فتحت عيني عندما سمعت صوت خالي الأجش، يناديني ويدعوني إلى النهوض، تردد صوته في أرجاء بيتنا المتواضع "الرجال لا ينامون بعد شروق الشمس". وجدت أمي واقفة بجانب فراشي فرنوت إليها بعينين أثقلهما النعاس، كان باب الغرفة مواربا فتبعثرت نظراتي بين مباني القرية ذات الألوان الكالحة، واخترقتْ الأنهج الممتدة والأزقة الضيقة،
رجل تصميم خالي، حين أنظر إليه وأنا أقف وراءه لا أكاد أرى كتفيه، فهو كالطود الشامخ الذي لا ينحني، يداه الخشنتان المعروقتان وكفاهما المتشققتان اللتان تنتهيان بأصابع طويلة توحي أنه من سلالة العماليق بل هو العملاق الوحيد في القرية. وعندما يمشي بهامته المديدة تقرع قدماه الأرض قرعا عنيفا، ومع ذلك فهو هادئ الطبع فلا صلافة فيه ولا غلظة. لا يتكلم كثيرا، وإذا نطق لعلع صوته ليملأ الأرجاء كأنْ لا صوت يعلو فوق صوته. قلبه مخزن أسرار وخفايا، لا يبوح بها أبدا، أحكم إغلاق ذلك الصندوق وألقى مفاتيحه في أعماق البحار حتى لا يصل إليه أمهر البحارة. ولا يشكو ولا يتذمر. ظل يتمنى رؤية ابن له من صلبه يدرج أمام عينيه، لكنه حُرم منه رغم أنه تزوج مرتين، طلق الأولى بعد عقد من الزمن، ثم تزوج الأخرى بعد مدة وجيزة لتعينه على همِّ الدنيا مثلما كان يردد دوما. واستعاض بي، أنا ابن أخته، عن الأبناء الذين رسم صورهم في مخيلته، لكن تلك الصور ظلت جامدة لم يُكتب لها أن تتجسد أرواحا وأبدانا.
عندما غادرنا المنزل تسمرت أمي في مكانها وظلّت تلوِّح لنا بيمناها ، وبيسراها كانت تكفكف دمعة انحدرت على خدها. حاولتْ أن تظل رانية إلينا إلى آخر لحظة، كأنها تريد لصورتينا أن تنطبعا في ذاكرتها. عادت أدراجها ودلفت المنزل ولسانها يلهج بما تحفظ من دعوات صالحات. وعندما غبت وخالي بين منازل قريتنا المتناثرة أحست أن فؤادها ارتج وأن جزءا منه قد انسلخ عنها ورحل معنا. وتذكرت الحوار القصير الذي دار بينهما قبل مغادرتنا:
- ما زال صغيرا عن الخروج في رحلة صيد.
لم يلتفت إليها خالي ولم يردّ عليها بكلمة.
- سيتعب وسيمرض وسيجوع وسيعطش.
حدجها بنظرة ثاقبة اهتزت لها روحها، لكنها أضافت:

شعرت بالخجل
شعرت بالخجل وهي تدخل الشركة متأخرة مرة أخرى. كثرت حججها، حتى أصبحت مهددة بالتوقف عن العمل. تكون آخر الملتحقين بالعمل، وأول المغادرين له. إنها زينب. لها طفل صغير، فهي التي تتحمل مسؤولية اصطحابه إلى الروضة والعودة به منها. وغالبا ما تضطر إلى إحضاره إلى مقر عملها لعدم وجود من يرعاه.
قلت لها يوما: "لماذا لا تتركينه في البيت مع أبيه؟"
ابتسمت بشكل آلي وقالت لي بصوت خافت: "أنت لا تعرفه. زوجي شديد القسوة، ولا يتحمل رعاية طفل في هذا السن."
لم أفهم كيف تبرر سلوكه. قلت لها وهي منهمكة في مراجعة بعض الأوراق التي تراكمت فوق مكتبها: "زوجك لديه الوقت الكافي ليأخذه إلى الروضة ويحضره، خصوصا أنه تاجر يتحكم في وقته."
ابتسمت من جديد بكل لطف وقالت لي: "لقد حاولت معه، وفي كل مرة يقول لي: الطفل مهمتك أنت، تصرفي، أنا غير مسؤول."
وأضافت، كأنها كانت تنتظر الفرصة لكي تحكي: "خناقات يومية حول هذا الموضوع. هو عارف أنني مهددة بالطرد من العمل، ومع ذلك مصمم على رأيه."
اقتربت منها وقلت لها بكل هدوء: "اسمعيني، بما أنك تجدين دائما الحلول، ولو على حساب عملك، فهو لن يهتم. يجب عليك تغيير سلوكك تجاهه."
أصابها الهلع، كأنها سمعت خبرا غير مفرح. حاولت تهدئتها، وشرحت لها أنها فقط يجب أن تحمله مسؤوليته، وألا تستسلم.
ابتسمت، كأنها وجدت حلا لعملية معقدة، واتجهت بنظراتها صوب نافذة مكتبها، ثم قالت لي بكل ثقة: "كلامك عين الصواب. لقد تنازلت كثيرا، وحان الوقت ليتغير هذا الوضع."
كانت عيناها تحملان شعلة من التحدي والرغبة في التغيير. سلمت علي وخرجت خروج المنتصرين، رغم أنها كانت في بداية طريق جديد.
وتوالت الأيام، والتقيتها يوما، وكانت مبتهجة ومقبلة على العمل بحماس كبير. سألتها: "هل هناك جديد؟"
أجابتني بإشارة من يدها تحمل بشائر النصر.

لم تكن الهند مكاناً وطئته قدماي، بل قارةً من نورٍ وحنين شيدتها مخيلتي بين دفتي كتابٍ قديم ونافذةٍ مفتوحة على الحلم. وكلما أغمضتُ عيني، وجدتني أسافر إليها دون جواز سفر، وأعبر شوارعها دون أن أغادر مكاني، كأن الروح كانت تعرف الطريق إلى هناك قبل أن تعرفه الخرائط.
وقبل أن تبدأ الرحلة حقاً، وقبل أن تنفرج ستائر الحلم عن مسارحها الخفية، سكنتني روح باخوس. لا باخوس الأسطورة وحده، بل روح النشوة الوجودية التي تجعل الإنسان يرى العالم بعينٍ ثالثة، لا تنتمي إلى الجسد ولا إلى العقل، بل إلى ذلك الحيز الغامض الذي تتعانق فيه الرؤى والذكريات والأمنيات.
شعرتُ كأنني أرتشف من كأسٍ مملوءةٍ بأسرار الكون. لم تكن خمراً، بل دهشةً صافية. كانت الأشياء من حولي تذوب في بعضها كما تذوب الألوان في لوحةٍ مبللة بالمطر؛ الجدران تتحول إلى ضباب، والضباب إلى غيوم، والغيوم إلى جسورٍ معلقة بين الأرض والسماء. عندها أدركت أن الرحلات الكبرى لا تبدأ من الموانئ والمطارات، بل من تلك اللحظة التي يتمرد فيها الخيال على حدود الواقع.
وفي غمرة تلك النشوة، وجدتني أقف على ضفاف الغانج المتخيَّل، حيث يجري الماء كقصيدةٍ أزليةٍ هاربة من فم الزمن، وحيث تتعانق ألوان الغروب كما تتعانق رسائل العشاق التي ضلت طريقها إلى أصحابها. كان المساء ينسدل على الكون كعباءةٍ من حريرٍ بنفسجي، وكانت الريح تمر بين أفكاري كعازفٍ وحيدٍ يجر قوسه على أوتار الحنين.
هناك، أدركت أنني لا أبحث عن الهند، بل أبحث عن نفسي.
كان النهر يمر هادئاً أمامي، فأرى فيه صورة العمر وهو يمضي دون أن يلتفت إلى الوراء. وكل موجةٍ كانت تبدو كأنها يدٌ شفافة تخرج من أعماق الزمن لتربت على كتف الذاكرة. شعرتُ أن السنوات التي عشتها لم تكن سوى قطراتٍ صغيرة في نهرٍ لا يعرف التوقف.

الحافلة تمضي بلا توقف، يشق صوت محركها الهادر المنهك هذا السكون الممتد إلى ما لا نهاية، تعبُر هذه الفجاج الموحشة المقفرة. الطريق ممتدة كخيط رقيق بين كثبان الرمال بالكاد يتيسر لسائق الحافلة رؤيتها. يكابد ليتفادى الاصطدام بقطيع جمال يشق الطريق متهاديا في سكينة، ويحاول أن يتجنب الدوس على زاحف يعبر لاهثا وراء فريسة يريد اقتناصها في هذه الهاجرة الناشبة مخالبها في كل شيء، في اللحم والحديد والنباتات الصحراوية التي تكابد لتتخطى هذا الصيف الجارح العنيد الذي يأبى الرحيل سريعا.

أفكار كثيرة راودته منذ امتكن في المقعد الثالث وراء السائق في هذه الحافلة نصف الخالية من الركاب القلائل الذين يسعى كل منهم إلى مأرب، تطوح بهم المقادير نحو دروب مجهولة، ترميهم متاهة إلى متاهة ويقودهم درب إلى درب. قدموا من كل فج عميق ليعبروا هذه الحياة الزاخرة بالفراغ والعذاب والهجر، فإذا اللهاث وراء تحقيق الغايات والمآرب يصبح ضربا من العبث واللهو الطفولييْن الذي ينتهي عادة بالركون إلى إحدى الزوايا في انتظار طيف يعبر ليحقق للحالمين أحلامهم.

العينان غائرتان تدوران في المحجرين الغائصين تحت تجويفات بين الحاجب وعظام الخد البارزة. والشعر أغبر غلب بياضُه سوادَه. الفم أدرد تناثرت أسنانه فما عاد يصلح إلا للتمتمة بألفاظ السباب والشتم. والجبين مغضن بالتجاعيد الشاهدة على سنوات سبع من التيه والعذاب في هذه البيداء المترامية الممتدة بلا حدود. والجسم ناحل هزيل يلفه قميص بهتت ألوانه بل اختفت تحت طبقة من الوسخ والتراب. أظافر اليدين طويلة بما يكفي لهرش الجسد المزروع في المقعد الثالث لهذا الصندوق الحديدي بصوته الهادر الذي يشق سكون هذه الصحراء الفسيحة.

عندما جلستُ بمقهى "بلادي"، كان كل همي أن أجد فكرة ذات بعد إنساني تنهل من قاموس يمتزج فيه الأصيل بالحديث، لكتابة قصة جديدة وفريدة، لهذا كنت أحاول أن أقتنص تجلياتها، وأنا جالس أمام قهوتي، سادرًا ببصري في اتجاهات مختلفة، وأنتظر أن تجود عليَّ بنات أفكاري بما يشفي غليلي ويحقق رغبتي الدفينة.
وفيما أنا منصرف إلى إيجاد عتبة لولوج بوابة الحكي، انتشر حولي باعة متجولون يعرضون سلعهم التي تبدأ بلوازم الهواتف النقالة (وهذا اختصاص إفريقي)، مرورًا بالفواكه الجافة وعلب الشوكولاتة والبسكويت، وصولًا إلى مناديل الورق. لم يكن وجودهم يشوش عليَّ، ولكنه كان بالنسبة لي وسيلة لاقتناص نماذج لشخصيات مؤثرة في قصتي، وحبكة فاعلة تساهم في تطور الأحداث، وتحديد إطار زمكاني يمنح المصداقية للصراع المتصاعد، ويسهل كتابة الأحداث.
اقتربت مني فجأة سيدة ترتدي جلبابًا أفغانيًا، ولا يظهر من خلف النقاب الذي كان يغطي وجهها سوى عينيها الثاقبتين، وقالت بلهجة مشرقية: «صدقة يا حاج». ناولتها درهمًا، فقال كهل كان يجلس بجواري: «أغلب هؤلاء من أكراد سوريا، ليسوا روماً ولا عربًا». حرَّكت رأسي موافقًا ومبتسمًا في الوقت نفسه.
أغمضت عيني لحظة، وعندما أعدت فتحهما اكتشفت أن الكهل انصرف إلى حال سبيله، وأن هناك شخصًا في بداية عقده الرابع يجلس على الكرسي المقابل لي، حياني بحرارة، كأنه كان على معرفة مسبقة بي. حدقت فيه مليًّا، وتصفحت ملامحه، وأحسست بأن صورته ليست غريبة عني، ومع مرور الوقت اكتشفت أنه يشبهني كثيرًا، نعم، يشبهني بشكل مثير للاستغراب. الفرق الوحيد الذي كان بيننا هو فارق السن؛ فهو في ريعان شبابه، وأنا كنت في أوج كهولتي. سألته بعد تردد قصير:
• «هل تشرفني باسمك؟»

رغبة في عدم العودة
أخذت حقيبتها وخرجت دون أن تعرف وجهتها. قررت، في نهاية المطاف، أن تتوجه إلى محطة القطار. صور الأمس واليوم تتراقص أمامها. صراع بين رغبتها في الهروب والبقاء. ذلك البيت الذي تركته دامعة ومنكسرة وحائرة وحزينة، ورمت جسدها وروحها من أعلى قمة كانت تجلس عليها، يحمل لمساتها، وآهاتها، وضحكاتها وفرحها. يحمل متمنياتها، وأحلامها، وسهر الليالي، والاستيقاظ في الصباح الباكر جدًّا قبل الجميع. تتذكر، وهي تخطو بخطوات مترددة، تجر حقيبتها وراءها، كيف كانت تتحسس جدار غرفة نومها عندما تستيقظ، ولا تشعل النور، وتغادر الغرفة في هدوء حتى لا توقظه، متجهة إلى المطبخ في صمت لإعداد وجبة الفطور.
كادت سيارة أن تدهسها وهي تسير شاردة، مضطربة، تشعر بالاختناق، وتتمنى لو امتلكت عصًا سحرية تعيد بها الزمن إلى الوراء، وتعيد كتابة حياتها من جديد.
انتظرت سيارة أجرة، اتجهت إلى محطة القطار، والذكريات تهاجمها من كل جانب. جلست تنظر إلى الناس الذين يتسابقون بشكل ميكانيكي إلى القطار، وربما كانت تلك أول مرة تنتبه إليهم. أجساد طويلة، عريضة، صغيرة، كبيرة... تتأملهم، تبدو على ملامح بعضهم فرحة هجرتها منذ زمن، وعلى ملامح البعض الآخر قسوة غريبة، وهناك من بدوا بدون ملامح. يتحركون بشكل آلي. انتظرت، وتسمرت رجلاها، ولم تعد تستطع الحركة. جاء قطار وغادر قطار، وهي تعيش لحظة غير طبيعية وغير متزنة، وشريط حياتها يمر من أمامها دون استئذان. غيرت اتجاه نظراتها، ورمقت آخرين ترميهم سيارة الأجرة الصغيرة بشكل غير إنساني، وعينهم على القطار. لمحت وجهًا تعرفه جيدًا وأحبته بجنون، وجهًا اختفى عنها منذ زمن. بحثت عنه في المستشفيات، وفي محطات القطار، وعلى الطرقات. تاهت بعدها وسط ضجيج وصخب وعنف. وجه يشرئب بعنقه من زمن الطفولة واللحظات الصغيرة والجميلة، وجه أبيض منور كالبدر، تشع منه رائحة الحب والقلب الطيب. وقفت، وخرجت تجري لا تلوي على شيء، تبحث عنه، تاهت من جديد، وأدركت أن قدميها تتجهان إلى البيت الذي هجرته مرغمة. بيت يسكنها بماضيه وحاضره. تذكرت دموعها، وجرت بشكل هيستيري إلى غرفتها، وأقفلت الباب بالمفتاح، كمن أوصد قلبه في وجه حب قديم.

منذ أن أبصرتُ النور، كنتُ أمضي في طريقٍ خطّته لي يدُ أبي، وتوارثته خطوات من سبقوني، حتى صار كالنهر الذي يعرف مجراه قبل أن يصل إلى مصبّه. كان طريقًا يبدو واضحًا، مطمئنًا، تحرسه أعراف الجماعة، وتدعمه ذاكرة القبيلة، فأمضي فيه كما تمضي الطيور في سربٍ لا يتساءل عن اتجاه الريح.

كبرتُ شيئًا فشيئًا، ومعي كبرت الأسئلة التي لم يكن لها صوت. كنتُ أسير، لكن داخلي كان يقف عند كل منعطف، يتأمل ولا يجيب. حتى جاء ذلك اليوم الذي لم أعد فيه مجرد عابرٍ للطريق، بل صرتُ واقفًا أمامه.

كان هناك مفترق. طريقٌ إلى اليمين، مألوفٌ كبيتٍ قديم، دافئٌ كعاداتٍ لا تُسأل، مريحٌ لأنه معروف. وطريقٌ إلى اليسار… لم يكن مجرد مسارٍ آخر، بل كان فكرةً تمشي على الأرض، ونداءً لا يُسمع بالأذن بل بالوعي. كان يسارًا فكريًا يتشكل كولادةٍ جديدة داخل العقل، كخروجٍ من ضيق التلقين إلى اتساع السؤال.

كان اليمين يشبه حضن القبيلة؛ يطمئنك لأنه يعرفك مسبقًا أكثر مما تعرف نفسك، لكنه في الوقت ذاته يطلب منك أن تبقى كما أنت، بلا تغير، بلا اهتزاز. أما اليسار، فكان يشبه نافذةً تُفتح على رياحٍ لا تُشبه ما اعتدتُه، رياحًا تحمل معنى مختلفًا للحرية؛ حرية أن أفكر، أن أختبر، أن أختلف، أن أتمرد على ما يُقدَّم لي كيقينٍ جاهز.

وقفتُ طويلًا بينهما. لم يكن الصراع بين طريقين فحسب، بل بين صورتين لي: أنا كما أرادني الآخرون، وأنا كما يمكن أن أكونه إذا سمحتُ لنفسي أن أسأل.

صديقي الأثير حدثني عن عمه قائلا:
" أبي له شقيق واحد، يطلقون عليه "أعنان"، في سنوات السبعينيات، كان لقائي به يتجدد كل مساء ، بعد أوبته من عمله في "كتامة"، لم أكن أستجديه ليحكيَ لي ولم أقل له يوماً:" تكلم" تعريضاً أو تصريحاً، كان يكفي أن ينظر في عينيّ الصغيرتين الغارقتين في حوض من الكحل الطبيعي من مرض، فيبدأ كشلال هادر يحكي ، حينها أسمع حقائقَ، وخرافاتٍ فتنبسط أمامي، في الحيز الضيق الذي نتقاسمه في الجلوس، والذي يربط بيني وبينه، عوالمُ غريبة أغرق في طبيعة ناسها، وحيوانها، ونباتها وجمادها.. في الكثير من حكاياته تبدو هذه العوالم مختلفة تماماً، لا شرخَ فيها، ولا نشاز، ولا اعوجاج، وإنْ وجدَ واحد فمن "أبجديات التصرف"، يقتضيه تنميق الكلام؛ كان عمي يطلي حكاياتِه بالماكياج، ويخرج دائماً "مُلوناً" من مواقف حياتية صعبة بذكاء بطلٍ خارق.. أظل في البيت، وتأتيني حكاياته دون أن أطلبها…
مبتسماً قاطعتُ صديقي، قلت له:
(كلامك عن عمك، صديقي، ذكرني بجد "باسيل" بطل رواية "زوربا" اليوناني، كان يخرج بفانوس إلى الخارج بحثاً عن غريب تائه، يستضيفه في داره، يطعمه، ويكرمه، ثم يطلب منه أن يسدد دينه بقوله له " تكلم"، ويبدأ الضيف في" الحكي"، وينتشي الجد مما يسمع من أخبار، وأحاديثَ، وحكاياتٍ، وكان يكتفي بما يسمعه من ضيوفه دون أن يغادر أبداً القرية التي يعيش فيها.. هكذا أحب الحياة دون أنْ يضرب في الأرض...
ضحك صديقي، حين أضفت:
" أنت محظوظ، الحكايات تأتيك من عمك دون أن تطلبها".. ثم رجاني ألا أقاطعه مرة أخرى ثم واصل: