مقدّمة: في سبيل رشدية مغايرة.. ابن رشد بين النص والتاريخ والراهنية
تمرُّ الأمة الإسلامية والعربية اليوم بالذكرى التسعمائة لميلاد أبي الوليد ابن رشد (1126-1198م)، تلك الشخصية التي غدت علماً من أعلام الفلسفة الإسلامية، وجسراً معرفياً بين الشرق والغرب، ورمزاً للعقلانية في وجه التعصب. غير أن إحياء هذه الذكرى لا يعدو أن يكون طقساً احتفالياً جامداً، أو استعادة نوستالجية لماضٍ ولّى، بل فرصة لإعادة طرح سؤال جوهري: هل من رشدية مغايرة؟
إن السؤال عن "المغايرة" في الرشدية ليس سؤالاً هامشياً، بل هو مدخل إبستيمولوجي لفكّ الاشتباك بين "ابن رشد الأيقونة" الذي تم تدجينه في الخطابات الرسمية والتقليدية، و"ابن رشد الفيلسوف" الذي هزّ أركان اليقينيات السائدة في عصره. فالرشدية التي نحتفي بها ليست تلك التي تُختزل في شروح أرسطو، أو تلك التي تُستعمل كشهادة حسن سلوك للعقل الإسلامي أمام الغرب، بل هي الرشدية كـ "مشروع تحرري"، وكـ "منهج نقدي"، وكـ "تجربة التزام" واجهت فيها الفلسفةُ واقعَ الدم والسلطة والتكفير.
إن القراءة السائدة لتراث ابن رشد غالباً ما وقعت في فخّ "التقديس" أو "الاستشراق"، فإما حوّلته إلى مجرد ناقل للحكمة اليونانية، أو اختزلت فكره في إشكالية التوفيق بين الدين والفلسفة بمعناها السكولاستيكي الضيق. أما "الرشدية المغايرة" التي تسعى هذه الدراسة إلى استكشافها، فهي تلك التي تنظر إلى ابن رشد كفيلسوف "مقلق"، مفكرٍ لم يرضَ بالوصاية، ورفض أن تكون الفلسفةُ مجردَ زينةٍ للنخبة، بل جعلها واجباً وجودياً وشرعياً لكل ذي عقل. إنها رشدية لا تفصل بين النظر والعمل، ولا بين النص والواقع، ولا بين الحقيقة والحياة.
إن راهنية ابن رشد اليوم لا تكمن في تكرار مقولاته، بل في استلهام "روحه النقدية" لمواجهة تحديات العصر: من صعود الخطابات التكفيرية التي تستبيح الدم باسم المقدس، إلى أزمة العقل العربي الذي يتراوح بين القطيعة مع التراث والغرق فيه، وصولاً إلى الحاجة الماسة لتأسيس فلسفة حياة تدافع عن الكرامة الإنسانية والحرية الفردية في وجه الاستبداد السياسي والديني. إن ابن رشد، في قراءتنا هذه، ليس فيلسوف الماضي فقط، بل هو فيلسوف المستقبل؛ لأنه علّمنا أن "الحق لا يضاد الحق"، وأن العقل هو الكون المشترك بين البشر، وأن التكفير هو دائماً غطاء لصراعات السلطة وليس دفاعاً عن العقيدة.
الدرس الفلسفي - جان فرانسوا ليوتار - ترجمة: عبد الوهاب البراهمي
"هل يُلحق أستاذ الفلسفة اليوم بالمدرسة أم بالعالم؟" (ليوتار)
"إنّ التفلسف هو أولاً فعل عصاميّ. هذا هو الذي أريد أن أعنيه أولاً بدرس فلسفيّ... و لا تعني "عصامي" أننا لا نتعلّم شيئاً من الآخرين، بل فحسب لا نتعلّم منهم شيئاً إذا لم يعلّمونا نسيان ما تعلّمناه.... نحن عصاميون، بمعنى أنه يجب أن نتفلسف حتى نتعلّم التفلسف." (ج. ف. ليوتار)
"يشتغل الدرس على ما يسمّى الواقع. يصقل معاييره. ويعلّقها. وإذا كان من بين المعايير الأساسية للواقع وللواقعية هو أن نربح الوقت، وهو، فيما يبدو لي، واقع الحال اليوم، فإنّ درس الفلسفة ليس مطابقاً للواقع اليوم. تتمثّل صعوباتنا كأساتذة فلسفة أساساً في اقتضاء الصبر." (ليوتار)
لو سلمت بما جاء في الورقة العلمية لهذه اللقاءات، فإنّ الرهان المحدد لتفكيرنا هنا هو رهان التكوين الفلسفي للمدرسين، وسنسلّم بأنّ "التربية والتعليم هما فعلان فلسفيان". لا أعرف ما يعنيه "فعل فلسفي". سأسند لكلمة "فعل فلسفي" دلالة محدّدة، تقابل القوّة. وسأقول إنّ الفلسفة ليست كياناً، قوّة، حصيلة معرفية ومهاراتية وشعورية، بل هي فحسب فعل وشغّالة en acte. وأضيف أن التربية والتعليم لا يبدوان لي أفعالاً فلسفية، لا أكثر ولا أقلّ من كونهما المشاركة في مأدبة أو تسليح باخرة. ليست الفلسفة ميداناً مقسّماً في جغرافية اختصاص. جميعنا يعلم ذلك. أقول "درس فلسفي" مثلما نقول "مع مرور الزمن". نحن نعلم أن قسماً كبيراً من التفكير الفلسفي منذ بروتاغوراس وأفلاطون، ومنذ فيثاغورس يشتغل على كلمة "تكوين"، وبالتالي حول البيداغوجيا والإصلاح. وأن له كمسلمة أن عقول البشر لم تُوهب لهم على نحو ما يجب، وأنه لابد من إصلاحها. الطفولة هي وحش الفلاسفة. وهي أيضاً شريكهم. تقول الطفولة للفلاسفة بأن الفكر ليس معطى. لكنه ممكن. وإصلاح الفكر يعني أن يأتي معلّم ليساعد الفكر الممكن في مرحلة الطفولة، بما هو في حالة انتظار، على أن يكتمل. هل تعرفون الدورة الدموية؟ لكنها المعلّم ذاته. كيف تَحرّر من وحشيته الطفولية؟ تربية المربّين، وإصلاح المُصلحين: نتبع الإحراج (l’aporie) الأفلاطوني بواسطة كانط، حتى نصل إلى ماركس. هل يجب أن نقول كما يقول علم النفس التحليلي: إنه بمثل ما وجد تحليل ذاتي مؤسّس، فقد وجد أيضاً تكوين ذاتي مؤسّس؟ عٍصَاميُّ التكوين أبٌ لكلّ العصاميين؟ هناك فرق بين الفلاسفة وعلماء النفس التحليلي هو أن للفلاسفة آباء كثيرون، وأكثر مما يجب للإقرار بأبوة. وفي المقابل، فإنّ التفلسف هو أولاً فعل عصاميّ.
الجدل والجدلية بين أفلاطون وأرسطو وبين كانط وهيجل، مقاربة ميتودولوجية - د.زهير الخويلدي
مقدمة:
في تاريخ الفلسفة، يمثل مفهوم الجدل أحد أبرز الأدوات المنهجية التي استخدمها الفلاسفة لاستكشاف الحقيقة، وتحليل الواقع، وتجاوز التناقضات الظاهرية. الجدل، في جوهره، ليس مجرد نقاش أو مناظرة، بل هو عملية ديناميكية تتضمن التفاعل بين الأفكار المتناقضة للوصول إلى معرفة أعلى أو تركيب جديد. هذا المفهوم تطور عبر العصور، منذ الفلسفة اليونانية القديمة مع أفلاطون وأرسطو، مروراً بالفلسفة الألمانية الكلاسيكية مع كانط وهيجل. في هذه الدراسة، سنقارب الجدل والجدلية من منظور منهجي، محاولين استكشاف كيف شكل هذا المفهوم المنهج الفلسفي لكل من هؤلاء الفلاسفة، وكيف انعكس في علاقاتهم الفكرية المتبادلة. سنركز على التباينات والتداخلات المنهجية دون الغوص في تفاصيل تاريخية أو شخصية، محافظين على تدفق مسترسل يربط بين الأفكار. بدءاً من اليونانيين، كان الجدل عند أفلاطون أداة للكشف عن الحقيقة من خلال الحوار، بينما طور أرسطو نهجاً أكثر نظامية يجمع بين الجدل والمنطق التحليلي. أما في العصر الحديث، فإن كانط استخدم الجدل لنقد حدود العقل، في حين جعل هيجل من الجدلية محركاً للتاريخ والفكر. هذه المقاربة المنهجية تكشف عن تحولات في فهم الجدل من كونه أداة استكشافية إلى كونه قوة دافعة للتطور الفكري والوجودي. فكيف تم فهم الجدل كمنهج فلسفي؟
الجدل عند أفلاطون: الحوار كطريق إلى المعرفة الأبدية
يُعتبر أفلاطون أحد أوائل الفلاسفة الذين جعلوا من الجدل منهجاً أساسياً في الفلسفة. في حواراته، مثل محاورة "الجمهورية" ، يظهر الجدل كعملية حوارية يقودها سقراط، معلمه، لاستخراج الحقيقة من خلال السؤال والجواب. المنهج الجدلي عند أفلاطون ليس مجرد تبادل آراء، بل هو عملية تصاعدية تبدأ من الآراء الشائعة (الدوكسا) وتصل إلى المعرفة الحقيقية (الإبيستمي). يعتمد هذا المنهج على افتراض أن الحقيقة موجودة في عالم المثل الأبدي، وأن الجدل هو الوسيلة لتذكرها، أي استرجاع المعرفة الفطرية.
من الناحية المنهجية، يتكون الجدل الأفلاطوني من ثلاث مراحل أساسية: الدعوى الأولي، الذي يُقدم كرأي أو افتراض، ثم الاعتراض أو النقيض، الذي يكشف عن التناقضات في الافتراض، وأخيراً التركيب أو الوصول إلى فهم أعلى يتجاوز التناقض. هذا النهج يعكس اعتقاد أفلاطون بأن العقل البشري قادر على تجاوز الحواس والظواهر المتغيرة للوصول إلى الجوهر الثابت. الجدل هنا ليس خطياً، بل دائرياً وتفاعلياً، يعتمد على اللغة والحوار كأدوات للكشف، مما يجعله منهجاً اجتماعياً بقدر ما هو فردياً. في هذا السياق، يرى أفلاطون أن الجدل يحمي من الخطأ الدوغمائي، إذ يفرض على المشاركين في الحوار الاعتراف بجهلهم الأولي، كما في قول سقراط الشهير "أعرف أنني لا أعرف شيئاً". مع ذلك، يحمل المنهج الأفلاطوني بعض التحديات المنهجية، مثل اعتماده على الإلهام أو الرؤية الفلسفية، التي قد تبدو غير موضوعية. هذا النهج يفتح الباب للجدلية مع تلميذه أرسطو، الذي سعى إلى جعل الفلسفة أكثر علمية وتحليلية.
العقلانية النقدية بين محمد عابد الجابري ويورغن هابرماس - إبراهيم أبو عواد
تُعَدُّ مسألة العقلانية مِن أهم القضايا الفلسفية في الفِكر المُعاصر ، خُصوصًا في سِياق المُجتمعات التي تبحث عن سُبل للخُروج من أزماتها الفِكرية والسياسية والحضارية .
وفي هذا السِّياق، يَبرُز مشروعان فلسفيَّان كبيران : مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935_ 2010 ) ، ومشروع الفيلسوف الألماني يُورغِن هابِرماس ( 1929_ 2026 ) .
وعلى الرغم من اختلاف السياقات التاريخية والثقافية التي انطلقَ منها كُلٌّ مِنهما ، إلا أنَّ كِلَيهما سعى إلى تأسيس شكل من أشكال العقلانية النَّقْدية القادرة على تجاوز الجُمود الفِكري ، وإعادةِ بناء العلاقة بين العقل والمعرفة والمجتمع .
ينطلق الجابري مِن إشكالية العقل العربي ، وتُراثِه المعرفي ، بَينما ينطلق هابرماس من نقد الحداثة الغربية ، ومُحاولة تصحيح مسارها . ومعَ ذلك ، فإنَّ مشروعهما يلتقيان في نقطة مركزية ، هي السَّعْي إلى تحرير العقل مِن سُلُطات الهَيمنة ، سواءٌ كانتْ هَيمنة التراث غَير المَفحوص ، أوْ هَيمنةِ السُّلطة التقنية والأيديولوجية .
ارتبط الجابري بمشروع فِكري ضخم هو نقد العقل العربي ، الذي سعى فيه إلى تحليل البُنية المعرفية للثقافة العربية الإسلامية ، وقدْ تجسَّد هذا المشروع في سِلسلة كُتُب .
يَرى الجابري أنَّ العقل العربي تشكَّل تاريخيًّا مِن خِلال ثلاثة أنظمة معرفية رئيسية :
1_ البيان : وهو نظام المعرفة القائم على النَّص واللغة والفِقْه والبلاغة .
2_ العِرفان : وهو المعرفة الصوفية والإشراقية التي تعتمد على الكشف والباطن .
3_ البُرهان : وهو المعرفة العقلية المنطقية التي تجسَّدتْ في الفلسفة الأرِسْطِيَّة .
الفلسفة الأوروبية بين تفوق الثقافة القارية ومركزية العقل الغربي - د.زهير الخويلدي
في خضم الفلسفة الأوروبية يقف تناقضٌ مزمنٌ يشبه الجسد المريض الذي يعلن صحته بأعلى صوته: بين إيمانها الراسخ بتفوق الثقافة القارية كحاملة للعمق الروحي والتاريخي والإنساني، وبين مركزية العقل الغربي الذي يفرض نفسه كمحور الكونية كلها. هذه الفلسفة لا تكتفي بالوجود؛ إنها تشخّص نفسها دائماً كعلاج للعالم، بينما هي في الواقع تحمل أعراض مرضها الخاص: مرض التمركز حول الذات الغربية التي تُلبس لباس التفوق القاري لتخفي أنها ليست سوى مركزٍ وهمي يدور حوله كل شيء. المقاربة التشخيصية هنا ليست مجرد وصف، بل تشريحٌ للأعراض التي تكشف كيف تحولت الفلسفة الأوروبية من تأملٍ في الوجود إلى آلةٍ للهيمنة الثقافية، حيث يصبح التفوق القاري قناعاً والمركزية العقلية جوهراً مريضاً يرفض الاعتراف بعيبه. فما الذي أوقع الفلسفة الأوروبية في توهم التفوق وادعاء المركزية؟
تبدأ الأعراض من اللحظة التأسيسية ذاتها، حين أعلن العقل الغربي أنه المركز الوحيد للعقلانية. الفلسفة القارية، بتجلياتها الألمانية والفرنسية خصوصاً، بنت صرحها على فكرة أن الثقافة الأوروبية القارية تمتلك عمقاً تاريخياً وروحياً يفوق كل الثقافات الأخرى. هذا التفوق ليس مجرد شعور؛ إنه بناءٌ فلسفي كامل يبدأ من اليونان القديمة التي يُختطف تاريخها ليُصبح ملكية أوروبية خالصة، مروراً بالنهضة التي تُقدَّم كولادة جديدة للإنسان الغربي، وصولاً إلى عصر التنوير الذي أعلن أن العقل الغربي هو العقل نفسه. هنا تظهر أولى أعراض المرض: العقل الغربي يدّعي الكونية، لكنه في الحقيقة يفرض مركزيته.
منظورات جديدة حول المعيارية الطبيعية عند حكماء اليونان، مقاربة فلسفية - د.زهير الخويلدي
مقدمة:
في بواكير الفلسفة اليونانية القديمة يقف مفهوم المعيارية الطبيعية كحجر أساس لكل تفكير أخلاقي ووجودي. لم تكن الطبيعة مجرد خلفية سلبية أو مصدر للقوانين الفيزيائية، بل كانت مصدراً حياً للمعايير، أي لتلك القيم التي تحدد ما هو صالح وما هو فاسد، ما هو كامل وما هو ناقص. هذا المفهوم لم يكن مجرد نظرية، بل كان رؤية كونية ترى الكون نفسه ككائن منظَّم يحمل في طياته غاياته الخاصة. اليوم، وبعد قرون من الفصل بين الإنسان والطبيعة في الفكر الحديث، تظهر منظورات جديدة تُعيد قراءة هذه المعيارية ليس كتراث أثري، بل كإمكانية حية لإعادة بناء علاقتنا بالوجود. هذه المنظورات لا تكتفي بتفسير ما قاله الحكماء، بل تُخرج المعيارية الطبيعية من إطارها التاريخي لتجعلها تتحدث بلغة عصرنا: لغة الاستدامة، الجسد الحي، والحرية المسؤولة. في هذه الدراسة سنغوص في أعماق هذا المفهوم عند الحكماء اليونان، ثم نُطلق منه منظورات جديدة تُعيد صياغة علاقة الإنسان بالكون كعلاقة معيارية حية. فكيف تم إعادة اكتشاف الطبيعة كمعيار حي؟
المعيارية الطبيعية عند الحكماء قبل سقراط: الواحد كمعيار كوني
بدأت المعيارية الطبيعية مع الفلاسفة الأوائل الذين رأوا في الكون نفسه مبدأ الانتظام الأخلاقي. عند طاليس وأنكسمندر وأنكساغوراس، لم تكن الطبيعة مجرد مادة عشوائية، بل كانت حاملة لـ«اللوغوس» الذي ينظمها. أنكسمندر يتحدث عن «اللانهائي» كمبدأ يفرض توازناً طبيعياً يمنع أي عنصر من السيطرة المطلقة، فالعدل هنا ليس اتفاقاً بشرياً بل قانوناً كونياً يُعاقب الطغيان بالعودة إلى التوازن. هذا التصور يجعل المعيارية الطبيعية أولى صور الـ«فيزيس» كمعيار: فالصالح هو ما يتوافق مع هذا التوازن، والشر هو ما يخرج عنه. مع هيراقليطس يصل الأمر إلى ذروة الديناميكية: النار كرمز للصيرورة الدائمة، واللوغوس كمعيار مشترك يجعل الصراع نفسه قانوناً طبيعياً. هنا لا تكون المعيارية جامدة، بل حية ومتحركة؛ الإنسان الصالح هو من يسمع هذا اللوغوس ويعيش وفقاً له، لا يحاربه. هذه القراءة تفتح باب منظور جديد: المعيارية الطبيعية ليست قاعدة ثابتة، بل إيقاع حيوي يدعونا اليوم إلى فهم الاستدامة البيئية ليس كواجب أخلاقي خارجي، بل كعودة إلى إيقاع الكون الذي كان هيراقليطس يسمعه في جريان النهر.
فلسفة بول ريكور بين واقعية الحرب وغائية السلم، مقاربة سياسية ايتيقية - د.زهير الخويلدي
في إطار المقاربة السياسية الأخلاقية، تُمثل فلسفة بول ريكور حالة فريدة من التوازن الديالكتيكي بين قطبين يبدوان متناقضين في ظاهر الأمر، لكنهما متداخلان في جوهر الوجود الإنساني: واقعية الحرب التي تُقرّ بقسوة الصراع الإنساني والسلطة والعنف كعناصر بنيوية في التاريخ السياسي، وغائية السلم التي تُوجّه الإرادة الجماعية نحو هدف أخلاقي نهائي يتمثل في العدالة والمصالحة والتعايش السلمي. هذه الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري في السياسة، بل هي عملية تأويلية حية تجعل من السياسة مجالاً أخلاقياً يتجاوز الثنائيات الساذجة بين الواقعية السياسية الخالصة (كما عند مكيافيلي أو هوبز) والمثالية الطوباوية (كما عند كانط في سلام دائم)، لتصبح بدلاً من ذلك مساراً يمر عبر الاعتراف بالشر الفعلي نحو إعادة تشكيل الواقع على أساس الرغبة في الخير المشترك.
إن ريكور، بوصفه فيلسوفاً تأويلياً، يرى في السياسة ليس مجرد إدارة للقوة بل فنّاً في بناء المؤسسات العادلة التي تُحوّل الصراع إلى حوار، والحرب إلى ذاكرة تُفضي إلى سلام مستدام.
تبدأ واقعية الحرب في فلسفة ريكور من الاعتراف العميق بطبيعة الإنسان المتناقضة، حيث يُقرّ بأن العنف والصراع ليسا حادثاً عرضياً بل جزءاً من الرمزية الشريرة التي تشكل الوعي البشري. في تحليله للإرادة والفعل، يُبرز ريكور كيف أن الإنسان قادر على الفعل لكنه في الوقت نفسه عرضة للضعف والشر، فالحرب ليست مجرد مواجهة بين دول بل تجلياً للصراع الداخلي بين الرغبة والقيود، بين السلطة والعنف المقدس. هنا يستلهم ريكور من التقليد الفينومينولوجي والهرمنيوطيقي فكرة أن التاريخ السياسي مليء بـ"الرموز الشريرة" التي تُعبّر عن الإنسان في حالة السقوط: الغزو، الاستعمار، الإبادة، والديكتاتوريات التي تحول السلطة إلى هيمنة مطلقة. واقعية الحرب عنده ليست تشاؤماً بل تشخيصاً دقيقاً للأيديولوجيا كتشويه للخيال السياسي، حيث تُستخدم السلطة لتبرير العنف تحت ستار الدفاع أو التحرير.
حين يصبح التعقيد طريقا للفهم: إدغار موران و104 سنة من إعادة بناء الفكر المعاصر - محمد الناصري
منذ أزمان بعيدة والإنسان يردد في ضميره أسئلة عويصة تتصل بمصيره ووجوده، أسئلة لا يفتأ يعود إليها جيلا بعد جيل دون أن يبلغ فيها قولا فاصلا أو حلا قاطعا. فمن ذلك ما استقر في وجدان الفكر العربي من تساؤلات ملحة: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وهل يمكن استرداد الحقوق المغتصبة بقوة القانون أم أن قانون القوة يظل هو الغالب في عالم تتنازعه المصالح والصراعات؟ وهذه الأسئلة التي تمس مصير الأمم ليست بعيدة في جوهرها عن تلك المسائل الكبرى التي شغلت الفلسفة منذ نشأتها الأولى، كالسؤال الذي صاغه الفيلسوف "لايبنتز": لماذا يوجد شيء بدل ألا يوجد شيء؟ وهي من جملة القضايا التي درج الفلاسفة على عدها من المسائل الخالدة التي لا تنفك الفلسفة تعاود النظر فيها كلما تبدلت العصور وتغيرت أحوال البشر.
وفي خضم هذا التراث الطويل من التساؤل والتفكير برز في الفكر المعاصر اسم الفيلسوف الفرنسي "إدغار موران" بوصفه واحدا من أولئك الذين سعوا إلى إعادة النظر في أسس المعرفة الإنسانية، لا من طريق تقديم أجوبة نهائية حاسمة، وإنما من خلال الدعوة إلى نمط جديد من التفكير يعترف بتعقد الواقع وتشابك عناصره. فقد رأى موران أن كثيرا من مشكلات الفكر المعاصر إنما تعود إلى هيمنة ما سماه "براديغم التبسيط"، ذلك النمط من التفكير الذي درج على تفكيك الظواهر واختزالها في عناصر منفصلة، ثم محاولة فهمها بعد ذلك وكأنها كيانات مستقلة عن سياقها العام. أما الواقع في نظره فليس كذلك، إذ هو نسيج متداخل تتشابك فيه الأبعاد الطبيعية والإنسانية والتاريخية والثقافية على نحو لا يسمح بفصل بعضها عن بعض إلا على سبيل التجريد المؤقت.
الشك المنهجي بين الغزالي وديكارت - إبراهيم أبو عواد
الشَّكُّ المَنهجي هو وسيلة مُؤقَّتة لفحصِ مَصادرِ المَعرفةِ ومَبادئها ، واستبعادِ كُلِّ مَا لا يَقُوم على أساسٍ يَقيني ، تَمهيدًا لإقامةِ مَعرفةٍ صحيحة ثابتة .
في هذا المجال، يَلتقي الإمام أبو حامد الغَزَالي (450 ه _505 ه/ 1058 م _1111م) والفَيلسوف رينيه ديكارت ( 1596 م _ 1650 م ) على اختلافِ السِّياقِ الحَضاري ، والمَرجعيةِ الدِّينية ، واللغةِ الفَلْسفية . كِلاهما جَعَلَ مِنَ الشَّكِّ طريقًا لا غاية ، وَمِنَ الهَدْمِ المُؤقَّت سبيلًا إلى بناءِ الحقيقة، غَيْر أنَّ التشابه لا يلغي التمايزَ ، ولا الاتفاق في المَنهج يَعني وَحدةَ النتائجِ أو المُنطلقات . والمُقارنةُ بين الشَّكِّ المَنهجي عِند الغَزَالي وديكارت تفتح نافذةً واسعة على فهمِ طَبيعةِ العقل ، وحُدودِ المَعرفة ، وعَلاقةِ الإنسانِ بالحقيقة .
نشأ شَكُّ الغَزَالي في سِياق أزمنة رُوحيَّة ومَعرفية عميقة ، فَقَدْ وَجَدَ نَفْسَه مُحاطًا بتعدُّد الفِرَقِ والمَذاهب : المُتكلمون ، والفلاسفة ، والباطنية ، والصُّوفية . وكُلُّ فريقٍ يَدَّعي امتلاكَ الحقيقة . هذا التنازعُ دَفَعَه إلى مُساءلةِ أدواتِ المَعرفةِ ذَاتِها . هَل الحِس صادق ؟ ، وهَل العَقْل يَقيني ؟ ، وَهَلْ يُمكِن الوُثوق بِما وَرِثَه الإنسانُ مِنْ تقاليد ؟ . لَم يَكُن شَكُّ الغَزَالي ترفًا ذِهنيًّا ، بلْ صَرْخة باحثٍ عَن يقينٍ يَطمئن إلَيْه القلبُ قَبْلَ العقل .
أمَّا ديكارت ، فَقَدْ جاءَ شَكُّه في سِياق أزمة مَعرفية أوروبية عميقة معَ بِداية العصرِ الحديث ، حيث اهْتَزَّتْ سُلطةُ أرِسْطُو ، وتزعزعت الثقةُ بالمعرفةِ المدرسية ، وبرزت الحاجةُ إلى تأسيسِ العِلْمِ على قواعد جديدة لا تَقْبَل الشَّكَّ ، وأعلنَ البَدْءَ مِنَ الصفر ، وَرَفَضَ كُلَّ مَا يُمكِن الشَّك فيه .
التجديد المنهجي في الفلسفة المعاصرة بين التغطية والانتشار، مقاربة ميتودولوجية - د. زهير الخويلدي
مقدمة:
في عصرنا الحالي، تشهد الفلسفة المعاصرة تحولات جذرية في مناهجها، حيث يبرز التجديد المنهجي كمحور أساسي لإعادة صياغة الفهم الفلسفي للوجود، الحقيقة، والمعنى. يتمثل هذا التجديد في محاولة تجاوز المناهج التقليدية المتجذرة في الميتافيزيقا الغربية، التي غالباً ما تعتمد على افتراضات مركزية عقلية تركز على الحضور الكامل والوحدة المعنوية. ومع ذلك، يأتي هذا التجديد محفوفاً بتوتر أساسي بين "التغطية" (أو الإخفاء) و"الانتشار" (أو التشتت)، حيث يُعَدُّ هذا التوتر مقاربة ميتودولوجية جوهرية لفهم كيفية كشف الحقيقة وإخفائها في الوقت ذاته. التغطية، كمفهوم فلسفي، تشير إلى عملية الإخفاء أو التستر الذي يمنع الكشف الكامل عن الوجود، بينما الانتشار يعبر عن عملية التشتت والتوزيع التي تحول دون الوصول إلى معنى مركزي أو موحد. هذان المفهومان ليسا متناقضين فحسب، بل يشكلان ديالكتيكاً داخلياً يدفع الفلسفة المعاصرة نحو تجديد منهجي يعتمد على التحليل النقدي للنصوص، اللغة، والتاريخ. في هذه الدراسة، سنستعرض هذا التوتر من خلال مقاربة ميتودولوجية، مستندين إلى أعمال فلاسفة رئيسيين مثل مارتن هيدغر وجاك دريدا وريكور، مع التركيز على كيفية مساهمتهم في إعادة تشكيل المناهج الفلسفية. سنقسم الدراسة إلى أقسام رئيسية: الخلفية الهيدغرية لمفهوم الإخفاء والكشف، مفهوم الانتشار عند دريدا، المقارنة بينهم كتجديد منهجي، ومقاربة ريكور الهرمينوطيقية السردية، وأخيراً الآثار الميتودولوجية على الفلسفة المعاصرة. فما هي تمثلات التجديد المنهجي في الفلسفة المعاصرة كمقاربة ميتودولوجية؟
أولاً: الإخفاء والكشف في فلسفة هيدغر – أساس التجديد المنهجي
يُعد مارتن هيدغر (1889-1976) أحد أبرز المفكرين الذين أعادوا صياغة مفهوم الحقيقة في الفلسفة المعاصرة، محولاً إياها من مجرد مطابقة بين الفكر والواقع إلى عملية كشف ديناميكية. في عمله الرئيسي "الكينونة والزمن" (1927)، يعيد هيدغر تفسير الكلمة اليونانية "أليثيا" (aletheia) كـ"غير مخفي" أو "الكشف"، مقابل الإخفاء. وفقاً لهيدغر، الحقيقة ليست شيئاً ثابتاً يمكن الوصول إليه عبر المنطق التقليدي، بل هي حدث (Ereignis) يحدث فيه الكشف عن الوجود من خلال إزالة الستر أو الإخفاء الذي يغطيه. هذا الإخفاء ليس سلبياً محضاً، بل هو جزء أصيل من عملية الكشف؛ فالوجود يظهر دائماً في سياقات تاريخية وثقافية تخفي جوانب أخرى منه. من الناحية المنهجية، يمثل هذا التفسير تجديداً جذرياً للفلسفة، حيث ينتقل المنهج من التحليل المنطقي إلى "التفكير الهرمينوطيقي"، الذي يركز على تفسير الوجود كما يظهر في اللغة والتاريخ. في مقالته "أصل العمل الفني" (1935-1936)، يطور هيدغر فكرة "الصراع" بين الإخفاء والكشف، حيث يصبح العمل الفني مكاناً لظهور الحقيقة كحدث يجمع بين الظهور والانسحاب. هذا التوتر يعكس كيف أن الفلسفة المعاصرة، تحت تأثير هيدغر، تجدد مناهجها بالتركيز على "الكينونة" كشيء يتجاوز التمثيلات البشرية، مما يدفع إلى منهج يعتمد على الاستماع إلى اللغة بدلاً من فرض مفاهيم عليها. في سياق التغطية والانتشار، يمثل الإخفاء عند هيدغر الجانب الذي يمنع الانتشار الكامل للحقيقة، لكنه في الوقت نفسه يفتح مجالاً للتجديد المنهجي. إذ يرى هيدغر أن الميتافيزيقا الغربية قد أخفت سؤال الكينونة من خلال تركيزها على الكائنات الفردية، مما يتطلب "تدمير" التقاليد الفلسفية لكشف الإخفاء الأصلي. فهذا المنهج الهرمينوطيقي يصبح أداة للتجديد، حيث يسمح بالانتشار المتعدد للمعاني دون الوقوع في فخ الوحدة الميتافيزيقية.
في التمييز المفهومي والسياقي بين الهوية المركبة عند إدغار موران والهوية السردية عند بول ريكور، مقاربة أنثروبولوجية - د. زهير الخويلدي
مقدمة
في عالم اليوم المتسارع والمعقد، أصبح مفهوم الهوية محورًا أساسيًا في الدراسات الأنثروبولوجية، حيث يعكس كيفية تشكل الذات البشرية في سياقات اجتماعية، ثقافية، وبيئية متغيرة. يبرز إدغار موران (مواليد 1921)، الفيلسوف الفرنسي المعروف بـ"التفكير المعقد"، مفهوم "الهوية المركبة" كإطار يدمج التناقضات والترابطات في الوجود البشري. مقابل ذلك، يقدم بول ريكور (1913-2005)، الفيلسوف الهيرمينوطيقي، مفهوم "الهوية السردية" الذي يرى الهوية كبناء سردي يجمع بين التجارب الزمنية والتفسيرات الرمزية. تهدف هذه المقالة إلى استكشاف التمييز المفهومي والسياقي بين هذين المفهومين، من منظور أنثروبولوجي يركز على الإنسان ككائن اجتماعي وثقافي. سنعتمد على أعمال موران الرئيسية مثل "المنهج" وسلسلته حول التعقيد، وأعمال ريكور مثل "الزمن والسرد" و"عين الذات كآخر". المقاربة الأنثروبولوجية هنا تؤكد على كيفية مساهمة هذه المفاهيم في فهم الهوية في عصر العولمة والأزمات المتعددة، حيث يصبح الإنسان جزءًا من أنظمة معقدة وروايات جماعية.
الهوية المركبة عند إدغار موران: التعقيد كأساس للوجود البشري
يبني موران مفهوم الهوية المركبة على فلسفته في "التفكير المعقد"، الذي يرفض الاختزالية ويؤكد على الترابط بين العناصر المتضادة مثل النظام والفوضى، الوحدة والتنوع، والذات والآخر. الهوية عنده ليست ثابتة أو أحادية، بل مركبة تتكون من طبقات متعددة: بيولوجية، اجتماعية، ثقافية، وبيئية. في كتابه "مقدمة في التفكير المعقد"، يصف موران الهوية كـ"وحدة متعددة"، حيث يدمج الإنسان بين الذاتية الفردية والانتماءات الجماعية، معتمدًا على مبادئ مثل "الحواري" الذي يجمع المتضادات، والـ"هولوغرافي" حيث يحتوي الجزء على الكل، والـ"التكراري" عبر حلقات التغذية الراجعة. من منظور أنثروبولوجي، ترتبط الهوية المركبة بالإنسان ككائن نظامي يتفاعل مع بيئته في سياق "الأزمة المتعددة"، أي الأزمات المتشابكة مثل المناخية والاجتماعية. في "أرض الوطن"، يرى موران أن الهوية البشرية تتشكل من خلال الترابط مع الكوكب، مما يدعو إلى "سياسة حضارية" تعزز التضامن والتعاون. هذا المفهوم يتجاوز الأنثروبولوجيا التقليدية التي تركز على الثقافات المعزولة، ليؤكد على الهوية كعملية ديناميكية تتكيف مع التعقيد العالمي، مستلهمًا من علوم مثل الإيكولوجيا والأنثروبولوجيا البصرية. على سبيل المثال، في مواجهة العولمة، تصبح الهوية مركبة بين الجذور المحلية والتأثيرات العابرة للثقافات، مما يمنع الإقصاء ويحارب الاختزالية الثقافية.