" رَأَيْتُ الْعَبَثَ وَ لَمْ تَضِقْ يَدايَ بِسُكونِ الْجِهاتِ الْنَّائِمَةِ. وَ رَأَيْتُ خَرائِطَ الْفَرَحِ تُعِدُّها بِمَكْر، ثَعالِبُ الْوَقْتِ الْعابِرِ فاتَّسَعَتْ بُقَعُ السَّفَرِ في قدمِي. ولَمَّا رُمْتُ انْتِشالَ الْحُقولِ مِنْ ضُباحِ الْكائِناتِ اللَّوْلَبِيَّة فَرَّتْ مِنْ أَصابِعي كُلُّ الدّالِياتِ. سَقَطَ الدَّمْعُ في جَيْبِي الْمُعَلَّقِ فِي فَهارِسِ النِّسْيانِ، فَتَّشْتُ في قاعِهِ عَنْ دُرَيْهِماتٍ أسُدُّ بِها ثُقوبَ الْحُقولِ الْمَسْلوخَة فَلَمْ أَجِدْ رَنيناً، وَوَجَدْتُ بَقايا مَخالِب، وَ نُتْفاتٍ مِنْ زَغَب، وَ حُشاشَةً مِنْ روح، وَ بَعْضَ أحْلام كانتْ دَفِينَة. "

ماذا تَقول أيّها الْمعْقُوفُ في يدِ الكلام؟ وهل أنتَ شاعرٌ فقدَ بوصلةَ البيان أم حاكٍ تاهَ عنهُ غزالُ المَجاز؟
انا الحاكِي و الْمحكِيُّ عنه. و أمّا العبثُ أعلاهُ فبعضُ السّلوك. و أمّا الجهاتُ النّائمَة فبعضُ السّكوت. و أمّا خرائطُ الْفرح فبعضُ الانْفِراجِ في سيماءِ العسْف و الخسْفِ و...
هل أنتَ تشْرَحُ لي؟ و هل بدوْتُ لك جاهلاً بمسارِب الْكلام؟
سيدي... لا تقلق و لا تندفع فليس قصدي أيُّ إهانة أو ما شابه. كلّ ما في الأمرِ أن الرّغبةَ في الكتابة انزاحتْ نحو التغميضِ الدّلاليّ بِقصدٍ يُنيخُ بالمحْكِي في أرْضِ النّخبة. و لا أرانِي جانَبْتُ صواباً إذْ ضيّقْتُ أفقَ الاستِقْبال. أليسَ من حقّي و أنا الحاكِي أن أختارَ قُرّائي؟
سأتركُكَ إلى نخبَتِكَ و أغادِرُ حماكَ. وليس مطلوباً منّي أن أذعِن لهذيانِك...
لك ما تشاء...
قال الحاكي:

"هذه أرضنا يا أبي، هذه مرابعنا، هذا حقلنا وهذا كوخنا، هذه طفولتي وذكرياتي...لا أريد أن أترك كل شيء وأرحل"...ظل الفتى يبكي ويستغيث وهو يتعثر خلف والده الذي يمشي مصمما دون أن يصغي لنداءات صغيره، يقوده قلبه المنفطر حزنا وألما. يحث الخطى محكما شد يده الغليظة على معصم الطفل الذي لم ينقطع عن البكاء منذ انطلقا، ودموعه المنهمرة تغسل وجهه الصغير وتزيل ما علق بهما من القذى وتنزع بقايا النوم من مآقيه. دموعه الغزيرة حجبت عنه رؤية الطريق أمامه وحرمته من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على كوخهم الذي ولد فيه منذ سبع سنوات ودرج في ساحته وتنشّق روائح أزهار اللوز والزيتون والسرو وتعطر بطيبها. دموعه المنهمرة حجبت عنه رؤية أثار أقدامه فوق هذه التربة الناعمة.

رجل تصميم والده، وذو صبر وبأس شديدين. إذا قرر أمرا فلا يردعه عنه رادع. يُقصي إمكانات فشله ولا يأبه لخساراته. يمضى نحو غايته بلا تردد، يسلك الطرق الوعرة والموحشة دون خوف كأن بين جنبيه قلبَ أسد. يجدُّ في السير الآن بقامته المديدة وكتفيه العريضتين أمام ابنه الصغير. يمسك بإحدى يديه صرة لا أحد يعلم ما بداخلها، ويشد بالأخرى معصم ابنه ويجره وراءه دون أن يلتفت إلى دموعه، ودون أن يصغي إلى توسلاته. ولم يفلته إلا بعد أن قطعا مسافة طويلة وأدرك أن لا مهرب للفتى سوى اللحاق به. أنسته وحشةُ الطريق وقسوةُ والده البكاءَ.

مراوحا بين الهرولة والجري واللهاث كان الفتى يتبع والده. ولم يجد سبيلا لنسيان ألم اللحظة سوى بالارتماء بين أحضان الماضي مثلما كان يرتمي بين أحضان والده العائد من رحلات صيد محمّلا بما يتمكن من قنصه من طيور وأرانب برية. ما أجمل تلك اللحظة التي يطل فيها والده من بين الأشجار بطوله الفارع وهو يعلق البندقية على كتفه، وقد شد إلى نطاقه صيده الثمين، فيجرى الفتى نحوه وقد تعلقت نظراته بتلك الكائنات الضعيفة التي تتدلى أجسادها الصغيرة فترتطم رؤوسها بفخذ والده. يجري ويداه تلوحان في الفضاء فيكاد يمسك بالهواء في فرح طفولي غامر. يجري نحو والده تاركا خلفه والدته التي تظل تحرسه بقلبها وتسنده بدعواتها له حتى لا يتعثر ويسقط. وعندما يدنو كل منهما من الأخر يغرس الأب ركبتيه في التراب ويفتح ذراعيه مغريا الصغير بالوصول إلى حضنه فتتسع خطواته حتى تكاد رجلاه لا تلامسان التراب كطائر صغير يتدرب على الطيران. يحمله والده بعد أن يغمر كل منهما الآخر بالقبلات ويعودان إلى الكوخ فينعمان بطيب العيش.

غاب عن المدينة بعد أن غابت المدينة..
تركنا زياد بعد ان تغيّر لون كلّ شيء وطعم كل شيء، تركنا في مللٍ وعجزٍ وانتظارٍ بائسٍ لشيء نجهله.. تركنا مقاوماً وبعضنا مقاومين!
تركنا مختلفين: قال ما عنده ورحل!
تركنا زياد "بلا ولا شي" هكذا معلّقين بخيطِ أملٍ مات لأجله ومن أجله، أملٌ بغدٍ فيه النّهار يصحو باكراً.. تغنّي فيه فيروز من أوله الى آخره، تغنّي للقدس، في القدس، الحرّة، عاصمة فلسطين الديمقراطية!
هذا الحلم: الأمل، نحياه كوصيتكَ لنا وعهدنا لك. سنكمل العزفَ فالنوتة ما زالت لم تُختَم بعد: سنرفع صوت البيانو ونغنّي رغم النشاز.
نغنّيكَ ونغنّي لكَ: رسالة حبّ ونمشي في جنازتكَ ضاحكين على سخافة العالم، وسادية الموت الذي اختاركَ أنتَ دون غيرك ليبقي المشوّه حيا أمامنا، بل ويتكاثر!.
وداعًا زياد،

الزمن جزء من كينونة الإنسان وجزء من صميمه، فنحن لا نتحرّك في الزمن، بل نصنع ذاكرتنا منه، ونشتقّ منه معنى لما كنّا وما نريد أن نكون، نعم إنه الزمن، لطالما شعرت أنه ليس ما نراه في عقارب الساعة أوحركة التعاقب الليل والنهار، بل ما نعيشه في عمقنا عندما ننتظر شيئًا بشغف، أو حين نفقد شيئًا فنشعر أن الوقت كان هشًّا، متفلّتًا.
حينما نبحث في أعمال كل من ديان بونومانو وألبرت تساو وويليام فرايدمان من بين آخرين، كيف يُشفّر الدماغ الزمن، وكيف أن خلايا دقيقة تترتب بداخلنا لتسجّل اللحظات وتضع لها علامة...إلخ، أو حين نقرأ أن الزمن الحقيقي لا يُقاس بالساعات، بل يُعاش داخليًا كتيار شعوري متدفّق لا يمكن تقسيمه أو تثبيته رياضيًّا كما صاغه هنري برجسون، وأن الإنسان لا "يوجد" إلا من خلال الزمن، لأن الماضي يُشكّل ذاكرته، والمستقبل يُحرّك مقاصده، والحاضر هو لحظة اختيار تؤسّس فعل الوجود، مما يجعله يحمل بداخله توترًا دائمًا بين ما كان وما سيكون، مما يمنحه القدرة على التفكير، الإبداع، والتأويل، كما أوضح مارتن هايدغر... يخطر ببالي سؤال مزعج: لماذا رغم كل هذا الإدراك الداخلي، نستهين بالزمن في حياتنا؟
أنا لا أتحدّث هنا كعالمة أعصاب أو كفيلسوفة، بل كإنسانة تمرّ بي الأيام وكأنني أطاردها وهي تفرّ، أنا أعلم أن الزمن مكوّن منّا كما هو مكوّن لنا، لكنه يتسرّب من بين أفعالنا، من بين تأجيلاتنا، من بين ساعات نضيعها في عبارات "فيما بعد أو لاحقا..". إننا نعرف الزمن علميًا، لكن لا نعامله كما نعرفه.
إن كل لحظة تمرّ هي فرصة لا تتكرّر لبناء معنى، لكننا نختار في معظم الوقت أن نعيش في الماضي، أوالهروب إلى مستقبل مجهول، في المقابل تذوب في روتيننا اليومي "الآن" تلك اللحظة التي يدعونا هايدغر إليها لنفهمها كمساحة للاختيار، فلا نسمع صوتها فتنفلت منا أو بالأحرى نحن من نغفل عنها.
هذه الملزمة ليست بحثًا، بل تذكيرٌ لنفسي قبل أن أدرك كل لحظة كنبض في الوعي، أنا أعرف الزمن جيدًا، أعرف كيف يمرّ، وكيف يُخلّد، وكيف يُنسى، قرأت عنه كثيرا، كيف ترصده أدمغتنا، وحاولت أن أكتشف كيف تُشفّره الخلايا لتكوّن ذاكرتنا، لكنني وسط كل هذا الإدراك أمارسه كما لو أنه لا يعنيني، أحيانا أهدره وكأنه ليس مني ولا أُصنَع منه، أمارسه وكأنه خارج الذات، فقط يُقاس، يُؤجَّل، يُهدر، لماذا؟

دخل عبد الله إلى المنزل، وتوجّه مباشرة إلى الغرفة.. جلس وشدّ رأسه بين يديه.. سألته زوجته:
ـ ما بك ياعبد الله؟ عدت باكرا!.. وتبدو واجما ومهموما على غير عادتك؟
طلب منها أن تتركه الآن.. سيحكي لها فيما بعد عن حاله.. وبرر ذلك بأنه يشعر بصداع قوي في الرأس، ويحتاج إلى قسط من الراحة...
خرجت وعادت من المطبخ بقطعة خيار قسمتها على الطول، ووضعتها فوق جبهته، وشدتها بقطعة قماش أبيض.. أحس ببرد خفيف يتسرب إلى عروق رأسه.. تمدد وأغمض عينيه، وتظاهر بالنوم.. جلست بجانبه بعض الوقت، ثم عادت إلى عملها في المطبخ.. وبقيت تُطلّ عليه بين الحين والآخر..
لم يُصدق ما سمعه في السوق، وما شاهده مع ثلة من أصدقائه!.. الفيديو صحيح، ومنشور على صفحة الشيخ في الفايسبوك منذ أكثر من أسبوع، ولم يُحذف، ولم يُكذبه أحد..
بعد كل هذه السنين الطويلة قال الشيخ بأنه تراجع عن خطأ ارتكبه في حياته الدعوية عندما كان متشددا، فحرّم الغناء.. قال بأن الغناء إذا كان بالعربية سيستمع إليه حتى لو كان غزلا وبصوت امرأة.. وضرب مثلا بأم كلثوم وكاظم الساهر..
ارتسمت صور من الطفولة أمام عيني عبد الله قبل أن يسمع أول شريط كاسيت للشيخ.. كان طفلا مشاغبا يحب الرقص والموسيقى والغناء والرسم.. رأى نفسه يغني ويرقص، ويُردد ما حفظه عن الكبار مع أقرانه في الأسرة والحي والمدرسة.. حتى عندما سقط في الجامعة والتحق بالسوق ظل بشوشا يطرب للأصوات الجميلة، ويُردد معها الأغاني في الأشرطة والمذياع والتلفاز رغم التزامه الديني..

في اللحظة التي هممتُ فيها بالتقاطه، بِنِيَّةِ ارتدائه، انتبهت إلى أن أخي الأصغر هو من أهداه لي... في عيد مولدي.. لذلك ترددت.. لا.. الصحيح أنني تهيبت .. قبل عشرين سنة حدث ذلك.. حين أهداني أخي حمزة القميص.. أزيد من عشرين حولا خفت سريعا كسهم ضوئي.. أنا لم أحتفل يوما بعيد ميلادي.. كنت إذاك عاطلا عن العمل.. كان أخي قد خرج للتو من عطالته.. صار له مشروع تجاري مربح. غدت له زوجة جميلة ببشرة حليبية مشعة كنور الصباح. و طفلة ذكية بعينين عسليتين و شعر كستنائي. اسمها أسماء. حين تصادفني أسماء في مكان ما تطير نحوي كفراشة مرحة. مفعمة بالسعادة .. تنط على كتفي.. تمطرني بسيل من القبلات الدافئة. و أنا الذي أكبره سنا كنت بلا عمل. لم أفلح في أي شيء. لا بيت يأويني .. لا أطفال.. السجن يتهددني.. القلب تنخره الجراح.. أهيم على وجه الأرض كدابة تائهة.
لا ليس الأمر كذلك تماما.. الدقة مطلوبة جدا في مثل هذه الأمور.. كنت قد تركتُ عملي في قطاع البريد. كنت بالضبط ساعيا للبريد .. و كنت أحلم .. أحلم كثيرا .. أحلم بغد شاسع.. مشع.. كنجوم السماء.. لكنني فجأة هجرتُ عملي.. هو الذي هجرني بالأحرى .. و صرتُ حين يغط القوم في نومهم العميق أبيت أنا هائما داخل غابة من الأفكار.. ذنبي أنني اخترت أن أكون ساعي بريد حقيقيا لا مزيفا.. كنت طائشا.. لم أكن أتقن لغة الحدود .. لغة الحواجز و المقادير و المحاذير و الممكنات .. لذلك حلمتُ لكن بجرعات تجاوزت الحدود.. لم أكن قد أدركتُ بعد أن الحلم أيضا يجب أن يكون بمقدار.. لم أكن أدرك أن الحلم مثل ميزان الحرارة.. إذا تجاوز الحد انقلب إلى مأساة .. لا .. لم أفرط في الحلم.. كنت أرغب فقط أن أكون ساعي بريد حقيقي، أزرع الحب في نفوس البسطاء عبر رسائل أوزعها عليهم، بقلب مفتوح، كل صباح.
لكن ظني خاب. وجدت نفسي أخيرا منبوذا كمركب مهجور قذفته الأمواج بساحل موحش لجزيرة نائية !!

لطالما اعتُبرت الأحلام نوافذ للروح، ولغات لا يتقنها سوى من أصغى إلى رموزها. غير أني وجدت نفسي، طالبةً اعتادت أن تنظر إلى الحلم بوصفه حالة شعورية عابرة، أمام تكرار رمزيّ يُبدع في كل مرة إشارة مختلفة، غامضة، لكنها موحية، وعميقة الأثر. أصبحت هذه الأحلام بالنسبة لي ساحةً رمزيةً مفتوحة، تذوب فيها الحدود بين المعرفة والشعور، بين العلم والرمز، وبين اللاوعي والإدراك.
أن أراه جالسًا في الصالون، يبتسم لي... لم يكن تفصيلًا بريئًا. فهو المكان الذي استقبل فيه وعيي أولى لمسات الأمان والانتماء. وأن يحمل (x) نفسه هذه الهيئة، فهذا يعني أن رمزيته امتزجت بجذوري. لم يعد مجرد موجه، بل أصبح امتدادًا داخليًا لصوت الإرشاد… تمامًا كما الأب، كالأخ ك ك ك...
الإصبع المرفوع دون كلام، وسط الحلم، كان أشبه بالنداء الرمزي، لا رسالة صريحة، ولا تفسيرا مباشرا. مجرد توجيه يستدعي التأويل. هنا، كنتُ أنا من أُكمل المعنى... وكأن الحلم لا يسلّمني المعنى جاهزًا، بل يدعوني لأن أُشكّله. ألا يشبه ذلك تمامًا فعلَ الفهم المعرفي حين نغوص في نص مُشفّر أو بيت شعر؟

الذكريات، هذا المدى الممتد من الحوادث والأحداث. هذا الشّلال المتدفق الذي لا تنضب ينابيعه، متاهة لا خروج منها. بعض الذكريات مِدًى حادة تخترق الذاكرة وتوقظها بين الفينة والأخرى فترمي بها في أتون متأجج. وبعضها ينساب ناعما بين أهداب الذاكرة يهدهدها فتتمطى متثائبة كوردة جذلى داعبتها يد الربيع الطرية وأيقظتها نسائم الأصائل العليلة.
الذكريات، هذه الصحراء الفسيحة المتناثرة نباتاتُها في كل مكان، منها ما جفّ وتيبست جذوره وألهبتها حرارة الشمس وقسوتها فقاومت ثم رضخت لمشيئة الأقدار فاستسلمت للنهاية المؤلمة. ومنها ما تراكمت عليه الرمال فتكوّمت كثبانا عالية وعجز عن الصمود والتهمته حبات التراب حتى أفنته ومحته من الوجود لتفرض الصحراء سطوتها وهيبتها وهيمنتها. ومنها ما تحدى الجفاف ورياح السموم الحارقة فلا الجفاف جفف بذوره وأفناها، ولا الكثبان العنيدة طمرته، ولا الرياح العنيفة اجتثت جذوره أو اقتلعته.
الذكريات، هذا البحر العجاج المتلاطم الأمواج، يفاجئك أثناء صفائه بصخب أمواجه، ويباغتك أثناء هيجانه بانسياب مياهه على صفحته الملألئة. من الذكريات ما يسكن ركنا قصيا من الذاكرة، يختار له زاوية معتمة محجوبة عن الأضواء ويظل يخبو ويتقلص حتى يتلاشى وينطفئ مثل شمعة منسية في مقام ولي صالح غادره مريدوه، وتركوها تنوس حتى التهمت نيرانها شمعها وفتيلها. تتحول تلك الذكريات إلى رماد تذروه الرياح وتنثره بين الوهاد والوديان فتحمله النسائم إلى أماكن قصية. ومن الذكريات ما يظل يقظا يقض مضجع الذاكرة كلما استكانت وهدأت. يتشبث بها مثل غريق لا يترك يد منقذه إما أن ينْجُوَا معا أو يترديا معا إلى الأعماق الموحلة فيفنيان. ذكريات حية كلما شعرت بهَرَمِ الخلية التي تسكنها انتقلت إلى أخرى شابة واقتحمتها وهيّأت لنفسها موطئا يقيها التلف والضياع والفناء.