قصة ودراسات أدبية

فتحت عيني عندما سمعت صوت خالي الأجش، يناديني ويدعوني إلى النهوض، تردد صوته في أرجاء بيتنا المتواضع "الرجال لا ينامون بعد شروق الشمس". وجدت أمي واقفة بجانب فراشي فرنوت إليها بعينين أثقلهما النعاس، كان باب الغرفة مواربا فتبعثرت نظراتي بين مباني القرية ذات الألوان الكالحة، واخترقتْ الأنهج الممتدة والأزقة الضيقة،
رجل تصميم خالي، حين أنظر إليه وأنا أقف وراءه لا أكاد أرى كتفيه، فهو كالطود الشامخ الذي لا ينحني، يداه الخشنتان المعروقتان وكفاهما المتشققتان اللتان تنتهيان بأصابع طويلة توحي أنه من سلالة العماليق بل هو العملاق الوحيد في القرية. وعندما يمشي بهامته المديدة تقرع قدماه الأرض قرعا عنيفا، ومع ذلك فهو هادئ الطبع فلا صلافة فيه ولا غلظة. لا يتكلم كثيرا، وإذا نطق لعلع صوته ليملأ الأرجاء كأنْ لا صوت يعلو فوق صوته. قلبه مخزن أسرار وخفايا، لا يبوح بها أبدا، أحكم إغلاق ذلك الصندوق وألقى مفاتيحه في أعماق البحار حتى لا يصل إليه أمهر البحارة. ولا يشكو ولا يتذمر. ظل يتمنى رؤية ابن له من صلبه يدرج أمام عينيه، لكنه حُرم منه رغم أنه تزوج مرتين، طلق الأولى بعد عقد من الزمن، ثم تزوج الأخرى بعد مدة وجيزة لتعينه على همِّ الدنيا مثلما كان يردد دوما. واستعاض بي، أنا ابن أخته، عن الأبناء الذين رسم صورهم في مخيلته، لكن تلك الصور ظلت جامدة لم يُكتب لها أن تتجسد أرواحا وأبدانا.
عندما غادرنا المنزل تسمرت أمي في مكانها وظلّت تلوِّح لنا بيمناها ، وبيسراها كانت تكفكف دمعة انحدرت على خدها. حاولتْ أن تظل رانية إلينا إلى آخر لحظة، كأنها تريد لصورتينا أن تنطبعا في ذاكرتها. عادت أدراجها ودلفت المنزل ولسانها يلهج بما تحفظ من دعوات صالحات. وعندما غبت وخالي بين منازل قريتنا المتناثرة أحست أن فؤادها ارتج وأن جزءا منه قد انسلخ عنها ورحل معنا. وتذكرت الحوار القصير الذي دار بينهما قبل مغادرتنا:
- ما زال صغيرا عن الخروج في رحلة صيد.
لم يلتفت إليها خالي ولم يردّ عليها بكلمة.
- سيتعب وسيمرض وسيجوع وسيعطش.
حدجها بنظرة ثاقبة اهتزت لها روحها، لكنها أضافت:

شعرت بالخجل
شعرت بالخجل وهي تدخل الشركة متأخرة مرة أخرى. كثرت حججها، حتى أصبحت مهددة بالتوقف عن العمل. تكون آخر الملتحقين بالعمل، وأول المغادرين له. إنها زينب. لها طفل صغير، فهي التي تتحمل مسؤولية اصطحابه إلى الروضة والعودة به منها. وغالبا ما تضطر إلى إحضاره إلى مقر عملها لعدم وجود من يرعاه.
قلت لها يوما: "لماذا لا تتركينه في البيت مع أبيه؟"
ابتسمت بشكل آلي وقالت لي بصوت خافت: "أنت لا تعرفه. زوجي شديد القسوة، ولا يتحمل رعاية طفل في هذا السن."
لم أفهم كيف تبرر سلوكه. قلت لها وهي منهمكة في مراجعة بعض الأوراق التي تراكمت فوق مكتبها: "زوجك لديه الوقت الكافي ليأخذه إلى الروضة ويحضره، خصوصا أنه تاجر يتحكم في وقته."
ابتسمت من جديد بكل لطف وقالت لي: "لقد حاولت معه، وفي كل مرة يقول لي: الطفل مهمتك أنت، تصرفي، أنا غير مسؤول."
وأضافت، كأنها كانت تنتظر الفرصة لكي تحكي: "خناقات يومية حول هذا الموضوع. هو عارف أنني مهددة بالطرد من العمل، ومع ذلك مصمم على رأيه."
اقتربت منها وقلت لها بكل هدوء: "اسمعيني، بما أنك تجدين دائما الحلول، ولو على حساب عملك، فهو لن يهتم. يجب عليك تغيير سلوكك تجاهه."
أصابها الهلع، كأنها سمعت خبرا غير مفرح. حاولت تهدئتها، وشرحت لها أنها فقط يجب أن تحمله مسؤوليته، وألا تستسلم.
ابتسمت، كأنها وجدت حلا لعملية معقدة، واتجهت بنظراتها صوب نافذة مكتبها، ثم قالت لي بكل ثقة: "كلامك عين الصواب. لقد تنازلت كثيرا، وحان الوقت ليتغير هذا الوضع."
كانت عيناها تحملان شعلة من التحدي والرغبة في التغيير. سلمت علي وخرجت خروج المنتصرين، رغم أنها كانت في بداية طريق جديد.
وتوالت الأيام، والتقيتها يوما، وكانت مبتهجة ومقبلة على العمل بحماس كبير. سألتها: "هل هناك جديد؟"
أجابتني بإشارة من يدها تحمل بشائر النصر.

لم تكن الهند مكاناً وطئته قدماي، بل قارةً من نورٍ وحنين شيدتها مخيلتي بين دفتي كتابٍ قديم ونافذةٍ مفتوحة على الحلم. وكلما أغمضتُ عيني، وجدتني أسافر إليها دون جواز سفر، وأعبر شوارعها دون أن أغادر مكاني، كأن الروح كانت تعرف الطريق إلى هناك قبل أن تعرفه الخرائط.
وقبل أن تبدأ الرحلة حقاً، وقبل أن تنفرج ستائر الحلم عن مسارحها الخفية، سكنتني روح باخوس. لا باخوس الأسطورة وحده، بل روح النشوة الوجودية التي تجعل الإنسان يرى العالم بعينٍ ثالثة، لا تنتمي إلى الجسد ولا إلى العقل، بل إلى ذلك الحيز الغامض الذي تتعانق فيه الرؤى والذكريات والأمنيات.
شعرتُ كأنني أرتشف من كأسٍ مملوءةٍ بأسرار الكون. لم تكن خمراً، بل دهشةً صافية. كانت الأشياء من حولي تذوب في بعضها كما تذوب الألوان في لوحةٍ مبللة بالمطر؛ الجدران تتحول إلى ضباب، والضباب إلى غيوم، والغيوم إلى جسورٍ معلقة بين الأرض والسماء. عندها أدركت أن الرحلات الكبرى لا تبدأ من الموانئ والمطارات، بل من تلك اللحظة التي يتمرد فيها الخيال على حدود الواقع.
وفي غمرة تلك النشوة، وجدتني أقف على ضفاف الغانج المتخيَّل، حيث يجري الماء كقصيدةٍ أزليةٍ هاربة من فم الزمن، وحيث تتعانق ألوان الغروب كما تتعانق رسائل العشاق التي ضلت طريقها إلى أصحابها. كان المساء ينسدل على الكون كعباءةٍ من حريرٍ بنفسجي، وكانت الريح تمر بين أفكاري كعازفٍ وحيدٍ يجر قوسه على أوتار الحنين.
هناك، أدركت أنني لا أبحث عن الهند، بل أبحث عن نفسي.
كان النهر يمر هادئاً أمامي، فأرى فيه صورة العمر وهو يمضي دون أن يلتفت إلى الوراء. وكل موجةٍ كانت تبدو كأنها يدٌ شفافة تخرج من أعماق الزمن لتربت على كتف الذاكرة. شعرتُ أن السنوات التي عشتها لم تكن سوى قطراتٍ صغيرة في نهرٍ لا يعرف التوقف.

الحافلة تمضي بلا توقف، يشق صوت محركها الهادر المنهك هذا السكون الممتد إلى ما لا نهاية، تعبُر هذه الفجاج الموحشة المقفرة. الطريق ممتدة كخيط رقيق بين كثبان الرمال بالكاد يتيسر لسائق الحافلة رؤيتها. يكابد ليتفادى الاصطدام بقطيع جمال يشق الطريق متهاديا في سكينة، ويحاول أن يتجنب الدوس على زاحف يعبر لاهثا وراء فريسة يريد اقتناصها في هذه الهاجرة الناشبة مخالبها في كل شيء، في اللحم والحديد والنباتات الصحراوية التي تكابد لتتخطى هذا الصيف الجارح العنيد الذي يأبى الرحيل سريعا.

أفكار كثيرة راودته منذ امتكن في المقعد الثالث وراء السائق في هذه الحافلة نصف الخالية من الركاب القلائل الذين يسعى كل منهم إلى مأرب، تطوح بهم المقادير نحو دروب مجهولة، ترميهم متاهة إلى متاهة ويقودهم درب إلى درب. قدموا من كل فج عميق ليعبروا هذه الحياة الزاخرة بالفراغ والعذاب والهجر، فإذا اللهاث وراء تحقيق الغايات والمآرب يصبح ضربا من العبث واللهو الطفولييْن الذي ينتهي عادة بالركون إلى إحدى الزوايا في انتظار طيف يعبر ليحقق للحالمين أحلامهم.

العينان غائرتان تدوران في المحجرين الغائصين تحت تجويفات بين الحاجب وعظام الخد البارزة. والشعر أغبر غلب بياضُه سوادَه. الفم أدرد تناثرت أسنانه فما عاد يصلح إلا للتمتمة بألفاظ السباب والشتم. والجبين مغضن بالتجاعيد الشاهدة على سنوات سبع من التيه والعذاب في هذه البيداء المترامية الممتدة بلا حدود. والجسم ناحل هزيل يلفه قميص بهتت ألوانه بل اختفت تحت طبقة من الوسخ والتراب. أظافر اليدين طويلة بما يكفي لهرش الجسد المزروع في المقعد الثالث لهذا الصندوق الحديدي بصوته الهادر الذي يشق سكون هذه الصحراء الفسيحة.

عندما جلستُ بمقهى "بلادي"، كان كل همي أن أجد فكرة ذات بعد إنساني تنهل من قاموس يمتزج فيه الأصيل بالحديث، لكتابة قصة جديدة وفريدة، لهذا كنت أحاول أن أقتنص تجلياتها، وأنا جالس أمام قهوتي، سادرًا ببصري في اتجاهات مختلفة، وأنتظر أن تجود عليَّ بنات أفكاري بما يشفي غليلي ويحقق رغبتي الدفينة.
وفيما أنا منصرف إلى إيجاد عتبة لولوج بوابة الحكي، انتشر حولي باعة متجولون يعرضون سلعهم التي تبدأ بلوازم الهواتف النقالة (وهذا اختصاص إفريقي)، مرورًا بالفواكه الجافة وعلب الشوكولاتة والبسكويت، وصولًا إلى مناديل الورق. لم يكن وجودهم يشوش عليَّ، ولكنه كان بالنسبة لي وسيلة لاقتناص نماذج لشخصيات مؤثرة في قصتي، وحبكة فاعلة تساهم في تطور الأحداث، وتحديد إطار زمكاني يمنح المصداقية للصراع المتصاعد، ويسهل كتابة الأحداث.
اقتربت مني فجأة سيدة ترتدي جلبابًا أفغانيًا، ولا يظهر من خلف النقاب الذي كان يغطي وجهها سوى عينيها الثاقبتين، وقالت بلهجة مشرقية: «صدقة يا حاج». ناولتها درهمًا، فقال كهل كان يجلس بجواري: «أغلب هؤلاء من أكراد سوريا، ليسوا روماً ولا عربًا». حرَّكت رأسي موافقًا ومبتسمًا في الوقت نفسه.
أغمضت عيني لحظة، وعندما أعدت فتحهما اكتشفت أن الكهل انصرف إلى حال سبيله، وأن هناك شخصًا في بداية عقده الرابع يجلس على الكرسي المقابل لي، حياني بحرارة، كأنه كان على معرفة مسبقة بي. حدقت فيه مليًّا، وتصفحت ملامحه، وأحسست بأن صورته ليست غريبة عني، ومع مرور الوقت اكتشفت أنه يشبهني كثيرًا، نعم، يشبهني بشكل مثير للاستغراب. الفرق الوحيد الذي كان بيننا هو فارق السن؛ فهو في ريعان شبابه، وأنا كنت في أوج كهولتي. سألته بعد تردد قصير:
• «هل تشرفني باسمك؟»

رغبة في عدم العودة
أخذت حقيبتها وخرجت دون أن تعرف وجهتها. قررت، في نهاية المطاف، أن تتوجه إلى محطة القطار. صور الأمس واليوم تتراقص أمامها. صراع بين رغبتها في الهروب والبقاء. ذلك البيت الذي تركته دامعة ومنكسرة وحائرة وحزينة، ورمت جسدها وروحها من أعلى قمة كانت تجلس عليها، يحمل لمساتها، وآهاتها، وضحكاتها وفرحها. يحمل متمنياتها، وأحلامها، وسهر الليالي، والاستيقاظ في الصباح الباكر جدًّا قبل الجميع. تتذكر، وهي تخطو بخطوات مترددة، تجر حقيبتها وراءها، كيف كانت تتحسس جدار غرفة نومها عندما تستيقظ، ولا تشعل النور، وتغادر الغرفة في هدوء حتى لا توقظه، متجهة إلى المطبخ في صمت لإعداد وجبة الفطور.
كادت سيارة أن تدهسها وهي تسير شاردة، مضطربة، تشعر بالاختناق، وتتمنى لو امتلكت عصًا سحرية تعيد بها الزمن إلى الوراء، وتعيد كتابة حياتها من جديد.
انتظرت سيارة أجرة، اتجهت إلى محطة القطار، والذكريات تهاجمها من كل جانب. جلست تنظر إلى الناس الذين يتسابقون بشكل ميكانيكي إلى القطار، وربما كانت تلك أول مرة تنتبه إليهم. أجساد طويلة، عريضة، صغيرة، كبيرة... تتأملهم، تبدو على ملامح بعضهم فرحة هجرتها منذ زمن، وعلى ملامح البعض الآخر قسوة غريبة، وهناك من بدوا بدون ملامح. يتحركون بشكل آلي. انتظرت، وتسمرت رجلاها، ولم تعد تستطع الحركة. جاء قطار وغادر قطار، وهي تعيش لحظة غير طبيعية وغير متزنة، وشريط حياتها يمر من أمامها دون استئذان. غيرت اتجاه نظراتها، ورمقت آخرين ترميهم سيارة الأجرة الصغيرة بشكل غير إنساني، وعينهم على القطار. لمحت وجهًا تعرفه جيدًا وأحبته بجنون، وجهًا اختفى عنها منذ زمن. بحثت عنه في المستشفيات، وفي محطات القطار، وعلى الطرقات. تاهت بعدها وسط ضجيج وصخب وعنف. وجه يشرئب بعنقه من زمن الطفولة واللحظات الصغيرة والجميلة، وجه أبيض منور كالبدر، تشع منه رائحة الحب والقلب الطيب. وقفت، وخرجت تجري لا تلوي على شيء، تبحث عنه، تاهت من جديد، وأدركت أن قدميها تتجهان إلى البيت الذي هجرته مرغمة. بيت يسكنها بماضيه وحاضره. تذكرت دموعها، وجرت بشكل هيستيري إلى غرفتها، وأقفلت الباب بالمفتاح، كمن أوصد قلبه في وجه حب قديم.

منذ أن أبصرتُ النور، كنتُ أمضي في طريقٍ خطّته لي يدُ أبي، وتوارثته خطوات من سبقوني، حتى صار كالنهر الذي يعرف مجراه قبل أن يصل إلى مصبّه. كان طريقًا يبدو واضحًا، مطمئنًا، تحرسه أعراف الجماعة، وتدعمه ذاكرة القبيلة، فأمضي فيه كما تمضي الطيور في سربٍ لا يتساءل عن اتجاه الريح.

كبرتُ شيئًا فشيئًا، ومعي كبرت الأسئلة التي لم يكن لها صوت. كنتُ أسير، لكن داخلي كان يقف عند كل منعطف، يتأمل ولا يجيب. حتى جاء ذلك اليوم الذي لم أعد فيه مجرد عابرٍ للطريق، بل صرتُ واقفًا أمامه.

كان هناك مفترق. طريقٌ إلى اليمين، مألوفٌ كبيتٍ قديم، دافئٌ كعاداتٍ لا تُسأل، مريحٌ لأنه معروف. وطريقٌ إلى اليسار… لم يكن مجرد مسارٍ آخر، بل كان فكرةً تمشي على الأرض، ونداءً لا يُسمع بالأذن بل بالوعي. كان يسارًا فكريًا يتشكل كولادةٍ جديدة داخل العقل، كخروجٍ من ضيق التلقين إلى اتساع السؤال.

كان اليمين يشبه حضن القبيلة؛ يطمئنك لأنه يعرفك مسبقًا أكثر مما تعرف نفسك، لكنه في الوقت ذاته يطلب منك أن تبقى كما أنت، بلا تغير، بلا اهتزاز. أما اليسار، فكان يشبه نافذةً تُفتح على رياحٍ لا تُشبه ما اعتدتُه، رياحًا تحمل معنى مختلفًا للحرية؛ حرية أن أفكر، أن أختبر، أن أختلف، أن أتمرد على ما يُقدَّم لي كيقينٍ جاهز.

وقفتُ طويلًا بينهما. لم يكن الصراع بين طريقين فحسب، بل بين صورتين لي: أنا كما أرادني الآخرون، وأنا كما يمكن أن أكونه إذا سمحتُ لنفسي أن أسأل.

صديقي الأثير حدثني عن عمه قائلا:
" أبي له شقيق واحد، يطلقون عليه "أعنان"، في سنوات السبعينيات، كان لقائي به يتجدد كل مساء ، بعد أوبته من عمله في "كتامة"، لم أكن أستجديه ليحكيَ لي ولم أقل له يوماً:" تكلم" تعريضاً أو تصريحاً، كان يكفي أن ينظر في عينيّ الصغيرتين الغارقتين في حوض من الكحل الطبيعي من مرض، فيبدأ كشلال هادر يحكي ، حينها أسمع حقائقَ، وخرافاتٍ فتنبسط أمامي، في الحيز الضيق الذي نتقاسمه في الجلوس، والذي يربط بيني وبينه، عوالمُ غريبة أغرق في طبيعة ناسها، وحيوانها، ونباتها وجمادها.. في الكثير من حكاياته تبدو هذه العوالم مختلفة تماماً، لا شرخَ فيها، ولا نشاز، ولا اعوجاج، وإنْ وجدَ واحد فمن "أبجديات التصرف"، يقتضيه تنميق الكلام؛ كان عمي يطلي حكاياتِه بالماكياج، ويخرج دائماً "مُلوناً" من مواقف حياتية صعبة بذكاء بطلٍ خارق.. أظل في البيت، وتأتيني حكاياته دون أن أطلبها…
مبتسماً قاطعتُ صديقي، قلت له:
(كلامك عن عمك، صديقي، ذكرني بجد "باسيل" بطل رواية "زوربا" اليوناني، كان يخرج بفانوس إلى الخارج بحثاً عن غريب تائه، يستضيفه في داره، يطعمه، ويكرمه، ثم يطلب منه أن يسدد دينه بقوله له " تكلم"، ويبدأ الضيف في" الحكي"، وينتشي الجد مما يسمع من أخبار، وأحاديثَ، وحكاياتٍ، وكان يكتفي بما يسمعه من ضيوفه دون أن يغادر أبداً القرية التي يعيش فيها.. هكذا أحب الحياة دون أنْ يضرب في الأرض...
ضحك صديقي، حين أضفت:
" أنت محظوظ، الحكايات تأتيك من عمك دون أن تطلبها".. ثم رجاني ألا أقاطعه مرة أخرى ثم واصل:

جواز السفر والتذكرة في كف يده، متشبث بهما كأنه يخشى عليهما من الخطف. وكلما دنت ساعة رحيله ارتج قلبه وارتفع وجيبه حتى لتكاد تصغي إلى دقاته رغم ما في المكان من ضوضاء. تعلو أنفاسه وتنخفض لأول مرة يشعر بهذا الكم من الرهبة والخوف كأنه لم يركب الطائرة من قبل رغم أنه حياته حافلة بالسفر والترحال. سنوات عديدة أمضاها متأرجحا على أجنحة الطائرات. لا يستقر إلا ليرحل من جديد. ألِفته أبهاء المطارات وبواباتها ومدارج الطائرات ومضيفاتها حتى ضجّ جواز سفره بأختام تأشيرات العبور. صار قَدره أن يفترش حقيبة سفر. كلما يظنّ أنه استقر يدعوه منادي الرحيل.
ضجّ بهو المطار بأصوات الموَدّعين والمستقبلين، وتداخلت صرخات الأطفال والنداءات الأنثوية الناعمة عبر مكبرات الصوت بين الفينة والأخرى مذكرة المسافرين بدنوِّ انتهاء إجراءات التسجيل في الرحلات. ومن المقهى المطعم الذي يتوسط البناية يتردد صدى أغنيات منبعثة من أجهزة متطورة تمنح العابرين لحظات استرخاء وهم يتلذذون بارتشاف أعقاب القهوة. نداءات وأضواء ووقع كعوب أحذية حادة يمشي أصحابها بانتظام، وصوت عجلات حقائب تئز على البلاط النظيف اللامع، حقائب سفر كبيرة وصغيرة يحاذي بعضها بعضا فوق شريط يدور أوتوماتيكيا يلتقطها أصحابها بعد إتمامهم إجراءات العبور، وبعد أن تكون تلك الحقائب قد خضعت لعمليات تفتيش آلية دقيقة بتمريرها من أمام شاشة تمسحها ضوئيا للكشف عن محتوياتها. تشعر وأنت تتجول في أرجاء هذه البناية الفسيحة أنك تتأرجح بين بلدين، لا أنت تشبثت بوطن ستغادر ترابه بعد حين، ولا أنت وطأتَ أرضا أخرى تفصلك عنها أزّتَا عجلات الطائرة عبر رحلة ستكون خلالها معلقا بين السماء والأرض.

"لقد أقبلت عليها كما تُقبل البطة على الماء، ولم تنقطع قط دهشتي من أنني أصبحت كاتبا."
سومرست موم
لقيت الرواية الأولى للأديب والمسرحي البريطاني سومرست موم (ليزا فتاة لامبث)، نجاحا كبيرا دفعه للتخلي عن مهنة الطب والتفرغ للكتابة. فوجئ الناس بإزميل ينحت الطبيعة البشرية بدقة هائلة؛ ففي الرواية يقدم موم للقارئ شخصية فتاة مفعمة بالطموح والحياة، ورافضة لبيئة الحرمان التي كانت سمة أحياء لندن الفقيرة آنذاك. غير أن الرغبة في تعويض الإحساس بفقدان الأب ستدفع فاتنة الحي إلى التعلق برجل متزوج يكبرها سنا، لتنتهي الأحداث بوفاة ليزا، بينما الأم الجشعة تعدّ ببرود نقود التأمين.
تفرّغ سومرست موم للكتابة التي قال بأنه بدأها كأمر طبيعي مألوف لا انفكاك عنه، تماما كالبطة التي لا انفكاك لها عن الماء. وفي سيرته التي تُرجمت إلى العربية تحت عنوان (عصارة الأيام)، لم يكتف موم بسرد تجربته الحياتية والصعاب التي اعترضت مسيرته الأدبية، وإنما برع كذلك في عرض نقائصه ككاتب، وملاحظاته على أساليب الكتابة لدى أسلافه ومعاصريه على حد السواء.
إن الإنسان العادي هو الذي على الكاتب أن يعالجه، فهو يحكي ذاته ولا يجد سببا لاصطناع شخصية أخرى. لذا كانت ذخيرة موم دوما هي عامة الناس، أولئك المغمورون الذين يظهرون على حقيقتهم، ولا يخفون تصرفاتهم الشاذة لأنه لم يخطر لهم أنها كذلك. فالعادي إذن، يقول موم، هو ميدان الكاتب الأخصب؛ يُمدّه بمادة لا تنضب بسبب ما فيه من جدة وتفرد وتنوع لا حد له.

تبدأ «القرداش» بمشهد لا يمنح قارئه وقتًا ليستقر. سالمة، وهي على سرير الاحتضار، ترى فرسانًا ببرانس بيض يطوفون حول مصباح غرفتها. يضطرب الضوء، فيتلاشى الفرسان، ويقترب السقف منها كأنه يوشك أن يسقط. تغمض عينيها، ثم تفتحهما في حذر، فلا تجد إلا الورل المحنّط واقفًا عند الباب، بعينين زجاجيتين لا ترمشان.
إن الطريقة التي انتقل بها السرد من عالم الهذيان إلى الواقع هي ما شدّ انتباهي منذ الصفحة الأولى. كان الانتقال هادئًا، وكأنه نسيج خفي؛ فسالمة تنتقل من الرؤيا إلى الواقع دون أن يعلن الراوي إفاقتها، من غير أن يظهر حدّ فاصل، ومع ذلك تحتفظ الرواية بتوازنها.
هل الهذيان فعلًا هذيان، أم أنه وعي لم ينضبط لترتيب العالم الذي حوله، وعي يقترح طرقًا أخرى لترتيبه؟ كانت سالمة تحتفظ بالمعنى كاملًا وهي تهذي، فقط تعيد صياغته. تتجاور الأزمنة عندها بدل أن تنسلخ من بعضها. ويبدو أن تدفق الذكريات محكوم بمثير خارجي، وهو الألم.
لقد تغيّر السؤال الذي دخلت به إلى الرواية فجأة، من سؤال يبحث عن تأويل، إلى سؤال يبحث عن "كيف". كيف استطاع وليد بن أحمد أن يكتب رواية تنطلق من هذيان، أو لنقل من وعي مضطرب، وتحافظ مع ذلك على اتساقها؟ كيف كانت هندسة هذا النص، وكيف شُيّدت عمارته؟ كيف منح الهذيان منطقة واسعة وخصبة في السرد، وكيف أعطى الأشياء أصواتًا، والزمن نظامًا يخصّه؟ وكل هذا يبدو كسمفونية بديعة.

كيف تتكلم الأشياء؟
يبدو أن وليد بن أحمد يهيّئ نسيج السرد، ويضع عقدة بعد عقدة أثناء الحياكة. فالأشياء التي كانت حاضرة تراقب وتترقّب، بدأت تخرج للواجهة حين منحها السرد لسانًا. فالورل، والقرداش، والمغزل، والخلّالة، والسدّاية، هي في الحقيقة أدوات لا شخصيات، ولكن الكاتب يقودنا خطوة بعد خطوة لقبول أنها تتكلم. والسرّ في ذلك أن القارئ توغّل في أوتوستراد الرواية، وبدأ يتعوّد على قوانينها ولوائحها. فحين ينتقل السرد بين الهذيان واليقظة دون إعلان، والقارئ يلتقط العالمين، يصبح مهيّأً لقبول انتقال الوعي من الإنسان إلى أدواته دون احتجاج.

شهدت الدراساتُ النقدية في العقود الأخيرة تحولات عميقة نقلت الاهتمامَ مِن النَّص الأدبي بوصفه بِنية جَمالية مُغلَقة إلى اعتباره ظاهرة ثقافية واجتماعية تتشابك فيها أنظمة السُّلطة والمعرفة والتمثيل. وفي خِضَمِّ هذه التحولات برز النقدُ الثقافي بوصفه مشروعًا معرفيًّا يسعى إلى كشف الأنساقِ المُضْمَرَة التي تتحكم في إنتاج الخِطاب، وتَوجيهِ الوعي الجمعي.
وقدْ أسهمَ عدد مِن النُّقَّاد والمفكرين في ترسيخ هذا الاتجاه، مِن أبرزهم الناقد السعودي عبد الله الغذامي ( وُلد 1946)، والناقد الفرنسي رولان بارت ( 1915_1980 )، اللذان التقيا في الرغبة في تجاوز حدود النقد الأدبي التقليدي، وافترقا في المنطلقات الفكرية والسياقات الثقافية التي شكَّلتْ رؤيتهما.
يُعَدُّ الغذامي من أبرز الأسماء العربية التي دافعتْ عن النقد الثقافي، وَسَعَتْ إلى تأصيله في البيئة العربية. وقدْ رأى أنَّ النقد الأدبي التقليدي ظَلَّ أسيرًا للجَماليات الشكلية والبلاغية، مُنشغلًا بسطح النَّص، ومُهْمِلًا ما يختبئ خَلْفَه مِن أنساق ثقافية تُمارس تأثيرَها العميق في المجتمع. ومِن هُنا دعا إلى الانتقال مِن نقد النَّص إلى نقد الثقافة، ومِن الاحتفاء بالمُنْجَز الجَمالي إلى مُساءلة القِيَم التي يُنتجها الخِطاب، ويعيد ترسيخَها.
ينطلق الغذامي من فكرة أساسيَّة مُفادها أن الثقافة ليست بريئة، وأن الخِطابات المختلفة تَحمل في طَيَّاتها أنساقًا خَفِيَّة تتسلَّل إلى الوعي، وتؤثِّر في السلوكِ الإنساني. ولذلك فإنَّ مُهِمَّة الناقد لا تقتصر على تحليل الصور والأساليب، بلْ تتجاوز ذلك إلى الكشف عن القوى الثقافية الكامنة خَلْفَ النصوص.
ركَّز الغذامي بصورة خاصَّة على ما سَمَّاه " النسق الثقافي"، وهو البِنية العميقة التي تتحكَّم في إنتاج المعنى، وتعيد تشكيلَ العلاقات الاجتماعية. ومِن خِلال هذا التصوُّر سعى إلى تفكيك الكثير من الظواهر الثقافية العربية، مُتناولًا قضايا السُّلطة، والذكورية، والمركزية الثقافية، وصناعة الرموز الاجتماعية. فالنص عِنده لَيس مُجرَّد عمل فَنِّي، بلْ هو وثيقة ثقافية تكشف طبيعةَ المجتمع الذي أنتجه، وتفضح ما يُحاول إخفاءَه مِن قِيَم وتحيُّزات ومُمارَسات.

حين يتحوَّل الشعرُ إلى سِيرة جُرح مفتوح، وحين تصبح الكلماتُ بديلًا عن الصرخة التي لا يسمعها أحد، تتشابه مصائر الشعراء مهما تباعدتْ أوطانُهم، واختلفتْ لغاتُهم. فالألمُ الإنساني يمتلك لغةً واحدة، والوجعُ حين يبلغ ذِروته يذيب الحدودَ بين الشرق والغرب، وبين المتوسط والثلوجِ الروسية.
ومِن هذا المنطلق يمكن أن نتأمل المأساة الجماعية التي تَجْمع بين الشاعرة اللبنانية ماجدة داغر والشاعرة الروسية مارينا تسفيتايفا (1892_ 1941 انتحار )، مأساة تتجاوز حدودَ التجربة الفردية لتصبح صورةً مُكثَّفة لمعاناة الإنسان في مُواجهة القَدَرِ والتاريخِ والوَحدة.
جاءتْ تجربة ماجدة داغر الشعرية من قلب لبنان الذي عرف الحروبَ والانقسامات والانهيارات والانتظارات الطويلة. في شِعرها تبدو الذات وكأنَّها تَحمل ذاكرةً جَماعية مثقلة بالخسارات. لَيست القصيدةُ عِندها ترفًا جَماليًّا أو تمرينًا لغويًّا، بلْ مُحاولة مستمرة لإنقاذ ما تبقى مِن الإنسانِ وسط الخراب.
تنبع قصائدُها من منطقة تتجاور في الحساسية الأنثوية معَ الألمِ الوطني، فتتحوَّل التجربة الخاصَّة إلى مِرآة لجماعة كاملة فقدت الأمانَ، وفقدت القُدرةَ على تفسير ما يحدث حَولها. في عالَم ماجدة داغر لا يظهر الحُزنُ بوصفه حالة عابرة، بلْ كَقَدَرٍ يُرافق الإنسانَ في رحلته الوجودية. لذلك تبدو مفرداتها مُحاطة بظلال الغياب والانتظار والقلق والأسئلة المفتوحة. إنَّها تكتب من منطقة الجُرح، لكنَّها لا تستسلم له، بلْ تُحاول أن تمنحه مَعنى. ومِن هُنا تأتي قوةُ تجربتها، إذْ تجعل القارئَ يشعر بأنَّ آلامه الشخصية تجد صدى لها في النَّص، وكأنَّ الشاعرة تتحدَّث باسم جماعة واسعة من المقهورين والمُهمَّشين والمنكسرين.

حِينَ يضيق الواقعُ بأهله، ويشتدُّ وَطْءُ الظلم على الشعوب، لا يبقى للإنسان سِوى صَوته الحُرِّ يرفعه في وجه القهر، فتنبثق الكلمة مِن رَحِم المُعاناة لتغدو سلاحًا لا يقلُّ أثرًا عن السَّيف.
في تاريخ الأدب، تبرز أسماء قليلة استطاعتْ أن تتحول إلى ضمير الأُمَّة ولسانِ الشعب. ومِن بَين هذه الأسماء يسطع نجمُ الشاعر العِراقي محمد مهدي الجواهري ( 1899_ 1997 ) والشاعر الروسي ألكسندر بوشكين ( 1799_ 1837 ). وعلى الرغم من اختلاف البيئة والزمان والثقافة، فإنَّهما حَمَلا هُمومَ الناس، وجَعَلا مِن الشعر مِنبرًا للدفاع عن الكرامة والحرية والعدالة.
كانَ الجواهري في العِراق صوتَ الجماهير الثائرة على الاستبداد والفقر والتخلُّف، كما كان بوشكين في روسيا رمزًا للتحرر الفكري والنهضة الأدبية ومُقاومة القيود السياسية والاجتماعية. ومِن خِلال تجربتيهما تتجلى صورة الشاعر الحقيقي الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بلْ يسعى إلى تغييره وإيقاظِ الوعي في النفوس.
يُعَدُّ الجواهري أحد أعظم شعراء اللغة العربية في العصر الحديث، فقدْ جَمَعَ بين فخامة اللغة وقوةِ الموقف وصِدق الشُّعور. لَم يكن شاعرًا يعيش في البُرج العاجي بعيدًا عن الناس، بلْ كانَ جُزءًا من معاناتهم وأحلامهم، يفرح لفرحهم، ويحزن لأحزانهم.
برز صوتُ الجواهري في المواقف الوطنية الكُبرى، فوقفَ إلى جانب الفقراء والمظلومين، وهاجمَ الاستبدادَ السياسي، ودافعَ عن حرية الإنسان وكرامته. وكانَ يَرى أن الشاعر لا يَملك الحقَّ في الصمت عندما يتعرَّض الوطنُ للخطر، أوْ يُسلَب الشعب حقوقه. لذلك جاءتْ قصائده مُشبَعة بروح التمرد والإصلاح، وحافلة بالصور القوية التي تهزُّ الوِجدانَ، وتوقظ الضمائر.
استطاعَ الجواهري أنْ يُحوِّل القصيدةَ إلى وثيقة تاريخية تنقل نبضَ الشارع العِراقي، فكانتْ أشعارُه مِرآةً للآلام الوطنية، وَسِجِلًّا حيًّا للأحداث والتحوُّلات السياسية والاجتماعية. ولَم يكن صوته صوت فردٍ معزول، بلْ كانَ صوت شعب كامل يبحث عن العدالة والحرية.

في لحظة تاريخية مشبعة بالدم والذاكرة، تخرج رواية "أنا لست يحيى السنوار" للكاتبة الفلسطينية سماح خليفة لتضع الأدب في مواجهة العدم، ولتؤكد أن السرد ليس مجرد حكاية، بل شهادة على الوجود. إنها نصّ يتجاوز حدود الفن الروائي التقليدي ليغدو وثيقة إنسانية، تكشف عن عمق التجربة الفلسطينية تحت الاحتلال، وتعيد صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الهوية والمقاومة، وبين الحياة والموت. تبدأ الرواية مع اليوم الأول من طوفان الأقصى، لتفتح الباب أمام أسئلة وجودية كبرى: كيف يُصنع "الإرهابي"؟ كيف يتحول البقاء إلى عبء؟ وكيف يصبح البقاء ذاته فعلًا من أفعال المقاومة؟
بهذا المعنى، فإن المقال الذي نقدمه هنا ليس مجرد قراءة في نص أدبي، بل محاولة لتفكيك بنيته السردية والفكرية، والبحث في رموزه ودلالاته، وربطها بالسياق السياسي والاجتماعي الذي أنتجها. إنها قراءة تسعى إلى إبراز أن الرواية ليست فقط عن الفلسطيني، بل عن الإنسان حين يُدفع إلى حافة الوجود، وحين يغدو الأدب أداة لإعادة بناء الوعي الجمعي والإنساني في آن واحد.

المدخل العام للرواية
إن رواية " أنا لست يحيى السنوار" للكاتبة الفلسطينية سماح خليفة تمثل نصًا أدبيًا يتجاوز حدود السرد التقليدي ليغدو شهادة إنسانية على التجربة الفلسطينية في لحظة تاريخية فارقة. فهي تبدأ مع اليوم الأول من طوفان الأقصى، لتضع القارئ مباشرة في قلب الحدث، حيث تتقاطع الذوات الفردية مع الوعي الجمعي، ويصبح النص مساحة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان وأرضه، بين الفرد والهوية، وبين المقاومة والوجود ذاته.
الرواية لا تُقدَّم كحكاية شخصية فحسب، بل كوثيقة أدبية تسعى إلى تفكيك بنية العنف وكشف آليات القمع الممنهج الذي يحوّل الخوف إلى أداة للسيطرة، ويعيد إنتاج صورة "الإرهابي" بوصفها نتاجًا لسياسات الاحتلال لا خيارًا فرديًا. بهذا المعنى، فإن النص يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يُصنع "الإرهابي"؟ ومن المسؤول عن ولادة هذا الكائن المشوَّه في نظر العالم؟
من خلال شخصيتي يحيى وآية، تُبنى معادلة الوجع الفلسطيني: الأول يُدفع إلى المقاومة تحت ضغط القهر والتعذيب، والثانية تُترك وحيدة لتقاوم الحياة نفسها وهي تحمل عقدة "ذنب الناجية الوحيد". هذا التوازي السردي يخلق فضاءً أدبيًا يعكس هشاشة السرديات المفروضة عالميًا، ويعيد الاعتبار إلى المقاومة بوصفها استجابة وجودية وليست خيارًا أيديولوجيًا.
إن المدخل إلى الرواية يكشف عن مشروع أدبي يسعى إلى إعادة تعريف المقاومة، ليس باعتبارها فعلًا سياسيًا فقط، بل باعتبارها فعلًا وجوديًا يواجه العدم ويؤكد على معنى البقاء. وهنا تتجلى قوة النص في قدرته على تحويل التجربة الفلسطينية إلى تجربة إنسانية كونية، حيث يصبح البقاء ذاته فعل مقاومة، ويغدو الأدب أداة لإعادة صياغة الوعي الجمعي والإنساني في آن واحد.

لَيست عُزلة المثقف حادثةً عابرة في تاريخ الفكر الإنساني، بلْ هي قَدَرٌ يتكرر كُلَّما ازدادَ وعي الإنسان بذاته وبالعالَم مِن حَوله. المثقفُ، بِحُكم موقعه بين الواقع والحُلْم، وبين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، يجد نفسه في كثير من الأحيان غريبًا عن مُحيطه، ومُحَاصَرًا بأسئلة لا تَشغل الآخرين، ومُثْقَلًا برؤية تتجاوز حدودَ اليَومي والعابر. ومِن هُنا تبدو العُزلة تجربة وجودية عميقة يعيشها أصحابُ الفكر والإبداع في مختلف الثقافات، ولَيست انقطاعًا عن المجتمع والعالَمِ.
عِند التأمل في تجربة الأديب الأردني عيسى الناعوري ( 1918_ 1985 ) وتجربة الروائي الياباني ناتسومي سوسيكي ( 1867_ 1916 )، نجد أن المسافة الجغرافية والحضارية الشاسعة بينهما لَم تمنع من التقاء تجربتيهما عند نقطة جَوهرية هي عُزلة المثقف. عاشَ كُلٌّ منهما قلقَ الإنسانِ الذي يمتلك وعيًا يتجاوز عصره، ويشعر في الوقت نفسه بثقل الانتماء إلى مجتمع يتغير بِبُطء، أوْ يتغير في اتجاه لا ينسجم معَ تطلعاته الرُّوحية والفكرية.
يُشكِّل الناعوري واحدًا من أبرز الوجوه الثقافية العربية في القرن العشرين، فقدْ جمع بين الأدبِ والترجمة والعمل الثقافي، وسعى إلى بناء جسور معرفية بين الثقافة العربية والثقافات العالمية، غَير أنَّ هذه الرحلة الفكرية لَم تكن خالية من الشعور بالغربة والعزلة.
كانَ الناعوري يرى الثقافةَ رسالةً تتجاوز حدودَ الترف الفكري، لذلك اصطدمَ مِرارًا بواقع لا يَمنح المعرفةَ مكانتها المستحقة. فالمثقفُ في مجتمعات كثيرة يجد نفسه مُطالَبًا بأن يكون شاهدًا على التحولات الاجتماعية والسياسية، لكنَّه في الوقت نفسه عاجزٌ عن التأثير المباشر فيها. وهكذا تتشكل عُزلة مزدوجة: عُزلة عن العامَّة الذينَ لا يدركون أهمية مشروعه الثقافي، وعُزلة عن المؤسسات التي كثيرًا ما تنظر إلى الثقافة بوصفها هامشًا لا مَركزًا.
انعكستْ هذه التجربة في كتاباته التي تفيض بإحساس عميق بالحنين، والبحثِ عن المعنى. والناعوري لَم يكن منفصلًا عن مُجتمعه، لكنَّه كان يشعر أحيانًا بأنه يسير أمام زمنه بخطوات، فيرى مَا لا يراه الآخرون، ويَحمل هُمومًا تتجاوز حدودَ اللحظة الراهنة. ومِن هُنا كانت عُزلته عزلة المفكر الذي يزداد التصاقًا بقضايا أُمَّته كلما ازدادَ شعوره بالوَحدة.

"فِي بَلَدِ العُمْيَانِ يَصِيرُ الأَعْوَرُ مَلِكًا" (2)
يُعَدُّ خُوسِيه سَارَامَاغُو ((Jose Saramago)) ، الكَاتِبُ البُرْتُغَالِيُّ المَوْلُودُ سَنَةَ 1922، وَالَّذِي وَصَفَهُ هَارُولْد بْلُوم بِأَنَّهُ "أَكْثَرُ الرِّوَائِيِّينَ مَوْهِبَةً"، مَشْهُورًا بِكُتُبِهِ المُثِيرَةِ لِلْجَدَلِ الَّتِي تُقَدِّمُ "رُؤًى تَخْرِيبِيَّةً لِلْأَحْدَاثِ التَّارِيخِيَّةِ، مَعَ التَّشْدِيدِ عَلَى البُعْدِ الإِنْسَانِيِّ-اللَّاهُوتِيِّ الشِّعْرِيِّ (Theopoetic human aspect)، كَمَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ بَعْضِ أَعْمَالِهِ بِوَصْفِهَا اسْتِعَارَاتٍ رَمْزِيَّةً". تُعَدُّ رِوَايَةُ  "العَمَى"  (Blindness) وَاحِدَةً مِنْ أَشْهَرِ أَعْمَالِ خُوسِيه سَارَامَاغُو، الَّذِي نَالَ جَائِزَةَ نُوبِلَ فِي الأَدَبِ عَامَ 1998 عَنْ مُجْمَلِ إِنْتَاجِهِ الأَدَبِيِّ. وَتَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ حَوْلَ وَبَاءٍ غَامِضٍ مِنَ العَمَى يَجْتَاحُ المُجْتَمَعَ، فَيُفْضِي إِلَى انْهِيارِ النِّظَامِ الاجْتِمَاعِيِّ، وَانْتِشَارِ الفَوْضَى، وَتَآكُلِ القِيَمِ الإِنْسَانِيَّةِ تَحْتَ وَطْأَةِ الخَوْفِ. وَتَكْشِفُ الرِّوَايَةُ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْمِحْنَةِ أَنْ تَدْفَعَ الإِنْسَانَ إِلَى التَّخَلِّي عَنْ أَخْلَاقِهِ، وَأَنْ تُظْهِرَ الجَوَانِبَ الأَكْثَرَ ظُلْمَةً فِي الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ.

تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يُصَابُ فِيهَا رَجُلٌ بِالعَمَى المُفَاجِئِ أَثْنَاءَ قِيَادَةِ سَيَّارَتِهِ فِي أَحَدِ شَوَارِعِ المَدِينَةِ، وَعَلَى الأَثَرِ انْتَشَرَ هَذَا المَرَضُ بِسُرْعَةٍ هَائِلَةٍ بَيْنَ السُّكَّانِ، وَقَدْ وَصَفَهُ المُصَابُونَ بِهِ بِأَنَّهُ "عَمًى أَبْيَضُ"، إِذْ تَغْمُرُهُمْ قَشَاعَةُ رُؤْيَةٍ بَيْضَاءَ كَثِيفَةٍ، كَأَنَّهَا بَحْرٌ مِنَ الحَلِيبِ. وَسُرْعَانَ مَا يَنْتَشِرُ الوَبَاءُ بِصُورَةٍ مَجْهُولَةِ الأَسْبَابِ، وَقَدْ تَحَوَّلَ إِلَى وَبَاءٍ كَارِثِيٍّ أَصَابَ مُعْظَمَ أَفْرَادِ المُجْتَمَعِ.

وَفِي مُوَاجَهَةِ هَذِهِ الكَارِثَةِ الوَبَائِيَّةِ، قَامَتِ السُّلُطَاتُ بِعَزْلِ المُصَابِينَ وَوَضْعِهِمْ فِي مُصَحٍّ مَهْجُورٍ، وَقَدْ أَحَاطُوهُ بِحِرَاسَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ، وَقَامَ الحُرَّاسُ بِمُعَامَلَةِ المُصَابِينَ بِطَرِيقَةٍ وَحْشِيَّةٍ يَنْدَى لَهَا الجَبِينُ خَجَلًا، وَقَدْ أَخَذَتْ هَذِهِ المُعَامَلَةُ صُورَةَ تَجْوِيعٍ وَقَتْلٍ وَاسْتِلَابٍ وَاغْتِصَابٍ دَمَوِيٍّ.

وَفِي دَاخِلِ المُصَحِّ العَسْكَرِيِّ تَبْدَأُ مُعَانَاةُ المُصَابِينَ عَلَى صُورَةِ انْهِيارٍ سِيكُولُوجِيٍّ أَخْلَاقِيٍّ جَمَاعِيٍّ، وَفِي ظِلِّ الأَوْضَاعِ المَزْرِيَّةِ الَّتِي أَحَاطَتْ بِهِمْ، تَلَاشَى القَانُونُ، وَتَفَكَّكَتِ القِيَمُ الأَخْلَاقِيَّةُ، وَانْهَارَتِ المَعَايِيرُ الإِنْسَانِيَّةُ فِي التَّعَامُلِ وَالتَّفَاعُلِ، وَظَهَرَتْ مَوْجَةٌ مِنَ العُنْفِ وَالعُدْوَانِيَّةِ وَالاسْتِغْلَالِ وَالأَنَانِيَّةِ بَيْنَ المُصَابِينَ. وَبَدَأَ الصِّرَاعُ عَلَى الطَّعَامِ وَالمَوَارِدِ، وَظَهَرَتْ عِصَابَاتٌ دَمَوِيَّةٌ دَاخِلَ المُصَحِّ مِنْ أَجْلِ الهَيْمَنَةِ وَالسَّيْطَرَةِ عَلَى الطَّعَامِ، وَقَامَتْ هَذِهِ العِصَابَةُ بِفَرْضِ سَطْوَتِهَا اللَّاأَخْلَاقِيَّةِ عَلَى الآخَرِينَ، وَصَادَرَتْ مُمْتَلَكَاتِهِمْ، وَامْتَدَّ هَذَا العُنْفُ لِيَأْخُذَ طَابَعَ الاعْتِدَاءِ عَلَى النِّسَاءِ وَمُحَاوَلَةِ اغْتِصَابِهِنَّ، ثُمَّ مُطَالَبَتِهِنَّ بِتَقْدِيمِ أَجْسَادِهِنَّ مُقَابِلَ الغِذَاءِ. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ المُتَوَحِّشَةِ تَحَوَّلَ المَكَانُ إِلَى نَمُوذَجٍ مُصَغَّرٍ لانْهِيارِ الحَضَارَةِ وَسُقُوطِ المَعَايِيرِ الأَخْلَاقِيَّةِ.

مقدمة:
هناك علاقة قوية بين التاريخ والرواية الأدبية، حتى قيل: إن التاريخ هو الرواية التي حصلت، والرواية هي التاريخ الذي كان يمكن أن يحصل. وهو ما أدى إلى ظهور جنس أدبي جديد أُطلق عليه اسم الرواية التاريخية، والتي تمثل مختبراً سردياً معقداً يُعاد فيه إنتاج الماضي وتأويله.
فإذا كان التاريخ يسعى إلى الحقيقة من خلال الوثائق والشواهد والدلائل، فإن الرواية تميل إلى إعادة تأويل الحدث التاريخي الإنساني بما يتجاوز حدود الزمان والمكان. وإلى تقديم صورة أعمق وأشمل لما حدث، أو ما كان يمكن أن يحدث، من خلال أدوات السرد الروائي، وقدرتها على إثارة الأسئلة التي غالبا ما يهملها الخطاب التاريخي التقليدي. فالرواية التاريخية لا تبسط التاريخ فقط، بل تمنحه معناه الإنساني، فهي لا تقف عند حدود المحاكاة الباردة للوقائع، بل تعيد بناء الوعي بالماضي من خلال ترميم التباساته الكبرى، لتجعل القارئ يرى في التاريخ مرآة للحاضر، لا مجرد سجل لما مضى.
ومن هنا، تأتي رواية (المستعصمية) للكاتب الدكتور هشام أبو النجا، الصادرة عن دار الفاروق للنشر بالقاهرة عام 2026، لتضع وعينا التاريخي بحقبة حكم المماليك لمصر، بصفة عامة، وفترة حكم الملكة شجر الدر، بصفة خاصة، موضع المساءلة، باعتباره في معظمه مستمد من السرديات الدرامية للسينما التي تحولت إلى مراجع بديلة لإنتاج الأحكام وإصدار المغالطات التاريخية، فهي بمثابة محاولة جادة لتفكيك السرديات البصرية المشوهة التي رسختها السينما في الوعي الجمعي حول هذه المرحلة التاريخية.
حيث يتوسل الكاتب بمنهج يمزج فيه بين الخيال الروائي الخصب والأحداث التاريخية الموثقة لدى كبار المؤرخين كالمقريزي في (السلوك)، وابن تغري بردي في (النجوم الزاهرة)، والعيني في (عقد الجمان)، ليقدم نصًا يقع في منطقة التقاطع بين الوثيقة والرؤية، بهدف تطهير الذاكرة التاريخية من الشوائب والمغالطات، وتقديم بعض الإنصاف الإنساني والأدبي لملكة ظلمتها الدراما (فيلم واإسلاماه نموذجاً).

آخر الأنشطة الثقافية والعلمية

  • مولَّفان نقديّان تحت المجهر بالدار البيضاء: نحو أسئلة جديدة في الخطاب والمرجع - متابعة: حنان النبلي
    مولَّفان نقديّان تحت المجهر بالدار البيضاء: نحو أسئلة جديدة في الخطاب والمرجع - متابعة: حنان النبلي        افتتح مختبر السرديات موسمه الثقافي الجديد بلقاء نقدي احتضنه فضاء الحرية بعين الشق، يوم السبت 18 أكتوبر 2025، تحت عنوان: "الخطاب والمرجع: قراءات في كتب نقدية"، وذلك بتنسيق مع مؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم. وقد عرف اللقاء حضور ثلة من الأكاديميين والأساتذة والطلبة الباحثين والقراء المهتمين بالسرد والمرويات. أدارت الجلسة الكاتبة والباحثة لطيفة هدان، التي أكدت في كلمتها الافتتاحية أن هذا اللقاء يأتي في سياق الاحتفاء والانفتاح على الدراسات والأبحاث الأكاديمية التي انتقلت من مرحلة البحث الجامعي إلى فضاء النشر النقدي، من خلال مناقشة كتابين صدرا حديثاً عن تجربتين أكاديميتين هما: "الرواية العربية والعرفان في الألفية الثالثة" للباحث محمد أعزيز، "العجائبي في قصص الأنبياء" للباحثة سارة الأحمر.  وأوضحت هدان أن كتاب "الرواية العربية والعرفان في الألفية الثالثة" لمؤلفه محمد أعزيز…