مقدمة:
عرف المغرب عبر حقبه الطويلة والممتدة، ظواهر اجتماعية وسياسية عديدة، لعل أبرزها ظاهرة العنف التي بصمت تاريخه بأشكال مختلفة فطبعت بذلك نصوصه التراثية، ولعل تسليط الضوء على هذه النصوص باستقرائها، سيساهم في الكشف عن مدى تفاقم هذه الظاهرة، التي تتوخى هذه الدراسة المتواضعة تقديم قراءة تحليلية على تجربة تعتبر النموذج الأمثل لها، وهي التجربة الموحدية.
1- الاسطوغرافيا والعنف الموحدي:
بإلقاء نظرة خاطفة على المصادر التي أرخت للدولة الموحدية، على اختلاف مشاربها واتجاهاتها نجدها متفقة على العنف الذي مارسه الموحدون منذ ظهورهم على مسرح الأحداث، ويكفي في هذا الموضوع ذكر أسماء كل من أخبار المهدي للبيدق، ونظم الجمان لابن القطان...
والظاهر من خلال هذه النصوص، أن الدولة الموحدية مارست إكراهها وعنفها " الشرعي"، بأساليب متنوعة، وتقدم متون الفترة انطباعا عن كثرة القتلى، وسفك الدماء، ولاتعوزنا النصوص التي تصف المهدي بن تومرت بأنه كان " سفاكا للدماء غير متورع فيها ولا متوقفا عنها يهون عليه سفك دم عَالَم من الناس في هوى نفسه وبلوغ غَرَضِه"[1]، مثلما تصف عبد المومن بن علي بأنه " كان كثير السفك لدماء المسلمين على صغار الذنوب "[2].
ولم يفت أحد الجغرافيين أن يسجل على الموحدين أنهم " سفكوا الدماء، وباعوا الحرم كل ذلك بمذهب لم يروا فيه حلالا"[3]، كما تكشف النصوص عن الأعداد الهائلة من السكان الذين لقوا حتفهم بسبب الحملات التي شنها الموحدون على مناوئيهم، ففي إحدى الحملات العسكرية التي شنها الموحدون ضد مدينة مراكش" قتلوا ما لا يحصى"[4]، كما " قتل أهل أغمات مقتلة عظيمة ومات فيها من جناوة ثلاثة آلاف أسود"[5]، أما في منطقة درعة فقد " قتل فيها من شيع التجسيم نيف عشرين ألفا"[6].
وأثناء دخول عبد المومن بعض المدن المغربية لم يتردد في قتل أغلب مناوئيه، فقد كان دخوله مدينة فاس سببا في هلاك " خلق كــــــثير "[7] وفي مكناسة تعرض السكان لأغرب طرق التعذيب التي قام بها الموحدون في غزواتهم، بإحراق الناس أحياء في حادثة فريدة، حيث فر منهم مجموعة من الناس وهرعوا إلى شجرة تغصاص كبيرة " ظنوا النجاة فيها فتعلق بها منهم خلق كثير، وضم الموحدون الحطب لتلك الشجرة وأضرموا النيران حولها فسقط كل من كان فيها واحترقوا عن آخرهم"[8] .