يوم الجمعة السادس والعشرين من يونيو 2025، شهدت شوارع ضاحية نوربرو في كوبنهاجن موكبا عاشورائيا ضخما⁽¹⁾ إحياء لذكرى استشهاد الامام الحسين⁽²⁾، اشترك فيه ما يقارب ثمانية عشر الف شخص. اللافت في هذا الموكب ان المنظمين اشترطوا فصلا كاملا بين النساء والرجال⁽³⁾، إذ يسير الرجال والاطفال وذوو الاحتياجات الخاصة في المقدمة، تليهم النساء في صف منفصل.
تمثل هذه الممارسة، من منظور قيم المساواة السائدة في اوروبا الغربية، شكلا من اشكال الفصل بين الجنسين في الفضاء العام. وهي ممارسة تذكر بانماط مماثلة معروفة في انظمة تتعامل مع المراة بصورة دونية وتضع قيودا صارمة على حضورها في الفضاء العام وحقوقها المدنية، كـالنظام الايراني⁽⁴⁾ الذي يفرض على المراة قواعد لباس إلزامية ويحد من حقها في التنقل والعمل والمشاركة العامة، والنظام السعودي⁽⁵⁾ الذي لا يزال يكرّس نظام الولاية الذكورية بصور متعددة رغم الاصلاحات الجزئية المعلنة، فضلا عن مناطق تحت سيطرة حركات دينية متشددة تعامل المراة باعتبارها قاصرا دائما، كـحركة طالبان في افغانستان⁽⁶⁾ التي حرمتها من التعليم والعمل والخروج دون محرم، وجماعة الحوثيين في اليمن⁽⁷⁾ التي تفرض عليها قيودا مختلفة.
والأهم أن مثل هذه الممارسات في الفضاء الأوروبي تطرح تساؤلات جدية حول مسار بناء مجتمعات موازية تعمل خارج المرجعية القانونية والقيمية المشتركة للدول المستضيفة. وقد أثارت هذه الواقعة ردود فعل واسعة في الدنمارك. أحزاب اليمين ربطتها بما تسميه "القيم الوطنية"، وهو نقاش يتكرر في عواصم أوروبية عديدة كلما ظهرت قضية مماثلة، في بلجيكا وفرنسا وألمانيا والسويد على حدٍّ سواء. غير أن هذا اليمين لا يكتفي بنقد ممارسة بعينها. كثيراً ما يستغل هذه المناسبات للدعوة إلى تشريعات تتجاوز حدود المساواة المطلوبة وتصطدم بمواثيق حقوق الإنسان الدولية، كتقييد حرية العبادة بمجملها، أو فرض قيود تمييزية على الهجرة واللجوء استناداً إلى الدين أو الأصل. هذه المطالب تنتهك حرية المعتقد وحق اللجوء كما تكفلهما الاتفاقيات الدولية، ولا تفرّق بين معالجة ممارسة تمييزية محددة ومعاقبة جماعة دينية بأكملها.