مقدمة
يسعى مدح الإنسانية التقدمية، كخطاب فلسفي معاصر، إلى الاحتفاء بكرامة الإنسان وحريته وقيمته الكونية، متجاوزًا بذلك الانقسامات التاريخية والثقافية والاجتماعية. في سياق ما بعد الاستعمار، يتخذ هذا المدح بُعدًا خاصًا، إذ يُمثل جزءًا من محاولة لإعادة تقييم الإنسانية في ضوء الإرث الاستعماري، والظلم التاريخي، وديناميكيات القوة التي شكلت العلاقات بين الشعوب. تستكشف المقاربة الفلسفية والايتيقية كيف يُمكن لهذا الخطاب أن يُعيد تأكيد الكرامة الإنسانية، مع الاستجابة لتحديات ما بعد الاستعمار، كالاعتراف بالهويات المهمشة، وتفكيك التسلسلات الهرمية المفروضة، وتعزيز العدالة العالمية. تُحلل هذه الدراسة الأكاديمية المتعمقة مدح الإنسانية من منظور خطاب ما بعد الاستعمار، مستندةً إلى الأطر الفلسفية (بما في ذلك أطر إيمانويل ليفيناس، وفرانز فانون، وإدوارد سعيد) والأطر الأخلاقية (المستوحاة من كانط وفلسفة الاعتراف). يتناول هذا الكتاب الأسس النظرية والسياقات التاريخية والتداعيات المعاصرة، مع تسليط الضوء على توترات هذا الخطاب وإمكانياته في ظل العولمة. فكيف ساهمت الإنسانية التقدمية في كسر الحصار ورفع العدوان عن غزة ودعم صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بارضه ومقاومة الهجمة الصهيوامبرايالية؟
تعريفات المفاهيم الرئيسية
مدح الإنسانية:
مدح الإنسانية خطاب فلسفي يحتفي بالقيمة الجوهرية للبشر، مشددًا على عقلانيتهم وحريتهم وقدرتهم على خلق المعنى. يعارض هذا الخطاب جميع أشكال نزع الصفة الإنسانية، سواءً أكانت نابعة من القمع أم الاستغلال أم التهميش.
خطاب ما بعد الاستعمار:
يُحلل خطاب ما بعد الاستعمار، كما طوره مفكرون مثل إدوارد سعيد (الاستشراق، 1978) وهومي بابا، إرث الاستعمار، بما في ذلك التمثيلات الثقافية وعلاقات القوة ومقاومة الشعوب المستعمرة. ويهدف إلى تفكيك السرديات الإمبريالية وتعزيز الأصوات المهمشة.

الملخّص بالعربية
يروم هذا البحثُ تحريرَ موردِ النزاع في فهم الكوجيتو الديكارتي بين القراءةِ القياسية التي يمثلها سعيد فودة، والقراءةِ الوجودية التي يدافع عنها أبو يعرب المرزوقي. ويُظهر التحليل أن ديكارت، في «تأملاته الميتافيزيقية»، لم يُقِم برهانا صوريّا بل كشفا أنطولوجيا للوعي في حضوره لذاته. فعبارة «أنا أفكر، إذن أنا موجود» ليست استنتاجا بل تجربة تأسيسية تُنقل فيها الحقيقة من ميدان القياس إلى أفق البداهة الوجودية. ويُبرز البحث تلاقي هذه القراءة مع تأويلات غربية كبرى: مع غيلسون في حديثه عن الحدس الذهني، ومع ماريون في مفهوم الكرامة الأنطولوجية، ومع كريشمارينو في بيانه لتحوّل المبدأ الأوّل من مبدأ الكائن إلى مبدأ المعرفة.  وبهذا يؤكد المقال أنّ الكوجيتو يمثل لحظة انتقالٍ من المنطق المدرسي إلى المنطق الوجودي، ومن البرهان إلى الانكشاف.

الكلمات المفتاحية:  ديكارت، الكوجيتو، أبو يعرب المرزوقي، سعيد فودة، ماريون، غيلسون، كريشمارينو، البداهة، الانكشاف، الكرامة.

تقديم
في مقالة سابقة لي كنت ناقشت بعض الأمور والثغرات في منهج ديكارت القائم على الشك المطلق بغية الوصول الى يقينية حقائق الحياة التي تقوم على توليفة تضم حسب ديكارت ((الله، الانسان، الفلسفة) في إيلاء تجارب العقل أن تكون هي ألفيصل في تأكيد كل ما يتعلق بهذه الأقانيم الفلسفية التي يوحدّها المنهج ألإفتعالي التعسّفي الذي أراد ديكارت تحقيقه وفشل به..

منهج ديكارت الفلسفي الذي ضمّنه أفكاره كتابه الذائع الشهرة الفلسفية (مقال في المنهج) حيث إتضّح أن ديكارت لم يتمكن من شرح قضايا المنهج الذي وصفه بالعلمي العقلي القائم على الشك قبل التسليم بصدقية أي شيء يصل إدراكنا العقلي له ، ويكون ذلك الشيء من بديهيات الحدوسات التي يكمن برهانها فيها بما يصّدقه العقل عنها والإجماع على بديهيتها الواضحة ، لتكون إستدلالا عقليا في البرهنة على قضية أو قضايا أخرى يطالها الشك غير المحسومة صدقيتها عن زيفها..

الحقيقة غير العلمية يتضمّنها الكوجيتو أنا افكر إذن أنا موجود المرتكز المثالي الميتافيزيقي الذي عجز ديكارت عن توضيحه بمنطق العلم. حيث يستنبط " الانسان يفّكر وانا موجود من حيث هو مفّكر." 1 ، ويؤكد منهجه العلمي قوله أيضا " أنا أعرف نفسي الآن موجودا لأني أفكر ، ولا أعرف نفسي إلا كذلك ، ووجود الفكر علة وجودي ، والفكر أشد ثبوتا من وجود الجسم ، وطبيعة النفس وماهيتها هي الفكر ، والنفس مستقلة عن الجسم ومعرفتها أيسر " 2

في هذه العبارة الجوهرية في تفكير ديكارت الفلسفي نستنج المتناقضات التالي:

حسب ديكارت الفكر يسبق الوجود لا بل الفكر هو علة الوجود الواقعي وسبب إدراكه الوجود بالفكرعنده حقيقة بديهية لا تحتاج برهانها. بينما الحقيقة الماديّة تشير الى أن الوجود يسبق إدراك الحواس والعقل كما يسبق التفكير به ايضا. الوجود في إستقلاليته المادية هو مبعث ومصدر التفكير بألاشياء..

يذهب ميرلوبونتي الى ان العالم الخارجي ليس حقيقة. وكذلك (الذات) ليست حقيقة.
اعتقد انه من المتفق عليه انه بدلالة العالم الخارجي ندرك ذواتنا بمغايرة ادراكاتنا الموجودات. وليس بهذه الخاصية الادراكية المتفردة نستطيع معرفة حقيقة العالم الخارجي ايضا. الذات جوهرفردي لا وجود له سوى بالمغايرة الادراكية العقلية للاشياء والتفكير بما حولنا.
 مالمقصود بالعالم الخارجي ليس حقيقة؟ هل هو الطبيعة بكل شموليتها البايولوجية المتنوعة الكائنات والمكونات بما لا يمكننا حصره ومعرفته لا تمتلك حقيقتها ؟ أم العالم الخارجي الذي هو الموجودات والعلاقات البينية التي يتوزعها المحيط من حولنا ولا تمتلك حقيقتها؟ نكران حقيقة العالم الخارجي يوجب علينا الايمان بحقيقة ميتافيزيقيا خرافة التسليم بفرضية فلسفية عتيقة في امكانية وجود عالم خارجي حقيقي غير عالمنا هذا لا ندركه هو غير عالمنا الخارجي الزائف الذي يدركه العقل ونتعامل معه ونعيشه. العالم الخارجي كمفهوم اصطلاحي يكون تعاملنا معه بما يحتويه من موجودات لا حصر لها هي مواضيع جاهزة لمعالجتها الادراكية عقليا.

حقيقة العالم الخارجي هو في ماديته الواقعية الموجودة في استقلالية تامة عنا. وحقيقة العالم الخارجي التي ندركها هو ليس في معرفته الكينونية الكاملة كصفات وجوهر.. العالم الخارجي هو في وجوده المادي كينونة مستقلة قائمة بذاتها. عالمنا الخارجي هو الوجود الذي نتعامل مع محتوياته من مواضيع. العالم الخارجي ليس كينونة واحدة يعيها الوعي بشمولية الموضوع الواحد التعجيزي ادراكه للعقل..

اما الظاهراتية الفينومينولوجيا التي تقوم على ابستمولوجيا الادراك فهي قاصرة أن تمنح العالم الخارجي حقيقته لأنه أي العالم الخارجي كمفهوم شمولي تحتويه وتتوزعه موضوعات وظواهر متقافزة بالصيرورة والتغيير المستمرين. كما هو ليس منهجا بذاته. ولا يعي العالم الخارجي ذاته ولا يتعامل مع المدركات الاخرى بعلاقة تواصلية يدركها هو. العالم الخارجي هو مفهوم وليس موضوعا لادراك العقل ولا يمثّل منهجا. اما الظاهراتية فهي منهج مجتزأ من مناهج عديدة حاولت وتحاول تفسير العالم والوجود والكوني..

العلم / الوعي والادراك
الى أي مدى يمكننا قبول مقولة كانط " إكتساب المعرفة ينحصر على نطاق حدسي حسّي وبدون الاحساسات تبقى مقولات العقل الصادرة عن الحواس فارغة " بضوء الأخذ بنظر الإعتبار أن الحواس تضليل للعقل ، والحدس يقبل المراوغة التي تفرضها مخاتلة وقصور ملازمة الفكر واللغة في التعبير عن ما ندركه ، هل هو صورة ذلك الشيء المدرك أم هي حقيقته كاملة؟.. ثمة تعريفات وردت على لسان كبار الفلاسفة الغربيين ربما تكون مشاعل إستدلال لنا منها:

ينكر ديفيد هيوم اية قيمة موضوعية للقوانين العامة والعالم الحقيقي لا يقوم إلا على الاعتقاد. ليس غريبا هذا على هيوم الذي ينكر ثلاثة ثوابت قارّة بالفلسفة لا يمكن القفز من فوقها بسهولة هي بتعبير هيوم :لا يوجد عالم مادي خارج مدركاتنا الحسيّة وما ندركه موجود وما لا ندركه غير موجود ، ثانيا لا وجود لنظام سببي يحكم ظواهر ووقائع الحياة سبب ونتيجة ، ثالثا لا يوجد ما يعرف بالعقل خارج ماهيته التفكيرية التجريدية فقط العقل هو تصوراتنا عن الاشياء وعالمنا الخارجي.

الحقيقة الفلسفية بحسب لايبنتيز هي ما يمكننا تحديده بالكامل ، ويقصد لايبنتيز بالحقيقة الواقعية المدركة وليس مطلق الحقيقة. كيف نمرر مقولة لايبنتيز بضوء نسبية كل شيء بالعالم الطبيعي والكوني؟ تحديد كامل الحقيقة شيء متعذّر تحققه. أما أن يقصد لايبنتيز الحقيقة الكاملة هي تجربة علمية وليست إدراكا عقليا أخذ تعبير الفكر واللغة عنه فقط فهي وجهة نظر تفرض مقبوليتها قدرات التجربة العلمية وليس قدرات تفكير العقل المجرد.

المذهب الثنائي الديكارتي يقوم على وجود جوهرين فقط هما العقل وماهيته التفكير ، والمادة وماهيتها الإمتداد والحركة. وهذا تعبير يدخل مجال فيزياء العلم وفيزياء المعرفة الفلسفية على السواء. وما يترتب على هذا المعنى أن إحساساتنا الإدراكية ليس بمقدورها الفصل بين حقيقة الشيء في وجوده المادي عن حقيقة الشيء في تصوره التجريدي الذهني.

كل وعي إدراكي بحسب سيلارز شأن بدايته اللغة. هنا يقصد سيلارز بالوعي العقلي للمادة تفكيرا إستبطانيا داخل منظومة العقل الإدراكية ، واللغة تعبير صوتي عن موجودات المادة خارجيا ، وتفكير اللغة وعيا إدراكيا لاصوتيا صامتا داخليا. صحيح جدا الوعي هو تفكير عقلي لكنه في مجال الفلسفة يكون الوعي قريبا من علم النفس السلوكي أكثر منه قربا من تجريد الفلسفة كمنطق لغوي.

تمهيد
نجد بوادر التجريد الفلسفي فكريا عند كانط لما يطلق عليه (الفلسفة السامية) أي التعالي والسمو على التجربة الحسّية والتفوق المتعالي عليها قوله (أنني أسّمي المعرفة سامية متعالية، متى ما كانت لا تعنى كثيرا بالاشياء قدر عنايتها بأفكارنا الفطرية البديهية عن الاشياء)1.

من الجدير الاشارة له أن ديكارت هو مبتدع الافكار الفطرية المستمدة من النزعة الايمانية الميتافيزيقية وليس كمنج فلسفي نسقي يعتمده العقل، علما أن بداية التفكير العقلي العلمي في القرن السابع عشركانت على يدي ديكارت في أعتباره مباحث الميتافيزيقا بالفلسفة أنتهى دورها في وجوب مجاوزتها وترك ما لايدركه العقل علميا، وبذلك أطلق عليه أبو الفلسفة الحديثة، والافكار الفطرية التي نادى بها ديكارت تقتصر على معطيات الادراك الميتافيزيقي اللاهوتي الديني، ولم يأخذ ديكارت مبدأ الافكار الفطرية على مستوى التفكير النسقي الذي أمتازت به فلسفته في الاشادة بالعقل والعلم على مختلف مستويات المباحث الفلسفية التي تناولها بدءا من الرياضيات وليس أنتهاءا بالتشريح في دراسته وظائف الاعضاء في الجسم.

كانط يرى على العكس من ديكارت الافكار الفطرية المزوّد بها العقل في الاستدلال الفلسفي النسقي وليس الميتافيزيقي المحدود،أنها هي والافكار المكتسبة بالتجربة والخبرة دلالة واحدة في معنى وحقيقة الادراك العقلي للاشياء... ووظيفة العقل الاساسية بحسب كانط معاملته المدركات بدلالة الافكار الفطرية، والتسامي الفكري المتعالي على الاحاسيس أنما يتم بالافكار الفطرية داخل العقل وفي مخزن الذاكرة والذهن، ووسيلة ذلك قالبي المكان والزمان بأعتبارهما معطيين فطريين ثابتين ملازمين العقل سابقين على وجود الاشياء حسب فرضيته.

ويمكننا هنا التساؤل ما مصدر أفكارنا الفطرية التي تحكم بها عقولنا الوجود ومعطيات الادراك؟ وكيف لنا عدم التشكيك أنه لا وجود قبلي لقالبي الادراك العقلي في الزمان والمكان وأنهما ليسا حصيلة التجربة والمعرفة المكتسبة في الذاكرة؟ أذا ما نحّينا جانبا الافكار الفطرية التي يغلب عليها طابع الايمان الديني المثالي والميتافيزيقا وما يتفرع عنها من ملكات فطرية كالعواطف والوجدانات وقيم الخير ومعاني الاخلاق والجمال وغيرها، وليس للافكار الفطرية قدرة منهجية على الاستدلال الفلسفي القائم على المنطق العقلي الذي يستمد معالجاته الادراكية من التجربة الحياتية العملية والخبرة المكتسبة المتراكمة وبغير ذلك لا يمتلك العقل مدركات وأفكار فطرية تمّكنه فهم الوجود وعالم والاشياء وهو خلو من أنواع المعارف....

يستعير فلاسفة المنطق عبارة هيجل " الحقيقة هي الكل" بمعنى فهم الحقيقة لا يكون صائبا الا إذا كان ضمن نسق تام من الترابط الحقائقي الذي لا يتقبل التجزئة على حساب تفكيك الهيكل النسقي الكلي الذي يضيع في فك ترابط أجزائه وفصلها عن بعضها البعض.

ويفرق فيلسوف المنطق "بوزانكت" أن الحقيقة لا يفهم معناها ولا تكون صائبة الا ضمن نسق يحتويها. والحقيقة لا يمكن الاستدلال عليها إلا اذا كانت ضمن نسق كلي ترابطي داخليا منّظم يجمعها بغيرها في بنية واحدة. والحقيقة المنطقية هي ليست الحقيقة في المفهوم الفلسفي الذي يقوم على نسبيتها وحمولة الخطأ والصواب معا بداخلها، وحتمية إندثارها حينما تكون (درجة) في سلم مفهوم البحث الدائب عن مطلق الحقيقة الوهمي الزائف الذي لا يمكن بلوغ أزليته. ترافقها حتمية تطورها النسبي على الدوام عندما تكون حقيقة (نوعية) لا تندثر ولا تموت بل تستحدث نفسها باستمرار.

منطق الحقيقة النسقي هو غيره مفهوم معنى الحقيقة الفلسفية، فالمنطق لا يعتبر اكتساب الحقيقة المجردة مصداقيتها كما هي في المفهوم الدارج في تطابق الفكر مع الواقع في معرفة حقيقة المادة، بمعنى آخر تطابق تعبير اللغة مع الموجود الشيئي تطابقا تاما يعطيه حقيقته المادية الصادقة. وتأكيد هذا المنحى لدى فيلسوف منطقي مثالي مثل " بوزانكت" الذي لا ينكر وجود الوقائع الانطولوجية الشيئية منفردة مستقلة في العالم الخارجي تعبر عن نفسها في إدراكها الحسي لكنه لا يعتبرها حقائق معرفية. الحقيقة في الشيء المنفرد هي المادة التي تدرك حسّيا في تطابق وجودها الخارجي مع معنى الفكر المعبّر عنها، والتي لا يحتويها نسق ترابطي من الحقائق داخليا وتكون حقيقة منفردة لوحدها.

الحقيقة التي لا تشكل إنتظاما نسقيا متداخلا بغيرها لا معنى لها. لذا تكون الحقيقة التي تدركها الحواس زائفة كونها تعبر عن موجود خارجي منفصل قائم لوحده. يعتبر فلاسفة المنطق ما أشرنا له في تعبيرنا الدارج الذي يعتبره كلا من برادلي وبوزانكت هو في مطابقة الدال مع المدلول مطابقة تامة لا تحتمل غير التاويل الوحيد المتعيّن بحقيقة الشيء. لذا مطابقة أفكارنا مع وقائع موجودية بعينها لا يمنحها حقيقتها الصادقة حسب المناطقة. كذلك حقيقة الشيء المادي المتعيّن هو ليس منطق حقيقة المفهوم الفلسفي. منطق الحقيقة الذي لا يأخذ بمبدأ الترابط في التطابق خارجيا في معناه مطابقة الفكر لما هو واقع عياني في الوجود وهو مايخص المادة كموجودات متناثرة في عالمنا الخارجي، أي هنا تلعب الحواس دورا مهما مركزيا في خلق التطابق الخارجي بين الفكر والاشياء خارجيا الذي نطلق عليه حقيقة ذلك الشيء انطولوجيا وليس ماهويا. أما إدراك الحقيقة كمفهوم تجريدي إنما يكون في ترابطها الداخلي ضمن نسق كلي موحد مؤلف من مجموعة حقائق. والطعن بمبدأ الترابط الخارجي بين الفكر والمادة في تحقق تطابق المعنى الذي يخص المتعيّن الانطولوجي المادي منطقيا وليس منطق الترابط الداخلي النسقي الذي تختص به الحقيقة كمفهوم تجريدي يعتمده منطق الفلسفة يقوم على أربع ركائزحسب إجتهادنا هي :

فيلسوف عصر النهضة جون لوك 1632- 1704 رغم نزعته العلمية التجريبية، وصرامته ألمنهجية في إعتماده مرجعية العقل، إلا أننا نجده مؤمنا بالله الكفيل بسحب الانسان نحو مراتب الأخلاق الرفيعة السامية التي تحقق له سعادته الارضية وهو ما لا يمكن نكرانه كون عماد الأخلاق تهذيب التدّين لها وليس مصدرها الوحيد..

جون لوك يعتبر الاخلاق ضرورة حياتية لا غنى للانسان عنها، والضامن والمرجع في التزّود بها هو الإيمان اليقيني القطعي بوجود الله كضرورة ماسّة قصوى في تنظيم حياة الانسان على أسس أخلاقية سليمة. "الله الذي يمتلك القوة اللامتناهية، والخيرية، والحكمة. ما يرتّب على البشر ومن مصلحتهم طاعة أوامره، ولما كان الناس لا يمتلكون أفكارا فطرية، ولديهم قلقا فطريا يلازمهم مدى الحياة، فما عليهم سوى أن يخبروا اللذة ويتجنّبوا الألم ." 1 هنا جون لوك في دعوته الإيمانية الأخلاقية هذه يتنازعه تيّاران أحدهما منهج الفلسفة التجريبية القائمة على تفعيل العقل البرهاني والمنطق الصارم، والثاني هو الوازع الأخلاقي الذي لا يناله الانسان سوى بالإيمان اليقيني القطعي بوجود الله والإمتثال لأوامره المنصوص عليها في الكتب المقدسة الدينية بغض النظر عن الفوارق بين الاديان في مسألة الاخلاق.

ويسعى لوك خلق توليفة توفيقية تجمعهما معا منهج الاخلاق في الفلسفة والإيمان التديّني بالله. لذا نجد جون لوك عمد إستنساخ آراء زميله بليز باسكال 1623- 1662 في مذهبه الفلسفي الديني البراجماتي في وجوب الإيمان بوجود الله كضرورة أولى لا يستطيع الانسان العيش بلا قلق يلازمه من دون الإلتزام بالإيمان الديني.

فالإيمان القلبي البراجماتي حسب باسكال بوجود الله لا يخسر به الانسان شيئا يندم عليه في حياته، كما لا يخسر شيئا يندم عليه بعد مماته. فالإيمان الأرضي بالله يمنح الانسان الطمأنينة بالحياة ويزيل عنه القلق والخوف الملازم له. وسوف لن يخسر شيئا في حال لم يتحقق له حلم الخلود في حياة ثانية بعد الممات.

مقدمة
القولة "الأخلاق ليست فرعًا من الفلسفة، بل هي الفلسفة الأولى" تُعدّ إحدى الأطروحات المحورية التي تثير نقاشات عميقة في الفلسفة الغربية والعربية على حد سواء. تُبرز هذه القولة الأهمية القصوى للأخلاق كأساس للفكر الفلسفي، متجاوزة بذلك التصور التقليدي الذي يضع الأخلاق كفرع من فروع الفلسفة إلى جانب الميتافيزيقيا، المنطق، والمعرفة. في هذه الدراسة، سنستكشف معاني هذه القولة، ونحلل دلالاتها الفلسفية، ونناقش سياقها التاريخي والفكري، مع التركيز على أهمية الأخلاق في الفكر الفلسفي، وكيف يمكن اعتبارها "الفلسفة الأولى". سنتناول أيضًا الآراء المؤيدة والمعارضة لهذه القولة، مع استعراض لأبرز الفلاسفة الذين تناولوا هذا الموضوع، بالإضافة إلى تحليل السياقات الثقافية والاجتماعية التي تؤثر على هذا النقاش. متى تتحول الاخلاق من مجرد اختصاص فلسفي مثل بقية الاختصاصات الى فلسفة اولى؟ وما الذي يتغير في مستوى المنهج والمفاهيم والموضوع؟ وفيم تتمثل المقاربة الأكسيولوجية؟

تعريف الأخلاق والفلسفة
للبدء، من الضروري توضيح المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها القولة. الفلسفة، في جوهرها، هي السعي إلى فهم الحقيقة والوجود والمعرفة من خلال التفكير النقدي والتحليلي. أما الأخلاق، فهي الفرع من الفلسفة الذي يهتم بدراسة القيم، والصواب والخطأ، والواجب، والمسؤولية الأخلاقية. تقليديًا، تُعتبر الأخلاق جزءًا من الفلسفة إلى جانب فروع أخرى مثل الميتافيزيقيا (علم الوجود)، والإبستمولوجيا (نظرية المعرفة)، والمنطق، والجماليات. ومع ذلك، تقترح القولة إعادة تصنيف جذرية، حيث تُقدم الأخلاق ليس كفرع من الفلسفة، بل كجوهرها وأساسها. هذا الطرح يستدعي التساؤل: لماذا يُمكن اعتبار الأخلاق "الفلسفة الأولى"؟ وما الذي يجعلها تتجاوز الفروع الأخرى في الأهمية؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، يجب أن ننظر إلى السياقات التاريخية والفلسفية التي أدت إلى هذا التصور.

مقدمة
الخيال الشعري والذاكرة السردية هما مفهومان أساسيان يتخللان أعمال غاستون باشلار وبول ريكور، وهما شخصيتان بارزتان في الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين. يقترح باشلار، في استكشافه للصور الشعرية والعناصر المادية، ظاهراتية للخيال تُركّز على الإبداع والقطيعة مع الواقع. أما ريكور، فقد طوّر تأويلات للذاكرة السردية، حيث يصبح السرد أداةً لبناء التجربة الإنسانية وإضفاء معنى على الزمن. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أوجه التقارب والاختلاف بين هذين المفكرين، واستكشاف كيفية تفاعل الخيال الشعري لباشلار مع الذاكرة السردية لريكور من منظور فلسفي. سنبحث كيف يُتيح لنا هذان المفهومان التفكير في الذاتية، والعلاقة بالزمن، وبناء المعنى، مع التساؤل عن آثارهما على فهم أعمق للتجربة الإنسانية. كيف يعرف غاستون باشلار الخيال الشعري؟ وماهي دلالة الذاكرة السردية عند بول ريكور؟ وهل يمكن اجراء مقارنة فلسفية بينهما؟ وبأي معنى يتحدث باشلار عن الذاكرة ويوظف ريكور الخيال؟

أولاً الخيال الشعري عند غاستون باشلار

فينومينولوجيا الخيال

في أعمال مثل "الماء والأحلام" (1942)، و"الهواء والأحلام" (1943)، و"شعرية المكان" (1957)، طوّر غاستون باشلار نهجًا أصيلًا للخيال، ميّزه عن الإدراك أو الفكر العقلاني. يرى باشلار أن الخيال الشعري ليس مجرد زينة أو هروب، بل هو قدرة ديناميكية تُشرك الإنسان في علاقة عميقة مع العالم. ويرى أن الخيال الشعري متجذر في الصور المادية (الماء، النار، الهواء، الأرض) وفي النماذج الأولية التي تُشكّل اللاوعي الجمعي. يقترح باشلار "ظاهرية الصورة الشعرية"، استنادًا إلى فكرة أن الصورة ليست انعكاسًا سلبيًا للواقع، بل هي إبداع فاعل يتجاوز المعطى. وفي "شعرية المكان"، يكتب: "الصورة الشعرية لا تخضع للديناميكية. إنها ظاهرة أصيلة". تشير هذه الفكرة إلى أن الخيال الشعري قوة مستقلة، قادرة على إنتاج المعنى دون الخضوع للمنطق السببي أو التاريخي.

الخيال والقطيعة مع الزمن

يرى باشلار أن الخيال الشعري يُشغّل شكلاً من أشكال تعليق الزمن. فبتحرره من قيود الواقع الموضوعي، يُتيح للفرد الاستقرار في "لحظة شعرية"، لحظة حضور خالص حيث يُعيد الذات الاتصال بحميمية وجودها. تتناقض هذه الزمانية اللحظية مع المفهوم الخطي للزمن، وتُبرز قدرة الخيال على تجاوز الذاكرة التاريخية أو الواقعية للوصول إلى ذاكرة أعمق، ذاكرة الصور البدائية.

مقدمة
يُعرّف "الأنثروبوسين" (Anthropocene)، كما اقترحه بول كروتزن في عام 2000، عصرًا جيولوجيًا جديدًا يُسيطر فيه النشاط البشري على عمليات الأرض، مما يؤدي إلى تغييرات جذرية في المناخ، التنوع البيولوجي، والدورات الجيوكيميائية. هذا العصر، الذي بدأ ربما مع الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، يمثل تحولًا من الطبيعة كـ"خارج" للإنسان إلى "داخل" مترابط معه. في هذه الدراسة، نتبنى مقاربة إيكولوجية ، مستلهمة من نظرية النظم الإيكولوجية لألدو ليوبولد في كتابه الأخلاق البرية (1949)، حيث تُعتبر الأرض ككل مترابطة، والإنسان جزءًا منها لا سيد عليها. الهدف هو استكشاف كيفية تفاعل التغيرات المناخية مع الوعي البيئي في سياق الأنثروبوسين، مع التركيز على الديناميكيات غير الخطية: tكيف يُعيد الاحتباس الحراري تشكيل الهويات البشرية؟، وكيف يُولد الوعي البيئي مقاومات إيكولوجية ؟. سنعتمد على بيانات من تقارير صادرة عن منظمات سنوات 2014 و2022 و2023 ودراسات في علم الإيكولوجيا السياسية. فماهو عصر الأنثربوسين؟ ولماذا تأزم؟ وكيف نعالجه؟
التغيرات المناخية في الأنثروبوسين

 ديناميكيات الاضطراب الإيكولوجي
في الأنثروبوسين، أصبحت التغيرات المناخية ليست مجرد "مشكلة بيئية"، بل اضطرابًا نظاميًا يعكس الهيمنة البشرية غير المستدامة. وفقًا لتقرير صادر سنة 2023، ارتفع متوسط درجة حرارة الأرض بـ1.1 درجة مئوية منذ 1850، مما أدى إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بنحو 20 سم، وانقراض 1 مليون نوع حيواني ونباتي. هذه التغييرات ليست خطية؛ إنها "نقاط تحول" مثل ذوبان الجليد الدائم في القطب الشمالي، الذي يُطلق غاز الميثان المخزن، مما يعزز الاحتباس الحراري في حلقة تغذية راجعة.
من منظور إيكولوجي، يُفسر برونو لاتور في كتابه وجه الطبيعة (2018) هذه الاضطرابات كـ"عودة الطبيعة"، حيث تُجبر الأرض الإنسان على مواجهة تأثيره. على سبيل المثال، في المناطق الاستوائية مثل أفريقيا جنوب الصحراء، أد الجفاف المتكرر إلى نزوح 20 مليون شخص سنويًا (2022)، مما يكشف عن عدم المساواة: الدول النامية تتحمل 80% من التأثيرات رغم مساهمتها بنسبة 10% فقط في الانبعاثات. هذا يُبرز "الإيكولوجيا السياسية"، حيث تكون التغييرات المناخية تعبيرًا عن علاقات السلطة العالمية. فماهي اسهامات الايكولوجيا السياسية؟