منذ أن أبصرتُ النور، كنتُ أمضي في طريقٍ خطّته لي يدُ أبي، وتوارثته خطوات من سبقوني، حتى صار كالنهر الذي يعرف مجراه قبل أن يصل إلى مصبّه. كان طريقًا يبدو واضحًا، مطمئنًا، تحرسه أعراف الجماعة، وتدعمه ذاكرة القبيلة، فأمضي فيه كما تمضي الطيور في سربٍ لا يتساءل عن اتجاه الريح.
كبرتُ شيئًا فشيئًا، ومعي كبرت الأسئلة التي لم يكن لها صوت. كنتُ أسير، لكن داخلي كان يقف عند كل منعطف، يتأمل ولا يجيب. حتى جاء ذلك اليوم الذي لم أعد فيه مجرد عابرٍ للطريق، بل صرتُ واقفًا أمامه.
كان هناك مفترق. طريقٌ إلى اليمين، مألوفٌ كبيتٍ قديم، دافئٌ كعاداتٍ لا تُسأل، مريحٌ لأنه معروف. وطريقٌ إلى اليسار… لم يكن مجرد مسارٍ آخر، بل كان فكرةً تمشي على الأرض، ونداءً لا يُسمع بالأذن بل بالوعي. كان يسارًا فكريًا يتشكل كولادةٍ جديدة داخل العقل، كخروجٍ من ضيق التلقين إلى اتساع السؤال.
كان اليمين يشبه حضن القبيلة؛ يطمئنك لأنه يعرفك مسبقًا أكثر مما تعرف نفسك، لكنه في الوقت ذاته يطلب منك أن تبقى كما أنت، بلا تغير، بلا اهتزاز. أما اليسار، فكان يشبه نافذةً تُفتح على رياحٍ لا تُشبه ما اعتدتُه، رياحًا تحمل معنى مختلفًا للحرية؛ حرية أن أفكر، أن أختبر، أن أختلف، أن أتمرد على ما يُقدَّم لي كيقينٍ جاهز.
وقفتُ طويلًا بينهما. لم يكن الصراع بين طريقين فحسب، بل بين صورتين لي: أنا كما أرادني الآخرون، وأنا كما يمكن أن أكونه إذا سمحتُ لنفسي أن أسأل.