كلمة لم تكن في أصلها سوى وصف لغوي عادي كأي وصف بريء، ثم تطوّرَ الوصف مع الزمن إلى تصنيف عرقي تراتبي قيمي، ثم جاء نشطاء متحمسون فجعلوا منه عنوانا مُجَمَّلا لهُوية شعب بعدما أخرجوه من سياقه، وزَيّنوه بجميل الأوصاف في عيون من يجهلونه ويجهلون سياقه.
ذلك الوصف بقناعِه الجميل تمكن بفعل الدعاية القوية للمتحمسين من التسلل إلى الخطاب الرسمي والأكاديمي.. فبلغ من سعة التداول ما جعله يتملص من حمولته التاريخية "المُخجلة" و يكتسب "شرعية"، كأننا هنا أمام عملية "إعادة تأهيل دلالي" تشبه في آلياتها ما يعرف بـ"تبييض الأموال"...
(1) ـ الحقيقة المُرة المخفية:
سبق أن بينا في مقال سابق أن كلمة "أمزيغ" في سياق جنوب شرق وجنوب المغرب على الأقل (شرق و جنوب جبال الأطلسين المتوسط و الكبير، على امتداد أحواض تافيلالت و درعة و سوس)، تحمل معنى "العرق الأبيض" في مقابل كلمة "حرطاني" (أحرضان) وما يماثلها التي تحمل معنى "العرق الأسود". وإذا قلنا جنوب شرق وجنوب المغرب، فإننا نقصد بذلك المنطقة التي تضم أكبر كتلة سكانية تتحدث البربرية، وهذه الكتلة بأعرافها وذاكرتها الموغلة في القدم هي مرجعنا في ما نسطره هنا.
كلمة "أمزيغ" إذن هي من قبيل الوصف الذي لا يُستدعى إلا في مقابل مخالفه: فلا نقول "أمزيغ" إلا في مقابل "أحرضان"؛ هكذا وبكل بساطة. هذه الثنائية العرقية التي نجد لها صدًى قد يكون شاهدا قويا على عراقتها في كتب التاريخ القديم التي تتحدث عن ثنائية "الليبيين" و"الإثيوبيين" قبل أكثر من 2500 سنة ، وقبل أن يظهر في تاريخ بلاد المغرب ما يعرف بتجارة الرقيق.
غير أن تطور التاريخ الاجتماعي للمنطقة جعل ذلك الوصف العادي البريء ينزاح في دلالته إلى تصنيف عرقي تراتبي قيمي يُعلي من شأن العرق الأبيض، وينزل بشأن العرق الأسود إلى أدنى الدركات. حقيقة مرة لا يمكن إنكارها، كما لا يمكن فصلها عن تاريخ البشرية جمعاء التي سارت قدما نحو "مركزية العرق الأبيض". وهكذا، فالخطاب التراتبي السائد ربط المزايا بالعرق الأبيض والرزايا بالعرق الأسود، حتى اعتقد الناس أن هذا الأخير لا يليق بانحطاطه المزعوم إلا أن يكون في رتبة أدنى تحت أقدام الرجل الأبيض، وفي خدمته على كل حال...
من رحم هذا الواقع العنصري المجحف ولد معنى "الرجل الحر النبيل": هو "حر" في مقابل "العبد" الأسود، و"نبيل" في مقابل "الحقير" الأسود. هذا النُّبل المزعوم ليس "خُلقا" محمودا كما توحي لنا بذلك أدبيات الحركة الأمازيغية وهي تتحدث بأسلوب عاطفي مغرق في الرومانسية عن معنى كلمة "أمزيغ" منزوعا من سياقه الاجتماعي..؛ بل هو مجرد "نُبْل خِلقي" مزعوم يستمد معناه من نُبل اللون، ونُبل الملامح..، ونبل العرق الأبيض عموما.