منذ أن أبصرتُ النور، كنتُ أمضي في طريقٍ خطّته لي يدُ أبي، وتوارثته خطوات من سبقوني، حتى صار كالنهر الذي يعرف مجراه قبل أن يصل إلى مصبّه. كان طريقًا يبدو واضحًا، مطمئنًا، تحرسه أعراف الجماعة، وتدعمه ذاكرة القبيلة، فأمضي فيه كما تمضي الطيور في سربٍ لا يتساءل عن اتجاه الريح.

كبرتُ شيئًا فشيئًا، ومعي كبرت الأسئلة التي لم يكن لها صوت. كنتُ أسير، لكن داخلي كان يقف عند كل منعطف، يتأمل ولا يجيب. حتى جاء ذلك اليوم الذي لم أعد فيه مجرد عابرٍ للطريق، بل صرتُ واقفًا أمامه.

كان هناك مفترق. طريقٌ إلى اليمين، مألوفٌ كبيتٍ قديم، دافئٌ كعاداتٍ لا تُسأل، مريحٌ لأنه معروف. وطريقٌ إلى اليسار… لم يكن مجرد مسارٍ آخر، بل كان فكرةً تمشي على الأرض، ونداءً لا يُسمع بالأذن بل بالوعي. كان يسارًا فكريًا يتشكل كولادةٍ جديدة داخل العقل، كخروجٍ من ضيق التلقين إلى اتساع السؤال.

كان اليمين يشبه حضن القبيلة؛ يطمئنك لأنه يعرفك مسبقًا أكثر مما تعرف نفسك، لكنه في الوقت ذاته يطلب منك أن تبقى كما أنت، بلا تغير، بلا اهتزاز. أما اليسار، فكان يشبه نافذةً تُفتح على رياحٍ لا تُشبه ما اعتدتُه، رياحًا تحمل معنى مختلفًا للحرية؛ حرية أن أفكر، أن أختبر، أن أختلف، أن أتمرد على ما يُقدَّم لي كيقينٍ جاهز.

وقفتُ طويلًا بينهما. لم يكن الصراع بين طريقين فحسب، بل بين صورتين لي: أنا كما أرادني الآخرون، وأنا كما يمكن أن أكونه إذا سمحتُ لنفسي أن أسأل.

صديقي الأثير حدثني عن عمه قائلا:
" أبي له شقيق واحد، يطلقون عليه "أعنان"، في سنوات السبعينيات، كان لقائي به يتجدد كل مساء ، بعد أوبته من عمله في "كتامة"، لم أكن أستجديه ليحكيَ لي ولم أقل له يوماً:" تكلم" تعريضاً أو تصريحاً، كان يكفي أن ينظر في عينيّ الصغيرتين الغارقتين في حوض من الكحل الطبيعي من مرض، فيبدأ كشلال هادر يحكي ، حينها أسمع حقائقَ، وخرافاتٍ فتنبسط أمامي، في الحيز الضيق الذي نتقاسمه في الجلوس، والذي يربط بيني وبينه، عوالمُ غريبة أغرق في طبيعة ناسها، وحيوانها، ونباتها وجمادها.. في الكثير من حكاياته تبدو هذه العوالم مختلفة تماماً، لا شرخَ فيها، ولا نشاز، ولا اعوجاج، وإنْ وجدَ واحد فمن "أبجديات التصرف"، يقتضيه تنميق الكلام؛ كان عمي يطلي حكاياتِه بالماكياج، ويخرج دائماً "مُلوناً" من مواقف حياتية صعبة بذكاء بطلٍ خارق.. أظل في البيت، وتأتيني حكاياته دون أن أطلبها…
مبتسماً قاطعتُ صديقي، قلت له:
(كلامك عن عمك، صديقي، ذكرني بجد "باسيل" بطل رواية "زوربا" اليوناني، كان يخرج بفانوس إلى الخارج بحثاً عن غريب تائه، يستضيفه في داره، يطعمه، ويكرمه، ثم يطلب منه أن يسدد دينه بقوله له " تكلم"، ويبدأ الضيف في" الحكي"، وينتشي الجد مما يسمع من أخبار، وأحاديثَ، وحكاياتٍ، وكان يكتفي بما يسمعه من ضيوفه دون أن يغادر أبداً القرية التي يعيش فيها.. هكذا أحب الحياة دون أنْ يضرب في الأرض...
ضحك صديقي، حين أضفت:
" أنت محظوظ، الحكايات تأتيك من عمك دون أن تطلبها".. ثم رجاني ألا أقاطعه مرة أخرى ثم واصل:

جواز السفر والتذكرة في كف يده، متشبث بهما كأنه يخشى عليهما من الخطف. وكلما دنت ساعة رحيله ارتج قلبه وارتفع وجيبه حتى لتكاد تصغي إلى دقاته رغم ما في المكان من ضوضاء. تعلو أنفاسه وتنخفض لأول مرة يشعر بهذا الكم من الرهبة والخوف كأنه لم يركب الطائرة من قبل رغم أنه حياته حافلة بالسفر والترحال. سنوات عديدة أمضاها متأرجحا على أجنحة الطائرات. لا يستقر إلا ليرحل من جديد. ألِفته أبهاء المطارات وبواباتها ومدارج الطائرات ومضيفاتها حتى ضجّ جواز سفره بأختام تأشيرات العبور. صار قَدره أن يفترش حقيبة سفر. كلما يظنّ أنه استقر يدعوه منادي الرحيل.
ضجّ بهو المطار بأصوات الموَدّعين والمستقبلين، وتداخلت صرخات الأطفال والنداءات الأنثوية الناعمة عبر مكبرات الصوت بين الفينة والأخرى مذكرة المسافرين بدنوِّ انتهاء إجراءات التسجيل في الرحلات. ومن المقهى المطعم الذي يتوسط البناية يتردد صدى أغنيات منبعثة من أجهزة متطورة تمنح العابرين لحظات استرخاء وهم يتلذذون بارتشاف أعقاب القهوة. نداءات وأضواء ووقع كعوب أحذية حادة يمشي أصحابها بانتظام، وصوت عجلات حقائب تئز على البلاط النظيف اللامع، حقائب سفر كبيرة وصغيرة يحاذي بعضها بعضا فوق شريط يدور أوتوماتيكيا يلتقطها أصحابها بعد إتمامهم إجراءات العبور، وبعد أن تكون تلك الحقائب قد خضعت لعمليات تفتيش آلية دقيقة بتمريرها من أمام شاشة تمسحها ضوئيا للكشف عن محتوياتها. تشعر وأنت تتجول في أرجاء هذه البناية الفسيحة أنك تتأرجح بين بلدين، لا أنت تشبثت بوطن ستغادر ترابه بعد حين، ولا أنت وطأتَ أرضا أخرى تفصلك عنها أزّتَا عجلات الطائرة عبر رحلة ستكون خلالها معلقا بين السماء والأرض.

أنت في بغداد على الطريق العام الموصل إلى البصرة، تمشي منذ اكثر من ساعة، تشير للسيارات العابرة ولا مجيب، تكاد أشعة الشمس أن تحرق رأسك، العطش يجفف حلقكَ، تقف لك حافلة يقودها رجل خمسيني، يشير لك بالصعود، يكلمك بالإنكليزية، تكتشف أنه عسكري أمريكي، يناولك عبوة مياه معدنية، تشربُ حتى ترتوي.
بعد دقائق قليلة، يخرج أمام الحافلة مواطن عراقي غاضب، يغمز إلى السائق، ويتلفظ بكلمات بذيئة...
أنت ذاتك في مركز انطلاق الحافلات في دمشق، متأخر عن موعد مهم، الحافلات مكتظات، تيأس وتخرجُ من مركز الانطلاق، تباغتكَ بعد البوابة بقليل حافلة صغيرة تتسع لأربعة عشر راكبا، تتوقف قربك، تفرح توا، تلاحظ أن المقعد الأمامي قرب النافذة شاغر، تهمُّ بالركوب، يتصبب منك عرق بارد، لا سائق في الحافلة، تنظر إلى الركاب، لا ترى منهم استغرابا، بل أنهم وبصوت واحد يطلبون منك الصعود فهم مستعجلون، تحتار في قرارك، أتأخذ مكان السائق، أم الراكب، يخزك خوف كبير: كيف وصلت الحافلة إلى هنا دون سائق؟
لم يمضِ وقت طويل حتى أمال السائق العجلات نحو الطريق العام، حاورك بلكنته الأمريكية، تفاخرَ بإنجازات وحرية وأشياء أخرى، لم توافق على كلمة واحدة ، لم تجرؤ على إخراج معارضتك إلى أذنيه، لا لأنك تخشاه ولكن احتراما لكرم الضيافة، أليس العرب أولى بها؟

نثر أوجاعه وآلامه في حقولي ثم نهض متثاقلا ومضى يعرج. أحسست به يُنزل حملا ثقيلا كان يكابد من أجل حمله. لم يجد أرضا بورا ليطمر في تربتها مأساته سوى أرضي. عبر باب المقهى مغادرا وتركني أتلمظ شوقي إلى لقائه مرة أخرى بالرغم من الأشواك التي نبتت فجأة في كل تفاصيلي. حرمني متعة الجلوس معه طويلا والتنقيب بين ثناياه علِّي أظفر منه بتفاصيل يجاهد ليمحو حروفها ويدبّق حبرها من كتاب حياته. هكذا دأبه منذ عرفته يقطع لقاءاتنا عند ذروة لذتها ويهمس لي "اللقاء شيّق والوقت ضيّق". يمضي إلى لا مكان، فقد صار يدرك أن كل الأمكنة تضيق به وتضجّ من حضوره إلا هذا المقهى الشعبي النائي في أطراف المدينة الذي لا يرتاده سوى الفارين من صخب المدن وضجيجها والباحثين عن هدوء الحياة وسكينتها، وهم قليل، بعد أن هدهم اللهاث المسعور وراء متاع الدنيا العفِن. وعندما أدركوا أن نهاية الحياة لن تكون سوى حفرة وكومة من التراب هدأت نفوسهم وسكنت.

مضى يتلوى وساقاه كقصبتين متوازيتين يلفهما بنطلونه الدجينز الأزرق. مضى بانحناءته الخفيفة مسربلا في معطف من السكاي طويل اهترأت أطرافه جراء ملامسة الأرض الذي يدب عليها. ويحيط برقبته وشاحا بلونه الأبيض والأسود يدّعي أنه هديةُ أسيرة فلسطينية محررة أهدته له التقاها مرة في مسيرة مناصرة لدولة فلسطين ضجت فيها الحناجر حتى كادت تبح مرددة "فلسطين عربية". تلك الأسيرة المحررة التي غادرت وطنها بعد توقيعِ تَعَهُدٍ بعدم العودة إليه، فاختارت أن تخوض النضال من بعيد، بل من بعيد جدّا.

لوثة أصابت عقله وشلّت تفكيره منذ مغادرته السجن الذي دخله لسبب لا يعلمه. وجد نفسه يومها فجأة في قبو مظلم بعد أن اقتادوه إليه إثر اقتحام ليلي لغرفته البائسة الكئيبة. اقتحام فيه كثير من الاستعراض والفنتازيا، لكنه كان ناعما هادئا. لم يسمع أزيز الباب ولا صوت تحطيم النوافذ، ولم تلتقط أذناه وقع أقدام تصعد السلّم مسرعة وواثقة أو تقطع الممر المؤدي إلى غرفته في الطابق الثالث من عمارة يسكنها كثير من البشر المسالمين. كان حينها يقف محاذيا النافذة يتأمل من بعيد ذؤابات الأشجار وهي تستقبل أولى خيوط الفجر لتخلصها من رداء الليل الأسود المظلم المخيف. دأب على الوقوف في هذا المكان من الغرفة كلما جافاه النوم. يضع فنجان القهوة على حافة النافذة ويشعل سيجارة ويمضي مراوحا بين نفث الدخان دوائر تلو دوائر وارتشاف هذا الشراب الذي أبدع الإنسان في جعله بطعم فريد يزيل عن النفس ما يلم بها بين الفينة والأخرى من ضيق وتوتر.

كنتُ أمشي بينهم كقصيدةٍ مؤجلة، كحلمٍ لم يجد بعد لغته الكاملة، بوجهٍ لا يعرف الأقنعة، وقلبٍ يرفض أن يتعلّم فنّ الاختباء. في عالمٍ كانت الوجوه فيه تتبدّل كما تتبدّل الفصول، بقيتُ ثابتًا كنجمةٍ تُقاوم الغيم، أؤمن أن الصدق ليس خيارًا بل هو قدر، وأن النقاء ليس ضعفًا بل طريقةٌ أخرى للوجود. كنتُ أرى الأشياء ببساطتها الأولى، كما تُرى السماء بعين طفل، دون أن أُدرك أن بعض الزرقة مجرّد وهمٍ يختبئ خلفه الفراغ.

لم أعرف كيف أُلوّن مشاعري بما لا أشعر، ولا كيف أقول ما لا ينبع من داخلي. كنتُ أعيش كما أنا، دون حواجز، كنافذةٍ مفتوحةٍ على كل الرياح، أستقبل الوجوه كما لو كانت حقائق، وأصغي للكلمات كما لو كانت اعترافاتٍ صادقة. كان قلبي يسبقني دائمًا، يمدّ يده قبل عقلي، ويمنح قبل أن يسأل، كأنه نهرٌ لا يعرف سوى الجريان، حتى في أرضٍ لا تشرب.

كنتُ أهب ثقتي كما تُهدي السماء مطرها، بلا تمييز، بلا حذر، معتقدًا أن كل أرضٍ ستزهر إن لامستها قطرة صدق. كنتُ أرى في العيون ضوءًا يشبه ضوئي، وأظن أن الكلمات الدافئة جذورٌ تضرب في عمق الإخلاص. لم يخطر ببالي أن بعض الوجوه تُصاغ بعناية، وأن بعض المشاعر تُرتَّب كما تُرتَّب الأدوار على خشبة المسرح. كنتُ أتعامل مع الجميع كما أتعامل مع نفسي، وكأن القلوب نسخةٌ واحدة، وكأن العالم صفحةٌ لا تعرف سوى الحبر الصافي.

فتحتُ روحي كحديقةٍ بلا أسوار، يدخلها العابرون ويقطفون منها ما يشاؤون من طمأنينةٍ وأمل، دون أن أسأل: من يستحق؟ ومن سيمكث؟ كنتُ أؤمن أن العطاء لا يحتاج إلى شروط، وأن الحبّ لا يُوزن بميزان، لكنني لم أكن أرى أن الإفراط في النقاء قد يُشبه أحيانًا السذاجة حين يُمنح لمن لا يعرف قيمته.

كنت أظن... وأظن... وخابت الظنون. كنت أظنه الملاذ الوحيد في عواصف الحياة، كنت أظنه الأمن والأمان، كنت أظنه عوضي في هذه الحياة، وفي الأخير تخون الظنون. رسالة موقعة بحرف السين.
قرأت فقط هذه الأسطر من الرسالة التي تمزقت عند موقف الحافلات، فكان هذا الجزء الذي وجدته أو بالأحرى وجدني. وجدته عند قدمي، كأنه يريد أن يطلب مني الأخذ بالثأر لصاحبة الرسالة. فأخذت الجزء ووضعته في جيبي وصعدت الحافلة، وعند الوصول إلى منزلي وإنهاء جميع أعمالي المنزلية أخذت الجزء وأعدت قراءته بتأن، ثم بدأت في إكمال الرسالة أو بدأتُ بلمّ الشتات الذي صنعه آخرها في موقف الحافلات؛ شتاتٌ وكأنه جروح في القلب عليها أن تُضمّد.
الرسالة الممزقة:
كنت أظن أنك الصدق في هيئة رجل، فوجدت الكذب يمشي في دمك ونبض قلبك.
كنت أظن قولك الحق، فتبين أنه الوهم.
كنت أظنك رجلا، فتبين أنك رضيع لم يفطم من حليب أمه، ومهرج يحب جذب انتباه الآخرين.
كنت أظنك السند في عجزي وضعفي، فتبين أنك كسرتي وقلة حيلتي.
وضعت هذه العبارة في وسط الرسالة؛ لأني فهمت معناها بكل وضوح المعاني وما وراءها.
فهمت معنى مقولة: " لا تحكم على الكتاب من غلافه"

 كانت القرية نائمة في هدوء إلى أن بدأت الأيادي ترسم خريطتها الجديدة في الخفاء، هواؤها، طيبة أهلها، موقعها الرابط بين مدينتين، خيراتها...كل ذلك لفت إليها العيون قبل غيرها من القرى المجاورة التي لم تُحظ بهذه الالتفاتة الكريمة. بلا عيوب كانت قريتنا، حين مُدّت إليها الأيادي طالبة رضاها.
دون ارتباك، وبلا تردد بدأت الأيادي ترفع الجدران، سُيِّجت المساحات وعلا سياجها، فلا يُرى ما يُفعل خلف تلك الأسوار التي سرعان علت، كأن بُنَاتُها كانوا من الجن. في الجانب الخلفي كانت الأشغال لا تهدأ ولا أحد يعلم ما يحدث، كبطن ينشأ في داخله جنين. كُمِّمت الأفواه بلفائف الأوراق النقدية التي أُنفقت بلا هوادة، وكلما نما الجنين اتسع له بطن الأم، وكلما ازدادت حاجته للطعام والهواء مُدَّت الأيادي باللقم وقصبات الهواء من كل الاتجاهات.
هكذا كان حال قريتنا كأُمِّنا الأرض، تتسع لكل من دب وهب ليطأها بقدميه ويرتكب فوقها الفظاعات والموبقات، ثم إذا مات كان جوفها له سكنا.
اشترى المالك الجديد قطعة الأرض بأضعاف ثمنها، ثم تجاسر وغيّر حدودها، ثم استبد واستحوذ على ما جاورها، ثم تجعَّس وزحف أكثر. حدث كل ذلك في الوقت الذي كانت الكؤوس تُدار في الليالي المقمرة بين الندامى، فدُفعت الأثمان، ووُقِّعت العقود، وسُجِّلت في السجلات العقارية، فلا مجال للندم أو التراجع أو لِحَقِّ الشفعة.
حُرِس البناء الجديد من الداخل والخارج ببنادق الصيد وبالكلاب المدربة وبالغول الذي أخاف الجميع ولم يره أحد. كان الغول ساكنا في النفوس لا داخل البناء. لا أحد يعلم أكان فوق الأسوار أم خلفها أم كان يطل من بين الشقوق. تساءل الجميع عمن يكون صاحب هذا البناء، لكنهم لم يجدوا جوابا، فحتى العمال جيء بهم من قرى بعيدة، يزورون القرية لأول مرة. لم يرهم السكان قديما. أصناف من البشر وألوان كثيرة. الفنيون كانت عيونهم ضيقة ومشدودة إلى الوراء، قاماتهم قصيرة، لا يتكلمون إلا مع بعضهم البعض بلغة أضحكت كل من سمعها من أبناء القرية وعجزوا عن حفظها أو فهمها، ولا يلتقون إلا وبين أياديهم رسومات وخرائط وتصاميم ينشرونها أمامهم ثم يشرعون في تحليل علاماتها وتفكيك رموزها.