بين صندوق الاقتراع وأمواج البحر : عندما يصوت الشباب بأجسادهم - محمد منير

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

لعل ما يمكن أن نقيس به مؤشرات نضج الدولة اجتماعيا وسياسيا، هي عند اقتراب الانتخابات بارتفاع النقاش المجتمعي، وبامتلاء الساحات بالوعود وباحتدام المنافسة بين البرامج والرؤى. لكن هناك أوطان أخرى، تقاس فيها حرارة الاستحقاقات بعدد الذين يغادرونها وهم يحملون ما تبقى من أعمارهم فوق أكتافهم، متجهين به نحو بحر لا يمنح أحدا وعدا بالنجاة.
في السياق المغربي، وبينما تستعد الأحزاب السياسية لخوض انتخابات شتنبر المقبل حيث يدخل الفاعلون السياسيون سباق استمالة الناخبين، كان مشهد آخر يكتب على شاطئ مدينة الفنيدق بشمال المملكة. لم تكن هناك منصات خطابة ولا شعارات انتخابية ولا صناديق اقتراع، لكن كان هناك أكثر من ألف شاب مغربي يندفعون دفعة واحدة نحو البحر، متجهين إلى مدينة سبتة المغربية، الخاضعة للإدارة الإسبانية، في واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية خلال السنوات الأخيرة.
لسنا هنا بصدد إقامة علاقة سببية بين الانتخابات والهجرة، وإن بدت الصورة وكأنها مشهدان متوازيان داخل الوطن نفسه؛ فالهجرة ظاهرة معقدة تتشابك فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية والقانونية. فهنا على اليابسة من يتنافسون على إقناع المواطنين بالبقاء داخل المشروع السياسي، وهناك بين الأمواج من يعلنون في صمت موجع أنهم فقدوا ثقتهم في انتظار المستقبل. غير أن التزامن بين الحدثين يفرض سؤالا مجتمعيا عميقا لا يمكن تجاهله، وهو ماذا يعني أن يختار آلاف الشباب خوض غمار البحر في اللحظة نفسها التي يطلب منهم فيها المشاركة في صناعة مستقبل "بلدهم" عبر صناديق الاقتراع ؟
لقد ساهم قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في الثامن من يوليوز 2026، والقاضي بمنع الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يعترضون في البحر، في تغذية الاعتقاد بأن فرص الوصول أصبحت أكبر. لكن هذا الحكم القضائي، بقدر ما خلق أحلاما وأوهاما لدا الكثير من الشباب غذى لديهم أيضا فرصا أكبر للمجازفة. أما الحلم نفسه فقد ولد قبل ذلك بكثير داخل واقع يشعر فيه جزء من الشباب بأن الزمن يتحرك من حولهم بينما هم عالقون في المستنقع ذاته.

هجرة المعنى قبل هجرة المبنى : عندما يضعف العمران يهاجر الإنسان
قبل أكثر من ستة قرون، لم يكن (عبد الرحمن بن خلدون) يتحدث عن الهجرة كما نعرفها اليوم، لكنه وضع مفهوما بالغ العمق هو "العمران"؛ العمران في التصور الخلدوني، هو انتظام الحياة الاجتماعية وعدالة العلاقات وقوة العصبية المدنية، وازدهار أسباب المعاش وشعور الإنسان بانتمائه لوطنه ومجتمعه وليس مجرد عمران إسمنتي.
ولعل أول ما يتصدع في العمران هو علاقة الإنسان بمجتمعه قبل أن تتصدع الأبنية، ونتيجة لذلك تظهر الهجرة كحل ترقيعي؛ حين تتآكل الثقة ويضعف الشعور بالمشاركة ويصبح الأمل موردا نادرا. عندها لا يهاجر الإنسان لأنه يكره وطنه بل لأنه يشعر بأن العمران الذي يمنحه معنى الانتماء قد أصابه الوهن، ومن ثم، فإن المدينة تفقد أبناءها عندما يعجز عمرانها عن احتضان أحلامهم.
لكن المفارقة الأكثر إسهاما وإيلاما في الآن ذاته، هي أن اللغة التي يتحدث بها كل طرف ليست في البحر فقط؛ فالسياسة تتحدث بلغة الوعود بينما يتحدث البحر بلغة الوقائع، السياسة تطلب من المواطن أن ينتظر أما البحر فيطلب منه أن يغامر، السياسة تعده بالغد "المستحيل" أما البحر فيضعه أمام احتمالين فقط، الوصول أو الأفول.
وهنا تكمن المأساة؛ حين يصبح الموت احتمالا مقبولا في سبيل حياة كريمة، حين يخسر "الوطن" بعض أبناءه - إن لم يكن كل أبناءه – باعتبار أن الباقين في سراح مؤقت، عندها سيكون قد خسر جزءا عظيما من قدرته على إقناعهم بأن المستقبل يمكن أن يُصنع داخله.
ولعل أكثر ما يمنح هذه الموجة من الهجرة دلالة رمزية، هو أنها تأتي في لحظة يستعد فيها المغرب لاستحقاق انتخابي جديد. ففي العادة، تمثل الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية موسما لتجديد الأمل واستعادة الثقة في المؤسسات وفتح نقاش عمومي حول المستقبل. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن جزءا من الشباب اختار في هذا التوقيت بالذات، المراهنة على ركوب الأمواج وألا ينتظر صناديق الاقتراع ولا يراهن على وطن خاب فيه أمله.
الحق في أن يكون للإنسان وطن
ترى (حنة آرندت) أن أعمق حقوق الإنسان هو "الحق في أن تكون له حقوق"، أي أن يكون منتميا إلى فضاء يعترف به سياسيا ويمنحه انتماء لوطنه أولا ثم من خلاله موقعا داخل العالم، وقد كتبت في هذا المعنى عن اللاجئين وعديمي الجنسية. فالإنسان قد يحمل جنسية بلده ويعيش فوق أرضه، ومع ذلك، يشعر بأنه فقد بصورة رمزية حقه في الانتماء؛ الأمر الذي يجعل هجرته بحثا عن قيمة واعتراف بإنسانيته أكثر منها مجرد انتقال جغرافي. لا يهاجر المضطر وطنه مخاطرا بحياته بحثا عن لقمة عيش أو راتب شهري كريم فحسب، بل يبحث أيضا عن مجتمع يشعر فيه أن وجوده له قيمة وأن جهده يمكن أن يتحول إلى مستقبل.
إن الديمقراطية ليست مجرد ألوان يُلقى بها داخل صناديق شفافة، كما أن التنمية ليست مجرد مؤشرات اقتصادية. الديمقراطية في معناها التعاقدي العميق هي قدرة الوطن على إنتاج الثقة؛ ثقة الفرد في جهده الذي لن يضيع مهما كانت الظروف وأن كرامته ليست وعدا انتخابيا يُستهلك عند الإقتضاء، بل حقا يمارسه في كل لحظة من حياته، فإذا تراجعت الثقة وغابت الحقائق وكثرت المهازل، يصبح التصويت رحيلا بالأجساد لا بالألوان وأن الأحلام تكون قد غادرت قبل أصحابها منذ زمن.
ليست القضية في وجود علاقة مباشرة بين الانتخابات والهجرة، وإنما في التناقض الرمزي بين فعلين متزامنين؛ فعل سياسي يدعو المواطنين إلى المشاركة في صناعة المستقبل داخل الوطن، وفعل اجتماعي يعبر فيه آلاف الشباب عن قناعة أو عن شعور بأن مستقبلهم يوجد خارجه. هنا لا يعتبر البحر مجرد جسر جغرافي بل يتحول إلى ما يشبه "صندوق قِراع لا صندوق اقتراع"، يصوت فيه اليائسون بأجسادهم بدل أوراقهم ويعبرون عن موقفهم من الواقع بخطوة نحو المجهول لا بورقة توضع في "صندوق شفاف".
ولعل أقسى صورة يمكن أن تختزل هذه اللحظة هي أن الوطن كان في اليوم نفسه، يفتح طريقين أمام شبابه؛ طريقا يقود إلى صندوق الاقتراع وطريقا آخر يقود إلى البحر. الأول يطلب منهم الثقة والثاني يختبر مقدار اليأس الذي يغلف الحناجر. وبين الطريقين وقف آلاف الشباب ليعلنوا - دون كلام - أن أخطر أزمة قد تواجه أي مجتمع ليست أزمة اقتصاد ولا سياسة وإنما تتمثل في فقدان الثقة وبعدها تنهار كل الآمال.
العبث الذي يولد من فقدان الأفق
يرى (ألبير كامو) أن العبث ينشأ عندما لا يستجيب عالمك لمعنى المواطنة، أما الحياة فما هي إلا معنى الوجود ذاته. ومن هذه الزاوية تبدو الهجرة غير النظامية مفارقة وجودية؛ فالشاب يعلم أن البحر قد يقتله ويعرف أن الرحلة قد تنتهي بالفشل، ومع ذلك، يغامر بالعبور سباحة لا لأنه يعشق الموت لكنه لم يعد يحتمل وجودا فقد معنى الحياة. إن هذه المفارقة ليست تمجيدا للمغامرة وإنما هي وصف للحظة يختل فيها ميزان المعنى.
إذن، نحن هنا أمام سؤالين ملتبسين ! سؤال فلسفي، لماذا نستمر في الحياة ؟ في مقابل سؤال يفرضه البحر بواقعه المر، ماذا يحدث عندما تصبح المجازفة بالحياة أقل عبثا من الاستمرار في الواقع نفسه ؟

لا يمكن إنكار أن المغرب عرف خلال العقود الأخيرة مشاريع كبرى في البنية التحتية، والموانئ والطاقات المتجددة والصناعة وتوسيع شبكات النقل والاستثمار؛ تحولات حقيقية أسهمت في تغيير وجه البلاد وتعزيز مكانتها الاقتصادية والإقليمية. لكن التجربة الموضوعية تفيد بأن التنمية لا قيمة لها عندما تُشّيد بالإسمنت والحديد فقط، لكن بما يُبنى من عقول وثقة بين الأفراد أيضا. فقد تنجح الدولة في بناء الميناء، لكنها تظل مطالبة ببناء الجسر الرمزي الذي يربط الشاب بمستقبله. وقد تتوسع المدن، بينما يظل الإحساس بالمشاركة والعدالة وتكافؤ الفرص أقل اتساعا لدى فئات من المجتمع. لذلك، فإن صور الآلاف من الشباب الذين اندفعوا نحو البحر لا تنفي منجزات الواقع، لكنها تدعونا إلى التساؤل عن كيفية تحويل تلك المنجزات إلى أفق يراه المواطن في حياته اليومية، لا إلى مؤشرات يقرأها في التقارير فقط.

عندما يصبح البحر استفتاء على الأمل
إن أخطر ما يصيب المجتمع ليس الفقر وحده كما يرى (إميل دوركايم)، حيث يصف هذه اللحظة بأزمة في المعايير، حالة الأنومي (اللامعيارية)، أي تفكك المعايير الاجتماعية المنظمة للسلوك، وهي انهيار المعايير التي تمنح الإنسان الإحساس بالمعنى والانتماء، وغياب اليقين بأن الجهد سيؤدي إلى نتيجة وأن المستقبل يمكن أن يكون امتدادا طبيعيا للحاضر، عندما يختل هذا الإحساس يصبح الرحيل أكثر من قرار فردي؛ إنه تعبير عن تصدع في العلاقة بين الفرد ومجتمعه.

إن الأفراد حسب (ماكس فيبر) يتصرفون وفق المعاني التي يمنحونها لأفعالهم، باعتبارها أفعالا اجتماعية تحمل معنى لأصحابها، فالشاب الذي يواجه البحر لا يرى نفسه مقامرا ولا مجازفا، بل يرى نفسه فاعلا باستعادة السيطرة على مصيره. فالذي يبدو مخاطرة لاعقلانية عند البعض قد يكون في نظر الآخرين أكثر الخيارات معنى من وجهة نظر الفاعل الاجتماعي في ظل انسداد البدائل.

تُمارس الهيمنة أيضا من خلال العنف الرمزي بقدر ما تُمارس بالقوة، كما يرى (بيير بورديو)، فحين يصبح النجاح مرتبطا في المخيال الإجتماعي بالرحيل ومغادرة الوطن، وتصبح آثار التمثلات الاجتماعية عنفا رمزيا تجعل "الخارج" يبدو أكثر وعدا من "الداخل"، وحين تتحول صور الوصول إلى أوروبا رأسمالٍ رمزي واعد يتداوله الناس في هواتفهم ومجالسهم، فإن الهجرة تغدو أكثر من انتقال جغرافي؛ إنها انتقال نحو اعتراف اجتماعي يعتقد الكثيرون أنه لم يعد ممكنا داخل الوطن.

ويضيف (زيغمونت باومان) بعدا آخر حينما يتحدث عن "الحداثة السائلة"، حيث تصبح الهويات والوظائف والعلاقات والأفكار تعبيرا عن سيولة عالم فقد استقراره وثباته، في عالم يبدو فيه الإنسان في حركة دائمة ويغدو الوطن نفسه عند بعض الفئات محطة مؤقتة لا فضاء دائما للانتماء.

إن الأوطان لا تُقاس بعدد من يصوتون سياسيا وإنما بعدد من يختارون البقاء فيها والتضحية من أجلها. لكن عندما يصبح وطن أكثر إقناعا من وطن آخر ويصبح الارتماء في أحضان البحر أكثر ثقة وأمانا، وعندما يطلب من هؤلاء الشباب في اللحظة نفسها، المشاركة في رسم مستقبل سياسي "لوطنهم"، فإن الرسالة التي يبعثون بها تتجاوز حدود الهجرة؛ إنها دعوة إلى التأمل في سؤال المواطنة العميق، كيف يمكن إعادة بناء الأمل حتى يصبح الطريق إلى صندوق الاقتراع أكثر إقناعا من طريق البحر ؟
ويجدر بنا أن نفهم هذه المفارقات بما تستحق من تفسير موضوعي بعيد عن المزايدات السياسية. فالهجرة الجماعية، عندما تتزامن مع لحظة انتخابية فإنها لا تُختزل في مؤشر اقتصادي أو أمني فحسب، لكنها تصبح سؤالا حرجا حول طبيعة العلاقة بين الشباب والفضاء العمومي وبين المواطن والمؤسسات وبين الوعود السياسية وإمكان تحققها في الحياة اليومية؛ فالسياسة وتدبير الشأن العام يعبران عن القدرة على إنتاج الثقة قبل إنتاج حاجات الناس، لأن الثقة هي الرأسمال الرمزي الذي يجعل الإنسان يؤمن بأن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل وطنه وليس على أرصفة وطن آخر.
تتقاطع تصورات (ابن خلدون وآرندت وكامو)، على اختلاف سياقاتها، عند سؤال مركزي أشد عمقا، ماذا يحدث عندما يضعف العمران ويهتز الانتماء ويصبح العبث أكثر قابلية للتصديق من الأمل ؟ ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ونحن نقترب من استحقاقات سياسية جديدة، ليس من سيفوز في الانتخابات فقط ؟ ولكن كيف يمكن أن تنتصر الثقة وينتصر الوطن لأبناءه ؟ وكيف يمكن أن يستعيد العمران معناه الإنساني، عمران يستشعر من خلاله الشباب المغربي بأن الرحلة في الوطن أقصر الطرق إلى مستقبل كريم وليس في عرض البحر ؟ وأن المجتمعات العظيمة ليست تلك التي تمنع أبناءها من الرحيل بالقوانين، بل تلك التي تجعل قرار البقاء هو الخيار الأكثر عقلانية والأكثر كرامة والأكثر امتلاء بالأمل.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟