كانت عائدةً إلى بيتها، تحمل بين يديها رغيفًا وتضمه إلى صدرها، كأنها تحضن طفلًا صغيرًا، وتغطيه بالشال الذي كانت تلفّ به رأسها. وتضغط عليه بقوة، خوفًا عليه من الضياع. فقد انتظرت في طابور طويل، حتى استطاعت أن تحصل عليه. منذ ارتفعت الأسعار وانتشر لهيبها كما تنتشر النار في الهشيم، لم تعد «فاطمة» قادرة على تلبية حاجياتها ولا حاجيات زوجها المقعد، الذي كان يشتغل بإحدى مصانع الإسمنت، وأفنى عمره دون المطالبة بتحسين وضعه المادي. كان يخاف كثيرًا من بطش مدير المصنع، الذي كان يهدد كل من ارتفع صوته احتجاجًا على الساعات الإضافية أو على قلّة اليد العاملة. كان إنسانًا مسالمًا، لا يُسمع له صوت.
في يومٍ من الأيام، تأخر في العودة إلى بيته. حلّ الليل وصمت الشارع إلا من نباح الكلاب. ظلت «فاطمة» جالسةً تراقب الباب. «لم يتأخر يومًا. أتمنى أن يكون خيرًا»، همست لروحها الخائفة. نامت على الكرسي، حتى استيقظت في الصباح الباكر على دقات عنيفة. سمعت صوت زوجها، فانتفضت كجريح يتلوى من الألم. فتحت الباب، وكان هناك، غارقًا في دمائه، يحمله اثنان من زملائه. لم يتكلما، كأن لهما تعليمات. كان هناك صمت مريب. تاهت فاطمة بين دماء زوجها وأنينه وصمت الرجلين.
فهمت فيما بعد أنه تعرّض لحادث في المصنع، سقط على إثره أرضًا على ظهره، ولم يعد يستطيع الحركة. وأُصيب في ساقه أثناء سقوطه، وسال منه دمٌ كثير. بدأ يصف لها الحادث، وظلت مذهولة، غير قادرة على استيعاب اللحظة. استيقظت برهة من سباتها المؤقت وسألته:
«هل أخذوك إلى المستشفى؟»
أشعة أبريل - قصة: ليلى عبدلاوي
على استحياء،تسربت أشعة أبريل من طيات الستار،فتح أحمد عينيه المثقلتين بالسهاد،ليلة أخرى لم يعرف فيها النوم بمعناه الحقيقي،نسي بأنه على قيد الحياة..يبتلع أيام حياته..لايجد لها طعما ولا لونا..ليال بيضاء يضنيه سهادها منذ مايقارب الشهر..يصادق فيها رسومات السقف...
امتدت يده الى آلة التحكم،شاشات العالم لا حديث لها إلا عن هذا الفيروس الثقيل على القلب.. ظاهرة غيرت حياة النفوس..أجبرتها على إقامات جبرية وبطالة استطال أمدها..
تناهت إلى سمعه أصوات العصافير على أشجار الزيتون..لم يعد يسمع غيرها في صباحاته..أغلق عينيه..يوم آخرطويل ينتظره بين الجدران...عبر خاطره منظر سلعه المتراكمة داخل الدكان..لابد أن الغبار يعلوها الآن..لاسبيل الى الذهاب حتى لتفقدها..
بحركة جافة..أزاح الغطاء عن جسده ...فتح دولاب ملابسه ..امتدت يده الى حافظة نقود..لاحظ أن حجمها يتناقص يوما عن يوم..أحس بغصة تخنق حلقه..ياربي! ..رمضان على الأبواب..هل يكفي ماتبقى لمواجهة مصاريف الشهر الفضيل؟كيف أحمل الأولاد على العدول عن أشياء تعودوا عليها؟كيف أقنعهم أن لادخل لنا هذه الأيام؟
الألم يعتصر قلبه..نظر إلى المرآة..لمح دمعة تستقر في زاوية عينه ..تدارك نفسه :"لاتنس نفسك.. لحظات ضعفك هي لك وحدك ..مع خالقك..لاأمام الأولاد.. أنت جدار دفاعهم"..لكن إلى متى ؟
من ثمرة شجرة النسيان: ذاكرة أحمد – قصة: الحبيب النهدي
1 ـ انبعاث أحمد
لم يتخلَّ أحمد عن المطالعة المكثّفة والاستغراق في الكتابة لساعات طوال، هكذا أخبرني قريبه. وأضاف أنّه تحصّل على السنة الثانية فلسفة، ثمّ انقطع بمحض إرادته، واختار العمل بعد أن شارك في مناظرة نظّمتها شركة السكك الحديدية ونجح فيها. ومع ذلك، ظلّ متردّدًا على المكتبة. ومن طرائفه أنّه كان يضع أمامه لافتة كتب عليها: "الرجاء عدم الإزعاج… هنا معبد العقل وصلاته". ولم يكن يأبه لهمسات القرّاء.
رغبتي في معرفة حياته كانت شديدة، فذهبت ضيفًا عنده. وما إن دخلت غرفته الفسيحة حتى أسرتني المكتبة الضخمة المكتظة بالكتب والمجلّات. طلبتُ منه كتابًا، فقال إنّه يملكه، ثم أضاف مبتسمًا:
– أعطيك ثمنه، واشتَرِه خيرًا من أن أظلّ أبحث عنه بين كتبي طويلاً.
ولم أرَ أحمد أكثر عزماً من ذلك اليوم؛ كأنّه وُلد من جديد. حلق لحيته الكثيفة، قصّ شاربيه وشعره، وارتدى لباسًا نظيفًا بألوان زاهية. حينها أدركت أنّ حدثًا ما غيّره، وسعدت لذلك، وقد بادرني بابتسامة عميقة تحمل أكثر من معنى.
الخذلان – قصة: أسماء العسري
طرحت علي صديقتي نجوى سؤالا لم يخطر على بالي أن يطرحه علي أحد، ليس لصعوبة السؤال ولا لندرته، بل بسبب أنني لم أتوقع أن يتم طرحه علي في هذا الوقت بالتحديد، - وقت الفراغ - قالت يا مريم ما موقفك إذا خذلتك امرأة؟ رأت الدهشة بادية على وجهي فاستدركت الأمر وأكملت؛ هذا السؤال طرحه علي زميلي في العمل اليوم، وبدأت في رواية القصة التي رواها لها زميلها في العمل، بعد انتهائها من رواية القصة، نظرت إليها وقلت: بكل بساطة الخذلان وجهان: امرأة ورجل، وأنت وحصتك من الخذلان في هذه الحياة.
حركت رأسي قليلا إلى الوراء، ثم توهمت أنني أخذت قلما وورقة وبدأت في الكتابة:
بداية: علينا أن نتعلم أن بياض الورق خاضع؛ فهو قابل للاتساخ في أي لحظة، وبالتالي لا يوجد لون واضح كما لا يوجد شخص واضح في مشاعره ولا أفكاره ولا قناعاته، فكل شخص يحاول تقديم ما يريدك أن تعرفه، انطلاقا من قراءة شخصيتك، حتى يتمكن من الوصول إلى هدفه - كيفما كان نوعه -؛ وغالبا ما تكون هذه الأهداف غير واضحة.
وبما أن الاستسلام موت من نوع آخر، فلا يجب الاختباء وراء الكلمات ولا الاستسلام للخذلان، لأن كل العيون تخترق أنينك في حالة الضعف، ليس هذا فحسب، بل من شدة الحر والحنين تصبحين قلما مكسورا يرسم خربشات فقط ولا يقدم عملا فنيا كاملا، حتى لو حاولت جمع تلك الخربشات لتكوني جملة ستكون جملة يتيمة المعاني، ولا غرض من جملة يتيمة المعنى إلا أن تكون فزاعة تخيف الطيور الصغيرة.
طنجة كما عرفتها – قصة: أمينة شرادي
قادتني قدماي بعد تردد طويل إلى مدينة طنجة. دخلتها دخول المنتصرين. استقبلتني بطلعتها البهية. كان صباحا ساخنا يلفظ نيرانه الصيفية الحارة كبركان انفجر للتو. مرت لحظات، فامتزج الحر بأجواء خريفية. ترى الأجساد تتمايل في كل الاتجاهات كأوراق الخريف اقتلعها جنون الرياح ورماها تواجه مصيرها..
كانت الرياح تتجول في المدينة كسيد من أسياد الزمن القديم. ترتاح روحك لها وتطمئن نفسك إلى هدوئها غير المرئي أمام ضجيج السيارات والأصوات البشرية. همت مع نفسي وقذفت بها وسط المدينة القديمة التي تتنفس ذكريات أناس مروا من هنا. مشيت طويلا دون أن أشعر بالتعب. كنت أترك الحرية لخطواتي. دخلت إلى زقاق مليء بالزمن، كثير الحركة. ارتميت بين أحضان آخر، تنام على جنباته ذكريات الأمس القريب. خلتها تكلمني تلك الأزقة، تهمس لي أنا لوحدي، رغم حملها لأمواج بشرية مختلفة الأجناس والأعمار والألوان. همسها جعلني أعيش حالة فرح نادرة. سرقتني تلك الذكريات الحلوة. استوطن الليل الأزقة الحبلى بالأصوات والأجساد. رميت جسدي المتهالك بأول مقهى صادفتني. طلبت كاس شاي بالنعناع. اهتزت روحي من الداخل دون استئذان وارتسمت على شفتاي ابتسامة غير إرادية وحقيقية. أخذت أراقب ما يجري حولي وكأنني ولدت من جديد. لمحت عيناي صدفة إشارة تدل على أنني أجلس في مقهى بالسوق الداخل. هذا السوق الذي طالما عشته وتخيلته مع قصص "محمد شكري". كنت كالطفلة يوم العيد التي تتلقى هديتها لأول مرة. ارتسمت ابتسامة أكبر على شفتاي وكادت أن تتحول إلى قهقهات تجلجل سكون أهل المقهى.
أنين الصخور – د. الحسين لحفاوي
هل التقطت أذناك يوما صوت صراخ الصخور؟ وهل سمعت يوما أنين الحجارة؟
أصختُ السمع ذات صباح وأنا أقف في انتظار الحافلة إلى صوت وجيب الحجارة المكدسة أكواما كأوصال جمل مقطوعة يتردد عبر أرجاء المدينة مخترقا شوارعها وأنهجها وجدرانها. كان أنينا يقطع نياط القلب ويفتت ما تآلف من أجزاء الروح فيُخيّل لمن يسمعه من بعيد أنه نواح ناقة نحر جزار عنيد قاسي القلب جزورها أمام عينيها. صدى آهات تلك الصخور يمرق عبر الفضاء ويرحل إلى كل الأرجاء يقض مضجع البنايات المجاورة، يأتيها محمولا على أكف الهواء كتأوهات أساف ونائلة.
أكوام من الحجارة المكدسة تحتضن إحداها الأخرى كثكالى مكلومة أو كأرامل حيرى تبحث كل منها في حضن الأخرى عن مُواسٍ يخفف عنها ما ألمّ بها من وجع ويكفكف دمعها المنهمر بلا توقف. كل حجارة تنوح منفردة بعد أن كانت يوما متماسكة تعانق إحداها الأخرى في حميمية ومودة مشيّدة بناية تتوسط المدينة وتضخ دماء الحياة في شرايينها. بناية كانت في ما مضى تقف في عنفوان وشموخ متحدية الزمان ومانحة للمكان ألقا فريدا ورائحة متميزة ترفرف فوق هامتها راية البلاد الحمراء بنجمتها وهلالها الأبيضين لتذكر العابرين دوما "إنّي هنا".
حوصر البناء ذات صباح خريفي جارح، ونزل من السيارة رباعية الدفع أعضاء لجنة ببدلاتهم السوداء الضيقة وربطات أعناقهم الملونة وأحذيتهم اللماعة، تلهو أصابعهم بأزرار هواتفهم الجوالة يقلبون الصور والرسوم يبحثون عن تصاميم جديدة لبناءات عملاقة لأنهم أعجز ما يكونون عن وضع مثل تلك التصاميم. جالوا حول البناية وهي جاثمة، قاسوا أبعادها، تهامسوا، خلصوا نجيا، تشاوروا، تدانوا ثم تباعدوا، أعادوا قيس الأبعاد ودققوا الحساب...وأخيرا وقعوا على وثيقة الإعدام. أزت أقلامهم على الورق بكل القسوة التي يمكن لقلب بشر أن يحملها. بلغ صدى صرير أقلامهم مسامع تلك الصخور فارتج البناء ودمدمت الحجارة كسجين أُعلم بحلول موعد تنفيذ حكم الإعدام عليه. وقّعوا بأيادٍ مرتعشة وهم يفكرون في ارتفاع أرقام أرصدتهم الضاجة بالخيرات. وقّعوا وهم يقدّرون حجم انتفاخ جيوبهم بعد الانتهاء من الأشغال متناسين تاريخ مدينة حافلا بكل ألوان الفرح وضاجا بالحياة والناس.
شيطان الظهيرة يغني في غرناطة - محمد محضار
منذ زمن بعيد ظل سجين أسئلة متناسلة، لا يكاد يجد جوابا لواحدٍ منها حتى تحاصره أُخَرٌ أَكْثر غُموضاً فيجد نفسه فريسة لعملية تكرار مُمِلَّة، في البَدء كانت الأسئلة وجودية محضة، لكن مع تقدُّمِه في العمر حضر الهاجس الاجتماعي بكل تجلياته وترتّبَ عن ذلك تَخبُّط نفسيٌّ قويٌّ، زاده حجم السؤال المعجون والمموه بتلاوين متضاربة تَجمعُ بين الغُموض والمجهول، وتدمج بين المعقول والسوريالي، وبالتالي تنامت درجة ضيَّاعه في بحر بلا قرار، وصارت سِدرة المنتهى بالنسبة له الخروج من وجع التَّوجسَات وقهر الهلوسات.
عندما سألته زوجته عن سر شُروده وهذيانه المُتكرر، لم يجد ما يردّ بِه عليها واِكتفى بابتسامة شَاحبة وغير مُقنعة، قالت له بإلحِاح:
" تَمتّع بما تبقى لك من عُمْرٍ، ولا تشغل بالك بالهرطقات، فلست بقادر على تغيير المسار والتأثير على ما كانَ وما هو كائن وسيكون"
لم يحفل بكلامها رغم اِيمانه برجاحته، وعقلانِيته، لأن هُناك شَيئا داخله يمنعه من القُبول بالأمر الواقع، والاِستسلام لسطوةِ الغُموض. ثم أسند ظهره للخلف ونظر إليها بعيون ذَابلة، وعادت به ذاكرته سنوات إلى الخلفِ، شاءتِ الأقدارُ أن يتعرَّف عليها صدفة في طريقهما من الرباط إلى مدينتهما، ومن يومها تعددت لقاءاتهما، ولم يعد أحدهما يطيق البعد عن الأخر، كان يهرول لانتظارها كل مساء قرب مقر عملها، فتحتضنهما شوارع المدينة وأزقتهما، وهما في حالة انتشاء متقدمة، حتى إذا أحسا بالتعب، هرعا إلى مقهى الحديقة الكائن وسط الغابة المَخْزنِيّة، وطلبا مشروبا ساخنا، أو باردا حسب الأجواء، ثم يندمجا في الحديث، تحدثه عن نفسها، عن أحلامها وطموحاتها، ويحدثها هو عن ولعه بها وارتياحه لوجودها معه، وعندما يأتي المساء يفترقا، ليتكرر اللقاء في اليوم الموالي، وهكذا دواليك حتى قررا دخول القفص الذهبي، فتزوجا، وتدرّجا في دروب الحياة صعودا وهبوطا، ورُزقا بالذرية الصالحة، ثم ركبا قطار الحياة المتجه إلى حيث لا يعلمان.
الجـــســـر – قصة: أمينة شرادي
كانت تتسابق كل صباح، مع نسمات الريح التي تتماوج مع خصلات شعرها، وتراقب طلوع الشمس الذي يبدو لها كحدث كبير يحدث فرحا غير مفهوم بداخلها. كانت أمنيتها أن تظل للحظات تحت أشعة الشمس الوهاجة حتى تستطيع أن تستقبل اليوم بنفس جديد. لكن ظروف عملها كانت كالسيف على رقبتها. التوقيت مهم في عملها. أصحاب البيت الذي تشتغل عندهم يرفضون أي تأخير أو تهاون مهما كان السبب.
من أحب اللحظات الى قلبها، ان تمشي والشمس ماتزال تستيقظ من سباتها الليلي. وتعشق تلك اللحظة التي تقف فيها عند الجسر وتهيم مع رائحة الشجر وصوت المياه ونور الشمس. كانت كعاشق ينتظر حبيبته. وتبتسم وتحضن كل الأشعة التي تخترق جسدها النحيل وتعيد اليه توازنه وحيويته. بديعة، هذا هو اسمها. فهي بديعة في التعامل مع الآخرين. هي من أسرة فقيرة، عملت كمساعدة بالبيت المتواجد في الطرف الآخر من المدينة. لكي تساعد عائلتها التي تتكون من أخ صغير وأب مقعد وأم تعبت من الخدمة في البيوت. كأنها تعيد حياة أمها رغما عنها. فتضطر عند كل صباح، أن تقطع الجسر من أوله الى آخره، لكي تصل الى مكان عملها.
كان صباحا ليس ككل الصباحات، وصلت عند الجسر واستقبلتها الشمس كاستقبال الضيف بعد سفر طويل. عادة، يكون الجسر صامتا الا من خرير المياه، وحفيف الأشجار. لا أثر لقدم بشري في تلك الساعة المبكرة. لكن هذا الصباح، رأت شابا، طويل القامة وقوي البنية. يخترق صمت المكان. واقفا لا يتكلم ولا يحرك ساكنا. كأنه يحمل سرا خطيرا.. في لحظة، بدأ يقترب من النهر دون أن ينتبه اليها. فتقدمت بديعة بشكل تلقائي نحوه وسألته: