مقدّمة
تمثّل مقدّمة أنجيل كريمر ماريتي لكتاب Philosophie nomade  لعبد العزيز العيادي بيانا تأسيسيا يعلن، للمرة الأولى ، أنّ هذا المفكّر العربي والتونسي فيلسوفٌ بالمعنى الدقيق للكلمة. هذا الإعلان المارق يظهر في مقدّمة أنجيل كريمر ماريتي لكتاب (Philosophie nomade الطبعة المنشورة عن Éditions L'Harmattan، 2009) حيث تمنح الكاتبة اعترافًا صريحًا بمشروع العيادي الفلسفي، ليس بوصفه مُترجمًا أو أستاذًا جامعيًا فحسب، بل بوصفه «مؤسسًا لفلسفة أصيلة».

ماريتي، وهي فيلسوفة ومترجمة فرنسية بارزة في مجالات الفينومينولوجيا والإبستمولوجيا وفلسفة العلوم، تقدّم قراءة تجعل من العيادي اسلوبا للفكر المترحّل/ النومادي القادر على إعادة ترتيب الخرائط المعرفية، وصياغة أفق فلسفي جديد يقوم على الاتيقا الاشكاليّة والانفتاح على "الخارج" كمجال للخلق والمقاومة.

العنصر الأول: العيادي في مقام الفيلسوف

1) التسمية المباشرة: "الفيلسوف عبد العزيز العيادي"

تبدأ ماريتي مقدّمتها بمنح العيادي لقب "الفيلسوف" بشكل صريح، مما يدلّ على اعتراف فلسفي بمشروعه، لا بوظيفته الأكاديمية فقط. تقول:

Loin d’extravaguer, le "nomadisme" s’est imposé ici des cadres rigoureux, déterminés par ce que le philosophe Abdelaziz Ayadi appelle à juste titre une "nomadologie".»

الترجمة:

"بعيدًا عن أي شطَط، فإنّ "النومادية" قد فرضت هنا أطرًا صارمة، حدّدها بدقّة ما يسميه الفيلسوف عبد العزيز العيادي – وعن حق – "نومادولوجيا"

الأمر في سياق عبد العزيز العيادي لا يجري على عواهنه أو بشكل عشوائي، فهو ليس تهوّرا مفهوميا ولا تجارب منفلتة، بل عمل فكري أصيل له محدداته وأطره الصارمة. هنا يظهر الفرق الجوهري بين الترحّلية أو النومادية (Nomadisme) والنومادولوجيا (Nomadologie):  بين حركة المترحّل والنقّيل، وبين التأمل الواعي والتدبّر في هذه الحركة، حيث تتحوّل الترحّلية عند العيادي إلى مدار فلسفي وتدبر منهجي فيما يسميه "نومادولوجيا".

النومادية (Nomadisme): تشير إلى حركة الترحّل الفكري، وهي وضعية ديناميكية للفكر المترحّل / النقّيل الذي يتنقل بين المفاهيم والأطر دون الاستقرار على نسق جامد. لكنها، كما تؤكد ماريتي، ليست شططا أو فوضى معرفية، بل حركة منظمة ضمن أطر صارمة.

النومادولوجيا (Nomadologie): ( التّرحّلوجيا) مصطلح منهجي ابتكره العيادي لتحديد قواعد ومنهجية الحركة النومادية. هنا يتحوّل مفهوم التّرحّليّة من مجرد حركة عامة إلى إطار فلسفي منظم يسمح بتدبّر الترحّل وفهمه بعقلانية.

بهذا، يبرز العيادي كفيلسوف مبتكر:  فهو لا يكتفي بحركة التّرحليّة البسيطة (Nomadisme)، بل يحوّلها إلى مشروع فكري ومنهجي هو النومادولوجيا (Nomadologie).  ومن خلال هذه الخطوة، تؤكد ماريتي أن نومادولوجيا العيّادي تثبت استقلاليته الفكرية ومنهجيته الدقيقة، وتضعه في موقع الفيلسوف القادر على ابتكار المفاهيم وتنظيمها داخل خرائط فكرية متماسكة.

قد أنصحك بقراءة كتب ميشيل فوكو لأنك حتمًا  إذا جرّبتها ستعجبك وبالذات فيما كتبه عن السلطة عندما قال إنها أشبه بتيار متدفق في المجتمع  لا يتجمد أبدًا، مع أنه يتركز أحيانًا في "أماكن" معينة من النظام الاجتماعي إنها أي السلطة  أكثر تعقيدًا مما نظن لا أعتقد أن أحدًا " إنسانًا ما"  يتفرد بالسلطة بشكل مطلق  ولا يخضع في وقت ما لسلطة ما أو أنك قد تشك  أن الطبقات المطحونة لا تشارك في السلطة بشكل أو بآخر . إن السلطة متوزعة ومتفرقة في كل مكان لا يخلو منها حيز ولا تُفقد في وقت. إن صراعنا الأزلي لا يخرج عن السلطة وكل ممارسات الزهد والعلم والأدب والعبادة هي مظهر من مظاهر السلطة حتى إذا جئتَ إلى ألصق الأشياء بالخالق وهي الولاية تجد ناتجًا غريبًا كما حكى ابن تيمية عن بعض الأولياء عندما قال : "أنصب خيمتي على جهنم " زعمًا منه أنه يحول بين أتباعه وبين دخول النار فأنت ترى كيف تولدت السلطة من الولاية وهذا كثير وموجود في الدين بصورة أو أخرى والمكان لا يسمح بشرحه ولا بالإفاضة فيه.   

 ميشيل فوكو ( 1926-1984) مؤرخ وفيلسوف فرنسي ارتبط اسمه بالحركتين البنيوية وما بعد البنيوية . كان له تأثير قوي ليس فقط في الفلسفة ، بل أيضًا في مجموعة واسعة من التخصصات الإنسانية والاجتماعية. ([1])

ولمن لا يعرف البنيوية فهي باختصار لا تفسر النصوص من طريق معجم الالفاظ أو نية الكاتب أو التاريخ الفردي للكاتب فعندما يكتب فوكو عن السلطة لا يقرأ نصه بوصفه رأيًا شخصيًّا لمثقف فرنسي ولا بوصفه موقفًا سياسيًّا بل كجزء من شبكة من الأفكار والخطابات التي ظهرت في فترة معينة وهذا قريب جدًا  إلى حد ما مما هو معروف بالنقد الثقافي عندما ينسل إلى المضمر الخافي  ويترك الظاهر الواضح وإن كان الأقرب أن النقد الثقافي أقرب لما بعد البنيوية باعتبار أن النص ليس فقط بنية لغوية ثابتة بل تجسيد للسلطة ، الأيديولوجيا ، الخطاب الاجتماعي .

أما ما بعد البنيوية فهي تيار نقدي رفض فكرة البنية الثابتة واعتبر أن المعاني ليست مستقرة وأن البنى نفسها قابلة للتغيير وأن اللغة ليست نظامًا مغلقًا بل متحرك ومفتوح للتأمل فالمعاني تتغير عبر الزمن والسياق والسلطة واللغة ليست مجرد نظام يعكس الواقع ، بل تصنع الواقع والفرد ليس مجرد انعكاس للبنية بل يمكن أن يقاومها ويعيد تشكيلها.

1) المقدمة
يمكن للفلسفة أن تكون مشحونة بالتوتر بين الانغراس والمروق: الانغراس في الحياة اليومية والتقاط أفكارها من تشوهاتها على الطريقة "الادرنية" ( ثيودور أدرنو)، وليس مجرد تأملات ميتافيزيقية على الطريقة "الديكارتية"، والمروق والزيغ عن الأرض التي ألف الإنسان العيش فيها، انطلاقًا نحو نور مضاد لظلمات الكهف. رأس الأمر ههنا يقوم على التناقض في صلب العلاقة القائمة بين الفلسفة واليومي: فهي من جهة تنغمس في تفاصيل الحياة، فتكشف المعاني الخفية للوجود، وتحوّل الروتين والدوكسا إلى مادة نقدية لفهم الذات والمجتمع، ومن جهة أخرى تتجاوز اليومي، متجاوزة حدود العادة والمظاهر، لتسعى إلى المبادئ العليا للمعرفة والوجود والقيم. في هذا السياق نسال: هل يمكن للفلسفة أن تكشف لنا معنى حياتنا ومشاكل مجتمعنا من خلال وعينا بالروتين اليومي؟

تبرز مبررات معالجة هذا السؤال في كون حياتنا اليومية مليئة بالروتين والعادات التي غالبًا ما تمرّ دون وعي منا، غير أنّ هذا الروتين يخفي توتّرًا عميقًا بين العيش الآلي وما يمكن للوعي الفلسفي أن يكشفه من دلالات خفية لتفاصيل الحياة. فهو يتضمّن أفكارًا متناقضة حول طبيعة العلاقة بين الذات والمجتمع، ويُظهر أن العادات والتكرار قد تعدم المعنى الحقيقي للحياة اليومية. لذلك، يصبح من الضروري التساؤل عن حقيقة علاقة الفلسفة بهذا اليومي، وكيف يمكنها تحويل الروتين إلى أداة للكشف عن التوترات الخفية، ودفع الفيلسوف إلى التفكير بطرق شتّى تكشف ما وراء الحياة الظاهرية.

هناك مشكل فلسفي جوهري حول علاقة الفلسفة باليومي وروتينه في حياة الإنسان ومجتمعه، إذ يبدو اليومي أحيانًا محصورًا في التكرار والرتابة، يمرّ دون وعي منا، غير أنّ هذا الروتين ذاته يخفي إمكانية قراءة أعمق للوجود وفهم أبعاد المجتمع عبر التفكير الفلسفي الواعي. وهنا يتجلّى توتّر جوهري بين طريقة العيش الآلي والطريقة الفلسفية المضادة، بين ما يفرضه الروتين من انسجام ظاهري وما يفتحه الوعي من مساحات للتساؤل والنقد. كما يتضح تعدد المواقف الفلسفية تجاه اليومي: فثمة موقف يغادر السائد متجنبًا الروتين، غير مكترث بالحياة والمجتمع، في حين يوجد موقف آخر يظل متمركزًا داخل الواقع اليومي، يسبر معانيه ويكشف عن مشكلات المجتمع، ليؤكد أن الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري، بل أداة لكشف التوترات الخفية بين العيش الآلي وإمكانات الوعي، ومفتاح لفهم جدلية الذات والمجتمع في تفاصيل حياتنا اليومية

الإشكالية الفلسفية المركزية هنا تكمن في السؤال عن علاقة الفلسفة باليومي أو الحياة اليومية: هل تستطيع الفلسفة، عبر تنبيه وعينا بالروتين اليومي، أن تكشف لنا معنى حياتنا ومشاكل مجتمعنا، أم أن هذا الروتين يظل مجرد عادة عمياء؟ وهل تكون الفلسفة قولًا مفارقًا ومتعالّيًا، يغادر تفاصيل الحياة ويبتعد عن مشاكل المجتمع، أم قولًا يستقي أفكاره من الواقع اليومي ويعمل على نقده وفهمه، ليكشف عن جدلية العيش الآلي والوعي النقدي؟

الفلسفة هي "إبداع للمفاهيم"، كما علمنا الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز في كتابه Qu’est-ce que la philosophie ?  ما الفلسفة؟. ومن هذا المنطلق، نسأل عن المفاهيم الواردة في نص السؤال: الفلسفة وأصلها الاشتقاقي، فالكلمة اليونانية philosophia  تعني حرفيًا "حب الحكمةphilo–  اي الحب، وsophia  اي الحكمة. أما الروتين اليومي فهو يدل على سلسلة العادات والتكرارات التي يعيشها الإنسان. أما الوعي فهو القدرة على إدراك وفهم المعايش الذاتية والاجتماعية وتعقيداتها. ومعنى الحياة يحيل إلى إنتاج فهم أعمق للوجود من خلال قراءة الروتين واليومي، وربط الفرد بذاته وبمجتمعه. أما مشكلات المجتمع فهي تحديات الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي يمكن الكشف عن جذورها وعلاقاتها بالروتين اليومي عبر وعي فلسفي.

مقدمة
الإبستمولوجيا، أو نظرية المعرفة، هي الفرع الأساسي في الفلسفة الحديثة الذي يتناول أسئلة: ما هي المعرفة؟ كيف نحصل عليها؟ وما حدودها وشروطها؟ منذ بدايات الحداثة مع ديكارت في القرن السابع عشر، شهدت الإبستمولوجيا تحولات جذرية، من البحث عن اليقين الداخلي إلى نقد الحداثة نفسها في القرن العشرين، مروراً بالتجريبية البريطانية، والمثالية الألمانية، والوضعية المنطقية، والبراغماتية الأمريكية، وصولاً إلى الإبستمولوجيا الاجتماعية والنسوية وما بعد البنيوية. هذه التحولات لم تكن مجرد تطورات نظرية، بل استجابات لأزمات معرفية ناتجة عن الثورة العلمية، والتنوير، والحداثة الصناعية، والحروب العالمية، والثورة الرقمية. يهدف هذا البحث إلى تتبع مسار الإبستمولوجيا في الفلسفة الحديثة من خلال تحليل المحطات الرئيسية، مع التركيز على التحول من الذاتية اليقينية إلى التعددية النسبية، مستنداً إلى أعمال ديكارت، لوك، هيوم، كانط، هيغل، نيتشه، هوسرل، راسل، فتغنشتاين، كواين، كون، فوكو، دريدا، وروتي، لنصل إلى تقييم معاصر يربط بين الإبستمولوجيا والذكاء الاصطناعي والمعرفة الجماعية. ما نسعى اليه هو دراسة في التحولات المفهومية والمنهجية من ديكارت إلى ما بعد الحداثة. فماهي خصائص الابستيمولوجيا الحديثة؟ بماذا تميزت الابستيمولوجيا الديكارتية؟ وماذا كان مصيرها مع مابعد الحداثة؟ والى أي مدى يجوز لنا القول بوجود ابستيمولوجيا للأزمنة مابعد الحديثة؟

الإبستمولوجيا اليقينية: من ديكارت إلى كانط

تبدأ الإبستمولوجيا الحديثة مع رينيه ديكارت (1596–1650)، الذي أسس "المنهج الشكي" في تأملات في الفلسفة الأولى (1641)، محاولاً بناء معرفة يقينية على أساس "الكوجيتو" (أنا أفكر إذن أنا موجود). هنا، تكون المعرفة ذاتية أولاً، ويقينية من خلال الأفكار الواضحة والمتميزة، معتمداً على الاستدلال الرياضي ك نموذج. يُمثل ديكارت الانتقال من الإبستمولوجيا السكولاستية إلى الحداثة، حيث يصبح العقل الفردي مصدر اليقين، لكن هذا يفتح باب الشك المنهجي حول العالم الخارجي، مما أدى إلى المشكلة الشهيرة "الجسر بين الذات والموضوع". رداً على ذلك، طورت التجريبية البريطانية (لوك، بيركلي، هيوم) إبستمولوجيا حسية. جون لوك في مقالة في الفهم الإنساني (1689) يرى العقل "لوحاً أبيض"، والمعرفة تنشأ من التجربة الحسية والتأمل. أما ديفيد هيوم في بحث في الفهم الإنساني (1748)، فيصل إلى الشكوكية من خلال نقد فكرة السببية كمجرد عادة نفسية، لا علاقة ضرورية. هذه التجريبية تهز أسس اليقين الديكارتي، محولة الإبستمولوجيا من البحث عن اليقين المطلق إلى الاحتمالية. بعد ذلك يأتي عمانويل كانط (1724–1804) في نقد العقل الخالص (1781) ليوفق بين العقلانية والتجريبية في "الثورة الكوبرنيكية": المعرفة ليست انعكاساً للعالم، بل تشكيلاً له من خلال الفئات العقلية (الزمان، المكان، السببية). هنا، تكون المعرفة محدودة بالظواهر، لا الشيء في ذاته ، مما يضع حداً للإبستمولوجيا المطلقة ويفتح الباب للمثالية.

مقدمة
الوعي بزمانية الوجود البشري – أي إدراك الإنسان لكونه كائنًا محدودًا بالزمن، مولودًا في لحظة وميتًا في أخرى – هو من أعمق الخبرات الإنسانية وأكثرها إثارة للقلق. هذا الوعي ليس مجرد معرفة نظرية بمرور الزمن، بل هو تجربة وجودية تُلقي بالإنسان في مواجهة مباشرة مع عجزه الفكري عن استيعاب الزمن كاملاً، ومع إخفاقاته العملية في استغلال اللحظة المحدودة. في هذه الدراسة، نستكشف هذا الوعي كمحور مزدوج: من جهة، كاشف للعجز الفكري الذي يتجلى في محاولة العقل فهم الزمن خارج حدوده، ومن جهة أخرى، كمعالج للإخفاق العملي من خلال تحويله إلى دافع للعيش الأصيل. نعتمد في تحليلنا على أعمال مارتن هيدجر في الوجود والزمن، جان بول سارتر في الوجود والعدم، ألبير كامو في أسطورة سيزيف، فيكتور فرانكل في الإنسان يبحث عن المعنى، بالإضافة إلى إشارات إلى الفكر الإسلامي الصوفي (الغزالي وابن عربي) والفكر البوذي حول اللحظة الحاضرة. نهدف إلى إظهار كيف يتحول الوعي بالزمن من مصدر قلق إلى أداة للتحرر، متجاوزًا الانقسام بين التأمل الفكري والفعل العملي.

الوعي بزمانية الوجود: الأساس الوجودي

يبدأ الوعي بزمانية الوجود البشري من اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أنه "مرمي" في الزمن، كما يعبر سارتر. ليس الإنسان كائنًا أزليًا، بل هو كائن يبدأ وينتهي، يولد دون اختيار ويموت دون سيطرة. هذا الوعي ليس معرفة بيولوجية فحسب، بل هو تجربة أنطولوجية تكشف عن هشاشة الوجود. في الوجود والزمن، يصف هايدجر هذا الوعي بـ"الوجود-نحو-الموت" ، حيث يصبح الموت ليس حدثًا مستقبليًا، بل هو الإمكان الأكثر يقينًا وشخصية في حياة الإنسان. هذا الوعي يُخرج الإنسان من الغفلة اليومية – ما يسميه هيدجر "السقوط في الـهم On" – ويُلقيه في مواجهة ذاته الأصيلة. لكن هذا الوعي لا يأتي دائمًا كإشراق، بل غالبًا كقلق. الزمن هنا ليس ساعة موضوعية، بل هو "الأفق الذي يُفهم من خلاله الوجود"، كما يقول هيدجر. الإنسان يعيش في ثلاثة أبعاد زمنية مترابطة: الماضي (الذي يُلقي به)، الحاضر (الذي يُرمى فيه)، والمستقبل (الذي يُرمى نحوه). هذا الوعي يكشف عن عجز فكري أساسي: العقل لا يستطيع استيعاب الزمن ككل، لأنه جزء منه. كما يشير كانط في نقد العقل الخالص، الزمن هو شكل حدسي للحس الداخلي، لا يمكن تجاوزه. ومع ذلك، فإن محاولة فهم الزمن تُولد إحساسًا بالعجز، حيث يصطدم العقل بحدوده.

مقدمة
"لا يوجد سوى طريقة واحدة لوجود الوعي، وهي أن يكون واعيًا لوجوده الخاص." - جان بول سارتر
يُشكّل الوعي الإنساني – كما يُعرّفه الفينومينولوجيا – الشرط الأول لكل تجربة، إذ لا يوجد عالم إلا من خلال ظهوره للذات الواعية. لكن هذا الوعي ليس مرآة محايدة، بل حقلًا مليئًا بالأدوات المضللة (اللغة، الثقافة، التكنولوجيا، الأيديولوجيا) والطرق الوعرة (القلق، الغموض، الجسدية، الموت). المشكلة ليست في الوعي نفسه، بل في كيفية توجيهه بين هذين القطبين: الأدوات التي تُبسّط الوجود وتُخفيه، والطرق التي تُعيدنا إلى أصالة التجربة لكن بثمن باهظ. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذه الثنائية من منظور فينومينولوجي، مستندة إلى أعمال هوسرل، هيدجر، ميرلو-بونتي، وسارتر، مع التركيز على الوعي كعملية ديناميكية تتأرجح بين الإغواء بالتبسيط والمواجهة بالتعقيد. المقاربة ليست تحليلية مجردة، بل وصفية-تأويلية تسعى لكشف كيف يُعاش الوعي في هذا التوتر.
الإطار الفينومينولوجي: الوعي كقصدية وكشف
تبدأ الفينومينولوجيا مع هوسرل بمبدأ القصدية: الوعي دائمًا وعي بشيء. لكن هذه القصدية ليست آلية، بل عملية كشف تُعلّق فيها الأحكام الطبيعية للوصول إلى الظواهر كما تُعطى. المشكلة تبدأ هنا: الأدوات المضللة تُدخل طبقات من التأويل المسبق (اللغة، العادات، العلم) تُحجب الظاهرة الأصلية. أما الطرق الوعرة فهي اللحظات التي يُجبر فيها الوعي على مواجهة الغموض الأنطولوجي (هيدجر) أو الجسدية الحية (ميرلو-بونتي). الوعي، إذن، ليس ملكية، بل حدث مستمر يتأرجح بين الإغلاق (بالأدوات) والانفتاح (بالطرق الوعرة). المشكلة ليست في وجود هذين القطبين، بل في التوازن بينهما.

الادراك واللغة
(من الممكن الاستغناء عن اللغة للوصول الى الانطولوجيا) مقولة فلسفية سفسطائية تتجاهل حقيقة ان الوجود المادي للاشياء هو ادراك لغوي للذات، والانطولوجيا هي معرفة ذاتية وفي انعدام الذات الادراكية واللغوية لا تنعدم الموجودات الانطولوجية لكنها تفقد اهميتها الادراكية والمعرفية في التناول الذي تجاهلته منظومة العقل.

خطأ هذا التعبيرالفلسفي السفسطائي في محاولة الاستغناء عن اللغة إدراكيا يكمن في محاولة أستبدال وسيلة اللغة الادراكية التجريدية التمثليّة ب (الادراك ) المباشر الحسي الانطولوجي والاستبطاني المجرد عن لغة التعبير الصورية عنه. وهو محال أن نجد ادراكا عقليا مجردا عن لغته فالادراك هو تفكيرحسي لغوي وليس مجرد أحساسات لا تمتلك صوريتها اللغوية التجريدية.

وهذا الاتجاه الفلسفي بمقدار ما يحمله من أدانة واضحة الا أن فلاسفة الوضعية المنطقية التجريبية حلقتي فينا الوضعية المنطقية وحلقة اكسفورد التحليلية اللغوية الانجليزية أخذا كليهما بهذا الاحتمال في تغليبهم الادراك الحسي على باقي الافصاحات التي يمتلكها الوجود في استقلاليته، والمعنى اللغوي، والوعي، والانطباعات الذهنية وغيرها.

ويحمل هذا التعويل الخاطيء مقدما على أن أدراك الاشياء في وجودها الانطولوجي حسيا داخليا يعني أن تلك الادراكات الحسية هي لغة تعبير تواصلي لا تعتمد وسيلية اللغة في أدراكها الاشياء، وهو خطأ لا يمكن تمريره فالادراك الحسي غير المنطوق هو لغة تصويرية ادراكية بلا صوت ايضا لا تختلف عن أصل أية لغة تواصل صوتية أو مكتوبة كان تعلمها الشخص الذي يحمل ادراكه العقلي واللغوي عن الاشياء، الادراك لغة تصورية تجريدية لا تخرج على أبجدية اللغة التواصلية العادية في صياغتها الادراك للموجودات. بعبارة توضيحية أكثر الادراك ليس بمقدرته أختراع لغة ادراك خاصة به تختلف في بنيتها التركيبية نحويا وبلاغيا وقواعد هي غير نمط وشكل لغة التعبير العادية التي يتحدث بها مجتمع معين أو أمة معينة يجمعهم تاريخ متعايش مشترك.. والادراك الخارجي الانطولوجي لموجودات الطبيعة غالبا ما يكون لغة صورية استبطانية صامتة للحواس لا تتجلى سوى بتعبير اللغة صوتيا حين يكون المراد التعبير عنها.

وأدراك الحواس ماديا خارجيا لا يمكن ترجمته الى أحساس مفهوم المعنى والدلالة من غير لغة تحتويه وتعبّر عنه... أذ لا يمكن تحقيق أدراكا حسّيا عن شيء لا يحمل لغة أدراكه التجريدية معه، كل أدراك حسّي عن شيء وكل أدراك غير حسي خيالي عن موضوع تتخيله الذاكرة لا يمكننا فهمه من غير تلازم تعبير اللغة عنهما خارجيا أو استبطانيا صامتا..ميزة الادراك انه تعبير عقلي في لغة صوتية وفي لغة صامتة على السواء، والصوت هو ميزة تعبير اللغة عن محسوسات العقل، والاستبطان هو ذات اللغة العقلية البكماء التي اسكتها الصمت عن التعبيرعن مدركاتها. كل موجود يدركه العقل خارجيا او إستبطانيا داخليا هو لغة ذات معنى.

 تمهيد:
في هذه المقالة أتناول مناقشة القانون الاول من قوانين الديالكتيك الجدلي الماركسي الذي يحكم المادة والتاريخ حسب أدبيات النظرية المادية التاريخية الكلاسيكية. الذي هو قانون وحدة وصراع الاضداد وتعالقه بوحدة المجانسة النوعية التي هي الماهية والصفات الخارجية لموضوعة الجدل، تاركا القانونين الآخرين تحول التراكم الكمي الى تراكم نوعي، والقانون الثالث قانون نفي النفي.

السؤال هل يحصل الديالكتيك بين متضادين لا تحتويهما المجانسة النوعية الواحدة بمعنى مجانسة وحدة الصفات والماهية داخل الظاهرة الواحدة لقطبي التناقض؟ وإذا نحن أسقطنا التساؤل على العلاقة الجدلية التي تربط المادة بالفكر فهل الجدل يبقى قائما حاصلا من ناحية إختلاف المجانسة النوعية بين المادة والفكر بالصفات والماهية في استحالة إنتاج الظاهرة المستحدثة الجديدة أو ما يسمى المرّكب الثالث؟

حسب قانون الديالكتيك وحدة وتناقض الاضداد إنما تتم عملية الجدل حصرا في مجانسة نوعية تحكم التكوينية الترابطية داخل وحدة المادة أو الظاهرة الواحدة التي تحتوي قطبي التناقض. وبهذا يترتب ألا يكون الجدل حاصلا بين الفكر من جهة والمادة من جهة أخرى فلكل منهما صفات وماهية تختلف الواحدة عن الاخرى ولا توجد مجانسة نوعية توحدهما في وحدة تضاد جدلي تناقضي يحتويهما معا.

الجدل دائما يحدث داخل المادة او داخل الظاهرة او الواقعة التاريخية بما لا يستطيع أن يدركه العقل الانساني أو يؤثر فيه، كما أن الجدل قانون طبيعي حسب الافتراض الفلسفي الماركسي يحدث في الاشياء والموضوعات باستقلالية تامة عن رغائب الانسان وبمعزل عنه.

المعني بوحدة تناقض الاضداد يحتوي المقصود ضمنا وحدة المجانسة النوعية بين قطبي التناقض داخل المادة الواحدة أو الموضوع الواحد. ولا تشمل هنا وحدة الاضداد تضاد الفكر مع المادة في تناقض جدلي لا يحصل ولا يتحقق ولا ينتج عنه ظاهرة جديدة مستحدثة أو ما يسمّى المركب الثالث وذلك لعدم ترابط قطبي التناقض المادة والفكر بصفات المجانسة النوعية الواحدة التي تحكم الجدل داخليا. علاقة الفكر بالمادة علاقة إدراكية خارجية معرفية منفصلة عن التموضع جدليا ولا تكوينيا في المادة وليست جدلية تشارك الوحدة التجانسية في تضاد جدلي من نوع مجانسة واحدة.

تمهيد:
من الثابت ان كانط عمد في كتابه الذائع الصيت (نقد العقل المحض) إثبات امكانية الادراك العقلي المنطقي المحض لاشكال موجودات العالم الخارجي الذي يحتوينا بمعزل عن محتوى تلك الاشياء المادي. بالتعبير المباشر المختصر امكانية العقل ادراك شكل الشيء كفراغ مكاني مجردا عن محتواه المادي لدى كانط. كما حاول اثبات ادراك الفراغ المكاني بدلالة الحدس المنطقي وليس بدلالة المادة هي محتوى ملء الفراغ.

ونسب كانط لجهده الفلسفي بالكتاب انه انهى والى الابد كل نظريات الميتافيزيقا الفلسفية بالتفكير. فالى اي حد نجح كانط في تحقيق مسعاه في تحليله ونقده العقل مجردا ماديا كعقل محض من زاوية تناوله بالمنهج المنطقي؟ كتاب كانط (نقد العقل المحض) يقال انه استغرق الفيلسوف بتاليفه عشرين سنة !!. وانا هنا اناقش بعض القضايا بضوء كتاب المفكر صادق جلال العظم (دراسات في الفلسفة الغربية المعاصرة ) في عرضه آراء كانط في كتابه المذكور. والشيء الملاحظ ان المفكر الماركسي جلال العظم لم يقم بنقد الميتافيزيقا التي احتواها كتاب كانط بل اكتفى بعرضها مع تعليق هامشي توضيحي في بعض الاحيان.

شكل المادة والمحتوى

ورد على لسان المفكر صادق العظم ان كانط وجد " اسبقية المكان على الحس هي اسبقية منطقية لا زمنية ونقول انها صورة قبلية بهذا المعنى المنطقي" 1. من المهم التاكيد ان العبارة هي صدى لما جاء به كانط ولا يمثل بالضرورة الاقتباسية قناعة المفكر صادق العظم بها. بدورنا نحاول توضيح العبارة من منطلق غير ميتافيزيقي ولا علمي تجريبي بل من منطلق فلسفي منهجي مادي .

اولا: اسبقية المكان على الحس ليست صيغة منطقية حدسية ادراكية بمستطاعها تجريد المكان في محدوديته كشكل الفراغ الاحتوائي للمادة. كما لا يقر كانط أن الفراغ المكاني يشترط ادراكه بدلالة احتوائه المادة.

ثانيا: اسبقية المكان لازمانية تكرار لنفس الخطا الوارد في الفقرة الاولى.فمثلما الادراك المكاني لا يدرك في شكله التجريدي فراغا منزوعا منه المادة فهو ايضا لا يدرك بغير ملازمة الزمان لذلك المكان المعني المحدود. لا توجد هناك اسبقية مادية ولا اسبقية منطقية حدسية في عزل تواشج الادراك زمكانيا ولا اسبقية لاحدهما على الاخر.كما ومن المحال ان تقودنا تصوراتنا المنطقية الحدسية الى اننا نستطيع ادراك شكل المادة كفراغ منزوعا عن محتواه المادي. المادة متعين انطولوجي بابعاد ثلاثية يدرك بدلالة إشغاله فراغا بمكان. والفراغ حيّز إحتوائي لا يدرك بغير دلالة الاشياء التي يحتويها. الفراغ حيّز مكاني يحتوي المادة صورة ومحتوى.

الوجود لغة - وليفريد سيلارز
يذهب جورج بيركلي (1685 – 1753) وهو فيلسوف إيرلندي من أصل انكليزي الى (أن وجود الشيء هو أن يكون مدركا في جميع الحالات، إلا عندما يكون الوجود هو الإدراك)1.

ان يكون الادراك موضوعا لادراك العقل بمعنى العقل يدرك نفسه عندها لا يبقى موضوعا يدركه العقل خارج ادراكه لذاته..  وسيلارز الامريكي قال الوجود هو اللغة. وقال آخر الوجود هو الله. والعبارتان صحيحتان لا يمكن إدحاضهما.

عبارة بيركلي هي نوع من الإدراك الذاتي المثالي الذي يلغي الوجود واقعا ماديا حقيقيا مستقلا خارج الإدراك الحسّي العقلي بالفكر. فهو يعتبره إما أن يكون شيئا مدركا صوريا تجريديا فكريا يمر في الذهن، وإما أن يكون الوجود هو الإدراك بذاته بلا ذات إنسانية يحكمها العقل تدرك ذلك الوجود. وهو خطأ فالوجود لا يدرك ذاته بذاته كما يفعل العقل. صحيح ليس كل موجودات الوجود تلزم العقل ادراكها الا انها لا تدرك ذاتها بذاتها. الموجودات لا تمتلك عقولا تدرك بها غيرها ولا تدرك بها ذاتها. إدراك الشيء تعبير لغوي ناتج عن تفكيرعقلي.

أي أن إدراك الوجود لذاتيته هو إدراك الذاتوية الوجودية لنفسها ولا يكون مهما إرتباط الإدراك ألخارجي للموجودات بالعقل. وهنا يسقط بيركلي في حفرة الأوهام الميتافيزيقية بفارق جوهري هو أن الوجود المادي لا يمتلك إمكانية إدراك ذاته بذاته ما عدا الانسان الذي يمتلك الخاصيّة العقلية التي تدرك الادراك موضوعا مغايرا لها في العالم الخارجي في نفس الوقت التي تدرك خاصية العقل ذاتها.

جميع الكائنات الارضية في الطبيعة لا تمتلك ذاتا إدراكية تعي نفسها ولا تعي المحيط بها كما لا تمتلك عقلا هو سيّد التفكير الإدراكي للذات والطبيعة ما عدا الانسان الذي يمتلك تلك الخاصيتين.

مقدمة
" الوضع البشري هو المصطلح الوحيد الذي يجب أن ننطلق منه، وإليه يجب أن نعود بكل شيء"
الوضع البشري هو مفهوم فلسفي وعلمي مركزي يُعنى بدراسة طبيعة الوجود البشري، بما يشمل تجاربه، سلوكياته، وتفاعلاته. يتناول كل من علم الاجتماع (السوسيولوجيا) وعلم النفس (البسيكولوجيا) هذا المفهوم من زوايا مختلفة، مما يولد اختلافات دلالية (في المعنى والمفاهيم) وإجرائية (في المنهجيات والتطبيقات). تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الفرق بين التناول السوسيولوجي والتناول البسيكولوجي للوضع البشري من خلال مقارنة دلالية وإجرائية، مع التركيز على الإطار النظري، المنهجيات المستخدمة، والتطبيقات العملية. فماهي احوال الوضع البشري؟ كيف يتم تناول الوضع البشري من جهة السوسيولوجيا والبسيكولوجيا؟ مادا يترتب عن هذا التناول؟ وماهو الفرق الدلالي والاجرائي بينهما؟

الفرق الدلالي

التناول السوسيولوجي

علم الاجتماع يركز على الوضع البشري من منظور جماعي، حيث يُنظر إلى الفرد كجزء من نسيج اجتماعي أوسع. يُعرّف الوضع البشري في هذا السياق من خلال التفاعلات الاجتماعية، الهياكل الاجتماعية (مثل الطبقات، المؤسسات، والثقافات)، والسياقات التاريخية والثقافية التي تشكل سلوك الفرد وهويته. على سبيل المثال: المفاهيم الأساسية: التنشئة الاجتماعية، السلطة، الثقافة، والدور الاجتماعي.
المنظور: يرى السوسيولوجيون أن الوضع البشري مشروط بالبيئة الاجتماعية، حيث تؤثر العوامل الخارجية مثل القوانين، الأعراف، والمؤسسات في تشكيل السلوك البشري.