفه عقليا على أنه موجود. ولكن بدلالة الجوهر الميتافيزيقية عند اسبينوزا ندرك الوجود كما سيتوضح معنا أكثر لاحقا.

جواهر الأشياء صفات إلهية

يصف اسبينوزا الجوهر بهذه العبارة " الجوهر في الأشياء هو ما يوجد في ذاته، ويتصور بذاته، أي هو ما لا يحتاج تكوين تصور له، الى تصور شيء آخر، ولا يمكن للجوهر أن يكون الا واحدا " 1، كما يعتبر اسبينوزا " الجوهر موجود بالضرورة، أي أن الوجود ينتمي الى طبيعة الجوهر، ومعنى الانتماء الى طبيعة الجوهر أنه ليس شيئا إكتسبه الجوهر من الخارج أي أن الجوهر ليس مخلوقا "2. "ويعتبر اسبينوزا الجوهر لا متناهيا كما أنه ازلي، بمعنى هو الوجود ذاته، ويجعل من الوجود مرادفا للحقيقة الأزلية التي لا يمكن تصورها من خلال الزمان " 3

تعقيب

كيف يكون الجوهر ماثلا في الأشياء ونفتقد كل تصوّر عنه وله؟ كيف يكون الجوهرمرادفا للوجود وهو غير قابل لإدراكه؟ ما هو المعيار التصوري الذي يجعلنا ندرك الجوهر حدسا بمواصفات ميتافيزيقية لا يمكن إدراكها عقليا، كما لا يمكن الإستدلال المعرفي بها على غيرها؟ اسبينوزا أدخل الجوهر نفق ميتافيزيقا وحدة الوجود ولم يخرجه منها، لأنه كما أدخل لاشيء يمكن إدراكه في مجانسة معه ميتافيزيقيا فهو أصبح لا يستطيع إستنباط أي شيء من لاشيء ميتافيزيقي أيضا. فهو أي سبينوزا لم يكتف بتعامله مع تجريد فلسفي وحسب بل تعامل مع تجريد ميتافيزيقي أشمل خارج مدركات العقل للوجود. كانط تجاوز هذا الإشكال العدمي الميتافيزيقي وقفله أمام الفلاسفة بمختصر عبارته، الجوهر هو الشيء بذاته خارج أدراك العقل له وكفى وكل مجهود يصرف من أجل ذلك هو عقيم غير مجد.

الجوهر الكوني بمعنى أزلية الوجود لا ينطبق عليه القول أن ماهية الجوهر هو لا متناه ازلي، بإستثناء إذا كان المقصود بأزلية الجوهر تتضمن أزلية الله كجوهر كامل لا يدرك. الذي هو جوهر تام شامل ليس مخلوقا ولا يحدّه الزمان والمكان الإدراكي. رغم أننا نحدس في كل شيء ندركه بالطبيعة ومن حولنا لمسة جوهر إلهية معجزة فيه.

مقدمة
يُعتبر غاستون باشلار ( 1884 -1962)، الفيلسوف الفرنسي، أحد أبرز المفكرين في مجال فلسفة العلوم والإبستمولوجيا في القرن العشرين. من خلال أعماله مثل تكوين العقل العلمي (1938) والعقلانية التطبيقية (1949)، قدم باشلار رؤية مبتكرة لفهم تطور المعرفة العلمية عبر مفهومي "القطيعة الإبستمولوجية" و"التحليل النفسي للمعرفة العلمية". مقاربته المعرفية التاريخية تجمع بين تحليل التحولات التاريخية في العلم ونقد العوائق النفسية والثقافية التي تعيق تقدمه. يرى باشلار أن العقل العلمي يتطور عبر قطائع جذرية مع المعرفة السابقة، مدعومًا بعقلانية تطبيقية تركز على التجريب والإبداع. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل إسهامات باشلار في التحليل النفسي للمعرفة العلمية، القطيعة الإبستمولوجية، والعقلانية التطبيقية، مع التركيز على مقاربته المعرفية التاريخية ودورها في مقاومة العوائق المعرفية، وربطها بجدلية القوة والضعف في السياقات العلمية والاجتماعية. فكيف تصور غاستون باشلار تاريخ العلوم؟ وماهي الرؤية الثورية التي حملها الى مسار نقد المعرفة العلمية؟

القطيعة الإبستمولوجية

مفهوم القطيعة الإبستمولوجية هو جوهر فلسفة باشلار، حيث يرى أن التقدم العلمي لا يحدث بشكل تراكمي، بل عبر انقطاعات جذرية مع المعرفة السابقة. في تكوين العقل العلمي، يوضح أن العلم الحديث يتطلب التخلي عن المفاهيم القديمة التي تعتمد على الحدس أو التفسيرات التقليدية، مثل الانتقال من الفيزياء الأرسطية إلى الفيزياء النيوتنية. هذه القطيعة تمثل تحولًا في الهياكل العقلية التي تحكم التفكير العلمي. كيف يعمل باشلار على ضرورة احداث القطيعة الإبستمولوجية؟

مفهوم القطيعة الإبستمولوجية هو أحد أهم إسهامات باشلار، حيث يرى أن التقدم العلمي يحدث عبر انقطاعات جذرية مع المعرفة السابقة بدلاً من تراكم تدريجي. يوضح باشلار أن العلم الحديث يتطلب التخلي عن المفاهيم القديمة التي تعتمد على الحدس أو التفسيرات التقليدية. على سبيل المثال:

في الفيزياء: الانتقال من الفيزياء الأرسطية (التي ترى أن الأجسام تسقط بسرعات مختلفة بناءً على وزنها) إلى الفيزياء النيوتنية (التي أثبتت أن الأجسام تسقط بتسارع متساوٍ) يمثل قطيعة إبستمولوجية.

في الكيمياء: استبدال نظرية الفلوجستون (التي تفسر الاحتراق بوجود مادة خيالية) بنظرية الأكسجين للافوازييه يمثل قطيعة أخرى.

يؤكد باشلار أن هذه القطائع تتطلب تغييرًا في الهياكل العقلية للعلماء، مما يسمح ببناء معرفة أكثر دقة وموضوعية. يقول: "العقل العلمي يجب أن يُشفى من أوهامه من خلال القطيعة مع الماضي". هذا المفهوم يعكس مقاربة معرفية تاريخية تركز على التحولات الجذرية في تاريخ العلم.

تقديم
لعل تنسيب المنهج بمفهومه الفلسفي على وجه التحديد لديكارت هو ما إعتبره مؤرخو الفلسفة بداية وضع عدد من التجديدات ألإضافية النوعية الإنعطافية غير المسبوقة فلسفيا منها على سبيل المثال، إدخال النزعة العلمية في مباحث الفلسفة كمنهج يعلي مكانة العقل، الشك بأعتباره مهماز إستثارة الإهتمام بوجوب الوصول الى يقينية المعارف التي ندركها، الدعوة الى المنهج الذي يقوم على محددات وقواعد وأحكام تجعل من هدف البحث يقوم على ثيمات قصدية يروم تحقيقها إعتماد الشك في المنهج، الإبتعاد عن كل تشتيت ذهني بالتفكير لا يقود الى أهداف محددة سلفا، الحقيقة الفلسفية العقلية التي لا تقاطع المهيمن اللاهوتي الديني وليس المنهج التجريبي العلمي، ألإهتمام باليقينيات البديهية القائمة على الوضوح التام الخالي من الأرتياب والشّك قبل التسليم بتلك البديهيات التي إعتبرها ديكارت تحمل برهانها اليقيني معها في وجودها الحدسّي الظاهرالوضوح لا من خارجها البرهاني وجودا الذي لا تحتاجه. وغير ذلك من تفاصيل فلسفية ظهرت دعوة الإهتمام الفلسفي بها مع إنبثاق المنهج الفلسفي التفكيري الذي ضمّنه ديكارت كتابه المعروف (مقال في المنهج ). وهذه الورقة تتعرض بإقتضاب الى مناقشة بعضا من هذه التفاصيل التي ذكرناها متعالقة بالمنهج الديكارتي. . .

ماذا أراد ديكارت في المنهج؟

يعتبر كتاب ديكارت (مقال في المنهج) إنعطافة مفصلية على صعيد تخليص الفلسفة من هيمنة اللاهوت الديني الذي ساد القرون الوسطى في وصايته على كل من الفلسفة والعلم والعقل على حد سواء. وقد إعتمد ديكارت أسلوب الممانعة الناعمة على صعيد إتبّاع أسلوب ألمهادنة غير ألتصادمية بين دعوته وجوب خلق توليفة فلسفية تتقبل المنهج العام القائم على ألشك الموصل لحقيقة اليقين، كما تتقبّل المنهج التجريبي العقلي القائم على ألتجربة والتطبيق العملاني بالحياة، كما تتقّبل اللاهوت في مرتكزه القائم على الإعتراف بوجود الله خالق كل شيء ومنبع كل وجود الضامن لكل حقيقة. دليل ذلك تعبير ديكارت " الفكر هو المدرك – بكسر الراء – لذاته والذي هو في ذاته مدرك الموجود الكامل الله. منبع كل وجود والضامن لكل حقيقة. " 1. طبيعي لايكون هذا التعبير الفلسفي لم يسبق به ديكارت أحدا من الفلاسفة، لكن جديد ديكارت في طرحه دعوة التوافق المنهجي الذي تتعايش فيه المتناقضات الاربع (الفلسفة، العقل، العلم، والدين) دونما إختلافات تصل الى حد ممارسة ألعداء المسّتحكم والدموي في أغلب الأحيان بينهم بكل السبل المتاحة المشروعة وغير المشروعة التي سادت العصور الوسطى وفي القرن السابع عشر الذي عاشه ديكارت بكل مهيمناته القروسطية. مثال ذلك تصادم اللاهوت الديني الكنسي الكاثوليكي بالضد من العلم الفلكي والفيزياء وتصفية رموزه العلمية وتحجيم دورهم. برونو، غاليلو، كوبرنيكوس، نيوتن. كبلر وغيرهم.

حتما يكون سارتر في فلسفته الوجودية التي يفخر ويعتز بها كرائد متفرد لها بلا منافس  في تبيان رأيه حول علاقة اللغة بالفلسفة الذي يحسب له اسبقية التنبؤ الرافض في أن يكون للغة كهوية تواصلية انثروبولوجية (فلسفة) متفردة تقوم على مراجعة تاريخ الفلسفة وقضاياه بضوء معالجة أخطائها في ما سمي التحول اللغوي ونظرية ملاحقة فائض المعنى الذي تدّخره اللغة في النص ولم تفصح عنه في خيانتها المراوغة للفكر والعقل معا...

فلسفة اللغة حسب ما نستنبطه عن رأي سارتر هو الوليد المحمول الاحشائي الذي ينمو في بطن الفلسفة الام وبولادته يميتها بحمى الولادة. سارتر يعتبر فلسفة اللغة لا يمكننا فرضها على تحليل مشاكل وقضايا الفلسفة المتوارثة عبر العصورمن داخلها. ومن غير الخروج على رأي سارتر (فلسفة اللغة) هي الديناميت الذي اراد تفجير الفلسفة داخليا فانفجر بيدي حامله قبل إتمام زراعتها في جسد واحشاء الفلسفة. ربما الرأي المخالف لهذا يرى في قديم سارتر لا يحكم معاصرة فلاسفة اللغة والتحول اللغوي وعلوم اللسانيات التي جعلوها الفلسفة الاولى في النصف الثاني من القرن العشرين..

وهذا الرأي لسارترحول طفيلية فلسفة اللغة على الفلسفات الام كان إدانة ضمنية لفلسفة البنيوية التي عاصرها سارتر حين بدأت مشوارها الفلسفي اول نشاتها على حمولة فلسفة اللغة و نظرية المعنى في اللغة التي قادها شتراوس ودي سوسير، ثم بعد هجرفلاسفة البنيوية فلسفة اللغة بالتقادم الزمني عليها وفي وقت لاحق رفضهم ان تكون فلسفة اللغة هي الفلسفة الام التي ينبغي دوران كل الفلسفات المعاصرة حول مركزيتها. كما فعلت ذلك بتطرف فلسفي شديد كلا من الفلسفات التاويلية والتفكيكية والتحليلية المنطقية حلقتي فينا واكسفورد. حتى مفاهيم فلسفية فضفاضة لم يكن بالمقدور احتوائها لغويا مثل الوعي والادراك والمخيال والذاكرة والزمان باتت مفاهيم تدرك بدلالة دراسة تطبيق فلسفة اللغة عليها وليس العكس.

رفض سارتر تفسيرتاريخ الفلسفة المليء بالاخطاء والمطبّات حسب فلاسفة البنيوية أن تكون بدايته التصحيحية تبدأ من وسيلة مراجعة وتصحيح معنى الدلالة اللغوية الخاطئة في قصور التعبير عن معنى حمولة الافصاح غير المسكوت عنه، ودعا الى أن كل فلسفة تطغى عليها فلسفة اللغة بالتعالق العضوي معها الناشيء من إحشائها هي وليد تابع من رحم تاريخ الفلسفة الام التي لا تقود فلسفة اللغة الفلسفات الاخرى أو تكون بديلا عنها. قائلا ما معناه يمكن استنباط فلسفة لغوية خاصة من فلسفة الوجودية مثلا وهكذا مع باقي الفلسفات الاخرى. بمعنى أنه يمكن إستيلاد فلسفة لغة من كل فلسفة أم لها لا تحل محلها. ورأي سارتر يحتمل القول فلسفة اللغة هي وسيلة التفكير الفلسفي في التعبير عن رؤاها خارج معنى اللغة الطبيعي المحكوم بقواعد ونحو ومجازواستعارة وبلاغة وغيره التي حاولت تدخل كل فلسفة في محاولة نسفها وتفجيرها تشظيّا من الداخل وهو ما لاينكره دريدا مثلا ولا ينكره البرتو ايكو ولا عديدين من فلاسفة اميركان استسهلوا لعبة اللغة في التفكير الفلسفي استبطانيا مغلقا على نفسه جاعلين من تاريخ الفلسفة هامشا يدور في فلك فلسفة اللغة حصرا...

تقديم
إن المعضلة التي يطرحها تشابك الذاكرة والخيال قديمة قدم الفلسفة الغربية، منذ ما يقرب من 470- 399 ق. م أورث سقراط الفلسفة اليونانية اشكالية علاقة الذاكرة بالخيال في تيارين فلسفيين أحدهما تزعمه افلاطون الذي كان يدافع عن إدخال إشكالية الذاكرة في إشكالية الخيال، والمسار الثاني تزعمه ارسطو الذي يرتكز على ثيمة تمثل شيئا سبق إدراكه أو إكتسابه وتعلمه فيدافع عن إدخال إشكالية الصورة في إشكالية الذكرى، وعلى هذا المنوال لم يتوقف النقاش الفلسفي حول هذه الازدواجية الاشكالية بالفلسفة الى يومنا هذا. 1

وهنا أود التنبيه أن المناقشة الفلسفية حول تشابك الذاكرة بالخيال، تنطلق من أنهما مفهومان لهما علاقة ترابطية  في عملية الادراك العقلي بإعتبارهما وحدة زمانية تختلف في التعبير عن الزمان كتحقيب زماني - تاريخي في إتجاهين متعاكسين أن الذاكرة هي إستذكار خيالي لوقائع وأحداث الماضي، والخيال تصنيع لزمان مستقبلي آت كما تصوّره المخّيلة، ولا تشير المناقشات الفلسفية الى أهمية التاكيد أنهما جوهران متعالقان في التعبير التجريدي عن الاشياء مصدرهما تفكير العقل، الذي أجده يحل المشكلة من أساسها، لأننا من دون مرجعية العقل لا يمكننا الحديث عن عمل ذاكرة ولا عن عمل خيال لا في ترابطهما ولا في فصلهما عن بعضهما.

بين الذاكرة والخيال

على خلاف من ديكارت وبرجسون ومعهما فلاسفة آخرين من الذين أنكروا وجود علاقة ترابطية بين الذاكرة والخيال وأنكروا أيضا توليدية الذاكرة لأفكار الخيال وإرتباط المخيّلة بالذاكرة. في مقاربة هذه ألإشكالية الفلسفية يطرح بول ريكور تلازم الذاكرة والخيال بعلاقة ممكن الفصل بينهما بالقصدية التي تتلبس الوعي في الفهم الوجودي وفلسفة اللغة. فهو يؤكد حقيقة غير مشكوك بها فلسفيا على الاقل قوله" الذاكرة مقاطعة تابعة للخيال، الذي كان قد عومل ومنذ زمان بعيد بكثير من الشبهة كما هو الحال عند ميشال مونتين وباسكال وسبينوزا."2

قبل دخولنا تفسير تفاصيل هذا الحكم الفلسفي لريكور الذي نستشف منه تغليبه قيادة الذاكرة في مسكها مقود الخيال وقيادته والهيمنة عليه، لذا يصبح معنا التساؤل مشروعا أيهما يقود ألآخر الذاكرة تقود الخيال أم العكس الخيال يقود الذاكرة في حالتي إقرارنا الانفصال أو الاتصال بينهما؟ أم لا علاقة تعسفية من هذا النوع التساؤلي يكون واردا في إعتمادنا حقيقة إنفصالهما، وهذا يقودنا الى تساؤل أكثر أهمية ماهي مصادر أكتساب كلا من الذاكرة صفتها الادراكية، وكذا الحال كيف يكتسب الخيال أفكاره التخيلية وما هو مصدر تلك الافكار غير الذاكرة في حال جعلنا من إنفصال مفهومي الذاكرة والخيال عن بعضهما حقيقة قائمة لا بل موجبة كما سنرى في تعبير ريكور لاحقا.

والعقبة التي يتجاهلها الفلاسفة أن كلا المفهومين الذاكرة في ألاستذكارللماضي والمخيلة في تعبيرها عن الخيال  كمستقبل كلاهما جوهران تجريديان لا يمكننا معرفة أين موقعهما من تكوين الجسم في التبعية البايولوجية لمنظومة ألإدراك العقلي التي بدايتها الحواس، حتى في حال العودة أنهما نتاج عمل منطقة محددة خلوية في قشرة الدماغ أو في الفص الدماغي المّخي المسؤول عن توليد مثل تلك الفعاليتين التجريديتين الذاكرة والخيال التي هي من إختصاص علمي صرف في دراسة علم وظائف الاعضاء والجملة العصبية وعلم النفس.. وهو ما تتحاشى الفلسفة الاقتراب منه.

  الفكر والحركة
الفكر هو حركة الجسم حسب تعبير هوبز بمعنى أن الفكر هو حركة تغيير مستمر من ألصيرورة والانتقالات المتطورة ضمن مدرك قانون قالبي الزمان والمكان العقليين التي لا تستنفد فيها حركة الفكر طاقتها المتغيرة التوليدية الذكية بسهولة ما دام الفكر ملازما الانسان في كل لحظة من حياته.

والفكر هو بشكل وآخر وعي قصدي ناتج عن توليد العقل له في تعبيره اللغوي عن موجود معيّن كموضوع حسي او خيالي. وخاصية العقل هي اللغة ذات المعنى في أدراك الموجودات والاشياء في العالم الخارجي، وخاصية تفكير العقل الجوّاني الصامت المستمد من مخيلة الذاكرة هوايضا لغة صورية هي ذاتها اللغة الصورية في تعبير العقل الحسّي عن الموجودات في الطبيعة وعالم الاشياء والمحيط، والصمت لغة تأمل العقل لمواضيعه الداخلية المستمدة من الخيال تفكيرا صوريا. عليه تكون جميع ادراكات العقل الحسية والخيالية لا تتم عقليا بغير تمّثلات العقل لها صوريا لغويا. ادراك الوجود لغة حسب مقولة سيلارز.

واللغة بلا موضوع لا معنى لها وأستحالة عقلية تلغي ذكاء الانسان في الوعي القصدي المنظّم لادراك الاشياء، ولا يمكن للعقل التعبير تجريدا لغويا بمعزل عن موضوع يدركه. اللغة بمفهومها المتداول في التعبير عن المدركات العقلية هي لغة صورية واحدة تقوم على أبجدية الحروف والمقاطع وأصواتها ومن ثم تليها الكلمة وتليها الجملة كألفاظ عن مدلولات بغية توصيل المعنى المطلوب عن مواضيع الادراك الخارجية ومواضيع الادراك المستحدثة من خيال الذاكرة على السواء.الادراك العقلي لأي شيء في الطبيعة أوفي الخيال لا يمكن التفكير والوعي العقلي به من غيرتمّثّلات اللغة له تجريدا صوريا.

وما لا يدركه العقل لا يمتلك لغة الافصاح عنه كموجود أو كموضوع. ولا يعني هذا مجاراة الخطأ المثالي المعروف لدى بعض الفلاسفة ما لا يدرك عقليا غير موجود..فوجود الشيء في العالم الخارجي مستقل عن أدراكه الحسي والتعبير اللغوي عنه. وجود الشيء لا يتلازم مع ضرورة أدراكه في التعبير عنه لغويا. كما أن ادراك الشيء لا يعني معرفته فالادراك هو الوعي بالشيء الذي يمّثل اولى درجات معرفة ذلك الشيء.. ومعرفة الشيء تماما هو سلسلة مترابطة من الادراكات المتتالية.

وحين يكون الفكر ملازما لحركة الجسم حسب هوبز فهو يعنى بالانسان في حركته الدائبة المستمرة غير الثابتة ولا المستقرة بمكان وزمان معينين لذا يكون الفكر المعبّر عن هذه الحركة والانتقالات لا يستنفد طاقته بثبات زائف كخطاب ينهي تأويل ملاحقة المعنى اللغوي بالاضافة المستمرة له ومعرفة الشيء...الفكر حيويته الحركية في مواكبته التغيرات الحاصلة في حركة الانسان التي هي السلوك الطبيعي تجاه ما يصادفه بالحياة من مواقف وأمور تتطلب أعمال العقل بها ومعالجتها واتخاذ الموقف اللازم بشأنها. والفكر حركة لغوية متغيرة ملازمة للسلوك الفردي والسيسيولوجي .

الاغتراب Alienation هو غير العزلة النفسية self-estrangement كما يحلو الخلط للبعض بين المضمونين والمصطلحين. وسواء اكانت العزلة سوية (صحية) غير مرضية او كانت عزلة نفسية بعوارض مرضية –مثل انفصام الشخصية، او الذهان العقلي، او العصاب النفسي… الخ فهي لا تمثل شكلا اغترابيا من اشكال الاغتراب  وانماهي مرض لا غير. الاغتراب موقف من الحياة وليس انسحابا منها.

وان كان يفترض مسبقا و يشترط ان يكون كل موقف او مظهر اغترابي تستوطنه، تدخله، تتقمصّه عزلة نفسية، هي في نظر علم النفس الطبي و العقلي ان جميع اشكال العزلة النفسية مرضية وموقف سلبي من الحياة، الا انها تختلف لدى الاغترابي المثقف او الشخص  المبدع في (درجة) و( نسبية ) المرض. والا انتفت خاصية الابداع الفني الجمالي عنده حين يكون الاغتراب حالة لجم وتقعيد الفعالية الابداعية.

فالعزلة النفسية لدى الاغترابي المثقف المبدع، عزلة نفسية غير مغيّبة أي بمعنى تعي ذاتها وتدرك محيطها وتعرف بواعث عزلتها، لذا فقد يكون الفرد الاغترابي عصابيا نفسيا من نوع ما وقد يكون معافى نفسيا. فالعزلة النفسية لدى الاغترابي ضرورية لترك مسافة الرصد والمعاينة لوعي الذات اكثر ورغبته الاكيدة في التأثر والتأثير بالمحيط .. وهذا ما لا نجده لدى المصاب المريض بالعزلة النفسية المرضية غير المنتجة، عليه لا تكون كل اشكال العزلة النفسية او حالات العصاب النفسي بالضرورة تشكل ظواهر اغترابية منتجة تعي اغترابها الذاتي.

والاغترابي الثقافي، عند المبدع بالتحديد ربما لا تكون عزلته النفسية من وجهة نظر طبية نفسية عقلية تمثل انفصاما شخصيا تفقد صاحبها قدرة الابداع او التأثر او التاثير بالاخرين و المحيط، بينما تكون بعض حالات العصاب النفسي او الانفصام او الذهان العقلي وغيرها امراضا مصحوبة بعوارض وعلامات وسلوك وتفكير مريض تفقد صاحبها قدرة التعامل السوي مع المحيط، فهو غير مدرك (لذاته) ولا يعي (الموضوع) وعيا عقلانيا سليما.