يذهب جورج بيركلي أنه يمكننا تحديد المقصود ب"وجود" دون اللجوء الى أدوات لغوية، وجود الشيء هو وجود إدراكه الشيئي. كما إعتبر أفلاطون الوقائع المعنيّة هي أفكار أي هي كيانات مختلفة تماما عن كيانات العالم المحسوس. وعن ارسطو قوله :الانسان لا يمكنه التحدث إلا إذا تحدّث عن شيء ما مسّبق بذهنه. وأضاف التعبير عن الوجود ليس فقط أن تقول ماهو موجود، وأنما أن تقول أي نوع من الوجود تقصده. وعن بارمنيدس مقولته الوجود موجود، وعدم الوجود غير موجود، فأنت لا يمكنك إدراك شيء أنت تخلق وجوده بتفكيرك وتدركه بإحساسك.

تعقيب توضيحي

  • الوجود المادي للاشياء والمخيال بموضوعات الذاكرة إستبطانيا تكون سابقة على ادراكها المادي خارجيا، وخياليا استبطانيا داخليا. . وسابقة على تعبير الفكر واللغة عنهما في كلا المنحيين.
  • كل تفكير يتمثله العقل لغة صورية وتعبر عنه اللغة الصوتية لاحقا.
  • السؤال بماذا يختلف ما هو موجود مادي، عما هو غير موجود خيالي بالنسبة للفكر واللغة؟ لا يوجد فرق في تعبير اللغة بين ماهو موجود مادي خارجي وبين ماهو موضوع خيالي تصوّري داخلي. من المهم ادراكنا اللغة تحتفظ بنفس اسلوب التجريد اللغوي في تعبيرها عما هو موجود ماديا، وما هو موجود خياليا. اللغة هي الثابت في تعبيرها عن موضوعاتها مهما تغير حال الموجود.
  • إدراك الموجودات لا يتم بغير دلالة عقلية له، لذا يكون الوجود مصدر إدراك العقل، ولا يكون إدراك العقل هو مصدر تحقق موجود مادي لن يتحقق الا بالذهن فقط في مرجعية العقل.
  • لا يمكننا معرفة موجود بغير دلالة تعبيرية لغوية عنه. إدراك الشيء هو أن تتصوره بالفكر واللغة. ونعبر بهما ايضا لاحقا عن مدركاتنا في لغة صائتة.
  • حتى الحواس لا تنقل الاحساسات عن الاشياء بغير تعالق ما تنقله الحواس في تصوّر وتمثّل لغوي. اعتقد عندما قال الفيلسوف الامريكي سيلارز الوجود لغة فقد افحم الجميع ان يقولوا شيئا يتجاوز مقولته الفلسفية.
  • الموجود المادي هو موضوع لتعبير اللغة وتفكير العقل، وعندما نقول الموجود المادي هو لغة تجريد انطولوجي لذلك الموجود. وحينما نقول الموجود المادي هو لغة ليست متموضعة في الاشياء والمواضيع التي يدركها العقل، وإدراك الشيء المادي حسيّا هو إدراكه لغويا، كما وإدراك الموضوع الخيالي هو إدراك وتعبير لغوي مجرد ايضا. . كل تصوراتنا عما حولنا هو تمثّل صوري لغوي.
  • أمّا حين نقول مع أفلاطون الموجودات ومدركات العقل هي أفكار فهو صحيح تماما لا يحتاج أدنى نقاش. وجميع علاقاتنا بالاشياء هو لغة. تفكير العقل هو لغة، الادراكات والاحاسيس هي لغة.

الوجود لغة............... وليفريد سيلارز
يذهب جورج بيركلي (1685 – 1753) وهو فيلسوف إيرلندي من أصل انكليزي الى (أن وجود الشيء هو أن يكون مدركا في جميع الحالات، إلا عندما يكون الوجود هو الإدراك)1.

ان يكون الادراك موضوعا لادراك العقل بمعنى العقل يدرك نفسه عندها لا يبقى موضوعا يدركه العقل خارج ادراكه لذاته. هذا معنى عبارة بيركلي باختصار. وسيلارز الامريكي قال الوجود هو اللغة. وقال هيجل الوجود هو الله. والعبارتان صحيحتان لا يمكن إدحاضهما. مع فارق بينهما أن عبارة سيلارز هي علمية صحيحة بيولوجيا، اما الثانية فهي غارقة بالميتافيزيقا.

عبارة بيركلي هي نوع من الإدراك الذاتي المثالي الذي يلغي الوجود واقعا ماديا حقيقيا مستقلا خارج الإدراك الحسّي العقلي بالفكر. فهو يعتبره إما أن يكون شيئا مدركا صوريا تجريديا فكريا يمر في الذهن، وإما أن يكون الوجود هو الإدراك بذاته بلا ذات إنسانية يحكمها العقل في ادراكها ذلك الوجود. وهو خطأ فالوجود لا يدرك ذاته بذاته كما يفعل العقل مع ادراكه لذاته. صحيح ليس كل موجودات الوجود تلزم العقل ادراكها الا انها لا تدرك ذاتها بذاتها. الموجودات من الاشياء لا تمتلك عقولا تدرك بها غيرها ولا تدرك بها ذاتها. ادراك الشيء تعبير لغوي ناتج  تفكيرعقلي.

أي أن إدراك الوجود لذاتيته هو إدراك الذاتوية الوجودية لنفسها ولا يكون مهما إرتباط الإدراك ألخارجي للموجودات بالعقل. وهنا يسقط بيركلي في حفرة الأوهام الميتافيزيقية بفارق جوهري هو أن الوجود المادي لا يمتلك إمكانية إدراك ذاته بذاته ما عدا الانسان الذي يمتلك الخاصيّة العقلية التي تدرك الادراك موضوعا مغايرا لها في العالم الخارجي في نفس الوقت التي تدرك خاصية العقل ذاتها. اي العقل يعي ذاته.

جميع الكائنات الارضية في الطبيعة لا تمتلك ذاتا إدراكية تعي نفسها ولا تعي المحيط بها كما لا تمتلك عقلا هو سيّد التفكير الإدراكي للذات والطبيعة ما عدا الانسان الذي يمتلك تلك الخاصيتين. الوجود مفهوم تجريدي عام ميتافيزيقي مطلق يستمد ماديته المعرفية من إدراكات المنظومة العقلية لموجوداته الداخلية فيه كمحتويات مستقلة بذاتها. الوجود كمفهوم هو ميتافيزيقا لا يدركه العقل الا مطلقا تجريديا ولا مضمون يمتلكه. الوجود هو بمحتوياته التي يدركها العقل فقط. ان تقول وجود كمثل قولك ضوء ، هواء، ماء، فضاء، صوت وهكذا جميعها مطلقات لا نهائية ازلية لا تدرك كموضوعات مستقلة بذاتها. بل تدرك بعلاقتها بمشروطية نوع العلاقة التي ترتبط بغيرها.

الادراك واللغة
(من الممكن الاستغناء عن اللغة للوصول الى الانطولوجيا).
خطأ هذا التعبيرالفلسفي السفسطائي يكمن في محاولة أستبدال وسيلة اللغة الادراكية التجريدية (بالادراك) المباشر الحسي الانطولوجي الاستبطاني المجرد من اللغة وهو محال أن نجد ادراكا مجردا من لغته. فالادراك هو تفكيرحسي لغوي وليس مجرد أحساسات لا تمتلك صورتها اللغوية التجريدية... وهذا الاتجاه الفلسفي بمقدار ما يحمله من أدانة واضحة الا أن فلاسفة الوضعية المنطقية التجريبية حلقتي فينا وحلقة اكسفورد التحليلية أخذا كليهما بهذا الاحتمال.

ويحمل هذا التعويل الخاطيء على أن أدراك الاشياء في وجودها الانطولوجي حسيا داخليا يعني أن تلك الادراكات الحسية هي لغة تعبير تواصلي لا تعتمد وسيلية اللغة في أدراكها الاشياء، وهو خطأ لا يمكن تمريره فالادراك الحسي هو لغة تمّثل تجريدي ايضا لا تختلف عن أية لغة تواصل. الادراك هو لغة تصورية تجريدية لا تخرج على أبجدية اللغة التواصلية العادية. بعبارة توضيحية أكثر الادراك ليس بمقدرته أختراع لغة ادراك خاصة به تختلف في بنيتها التركيبية نحويا وبلاغيا وقواعد هي غير نمط وشكل لغة التعبير العادية التي يتحدث بها مجتمع معين أوقوم من الاقوام او أمة معينة.. الادراك تمثّل لغوي تجريدي للاشياء لا يتموضع بها ولا يكون جزءا منها.

وأدراك الحواس ماديا لا يمكن ترجمته الى أحساس مفهوم المعنى والدلالة من غير لغة تحتويه وتعبّر عنه... أذ لا يمكن تحقيق أدراكا حسّيا عن شيء لا يحمل لغة أدراكه التجريدية معه، كل أدراك حسّي عن شيء وكل أدراك غير حسي خيالي عن موضوع لا يمكننا فهمه من غير تلازم تعبير اللغة عنهما خارجيا أو استبطانا صامتا.. توجد عبارة خالدة للفيلسوف الامريكي العبقري اوليفريد سيلارز قوله (الوجود لغة). سيلارز  بعبارته هذه اختزل مجلدات في مبحث فلسفة اللغة.

الادراك الحسي يبقى لغة صمت مضموني لا يستطيع الافصاح عن نفسه من غير توسيل تعبيرشكل اللغة التواصلية الاعتيادية المنطوقة.. بالمختصرالمفيد الادراك لغة خرساء صماء موجودة بالذهن ولا يمكن تحققها بالواقع كلاما وتعبيرا من غير وسيلية تعبير اللغة الافصاح عنها كموضوع. لذا يكون من المشكوك به أمتلاك الادراكات الحسية مصداقية تعبيرية عن الموجود الانطولوجي بمعزل عن اللغة التواصلية أكثر مما تستطيع التعبير عنه. وكلا التعبيرين لغة الادراك الصمت ولغة الافصاح الصوت هما لغة واحدة لا أنفكاك بينهما، من حيث ترابطهما الابجدي في تكوين الكلمات الصوتية والجمل. الصمت واللغة هما تعبير واحد لتفكير العقل.  

مقدمة
"الخيال يُقلد، والروح النقدية تُبدع" أوسكار وايلد

يُمثل الفكر النقدي ركيزة أساسية في الفلسفة، حيث يركز على تحليل الأفكار، المعتقدات، والحجج بشكل منهجي وعقلاني للوصول إلى استنتاجات مدروسة. يتجاوز الفكر النقدي مجرد التفكير التحليلي، إذ يهدف إلى تقييم الحجج، كشف التحيزات، وتعزيز التساؤل المستمر عن الحقيقة والمعرفة. في الحقبة المعاصرة، مع تزايد التضليل الإعلامي، تعقيدات التكنولوجيا، والتحديات الأخلاقية والاجتماعية، أصبح الفكر النقدي أداة حيوية في طموحات الفلسفة لتشكيل وعي جماعي عادل ومستنير. يهدف هذا المبحث إلى استكشاف الفكر النقدي كمنهج فلسفي طامح، من خلال مناقشة أسسه النظرية، تطوره التاريخي، ودوره في مواجهة التحديات المعاصرة، مع التركيز على كيفية إسهامه في تعزيز الفهم والمسؤولية الفكرية.

الأسس الفلسفية للفكر النقدي

يستند الفكر النقدي إلى مبادئ العقلانية، المنطق، والتساؤل المنهجي. أحد المفاهيم الأساسية هو "التحليل المنطقي"، الذي يركز على تقييم الحجج بناءً على قوتها المنطقية وصحة مقدماتها. قدم أرسطو (384-322 ق.م) أسس المنطق الصوري من خلال كتابه الأورجانون، الذي وضع قواعد الاستدلال السليم. في العصر الحديث، طوّر فلاسفة مثل جون ديوي (1859-1952) مفهوم "التفكير التأملي"، الذي يركز على التساؤل المستمر وحل المشكلات بناءً على التحليل والتجربة.

مفهوم آخر مهم هو "النقد الذاتي"، الذي يدعو إلى التشكيك في المعتقدات الشخصية والافتراضات. يرى عمانويل كانط (1724-1804) أن الفكر النقدي يتطلب "الجرأة على المعرفة"، أي استخدام العقل بشكل مستقل لتحدي الأفكار المسبقة. كذلك، يركز الفكر النقدي على كشف التحيزات المعرفية، مثل التحيز التأكيدي، الذي يدفع الأفراد إلى قبول المعلومات التي تتماشى مع معتقداتهم السابقة فقط.

التطور التاريخي للفكر النقدي

تجذر الفكر النقدي في التقاليد الفلسفية القديمة. في اليونان القديمة، استخدم سقراط (470-399 ق.م) منهج التساؤل النقدي، حيث كان يحث المتحاورين على فحص معتقداتهم من خلال أسئلة متسلسلة تهدف إلى كشف التناقضات. في العصور الوسطى، ركز فلاسفة مثل توما الأكويني (1225-1274) على التوفيق بين العقل والإيمان، مما أسهم في تطوير التفكير النقدي في سياقات دينية. مع عصر التنوير، أصبح الفكر النقدي أداة مركزية لتحدي السلطات التقليدية. قدم كانط في كتابه نقد العقل الخالص إطارًا لفحص حدود المعرفة البشرية، مؤكدًا على أهمية التفكير النقدي في بناء المعرفة. في القرن العشرين، طورت مدرسة فرانكفورت، بقيادة ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، النظرية النقدية التي ركزت على نقد الأيديولوجيا والسلطة، مما وسّع نطاق الفكر النقدي ليشمل الهياكل الاجتماعية. في العقود الأخيرة، أسهمت التطورات في التعليم وعلم النفس في تعميق الفكر النقدي. فلاسفة مثل ريتشار بول وجون ديوي ركزوا على تطبيق الفكر النقدي في التعليم، مشيرين إلى أهميته في تعزيز التفكير المستقل والديمقراطية.

مقدمة
في الحقبة المعاصرة، تتسم العلاقة بين العلم والفلسفة بديناميكية معقدة، حيث تتفاعل التطورات العلمية السريعة مع التأملات الفلسفية العميقة حول طبيعة المعرفة، الأخلاق، والهوية البشرية. يقرأ العلماء أنساق الفلاسفة لفهم الأسس النظرية والأخلاقية لأبحاثهم، بينما يعلق الفلاسفة على النظريات العلمية لاستكشاف دلالاتها الوجودية والاجتماعية. تُبرز هذه العلاقة التوتر بين العلم، بوصفه منهجًا تجريبيًا يركز على القياس والتنبؤ، والفلسفة، بوصفها تأملًا نقديًا يسعى إلى فهم السياقات والمعاني. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذا التفاعل في الحقبة المعاصرة من خلال مقاربة مقارنة، تركز على أمثلة محددة من العلوم (مثل الفيزياء، علم الأحياء، والذكاء الاصطناعي) وتعليقات الفلاسفة المعاصرين عليها، مع الإشارة إلى كيفية استلهام العلماء من الأنساق الفلسفية واستلهام الفلاسفة من النظريات العلمية. تسعى الدراسة للإجابة عن السؤال: كيف يُشكل التفاعل بين العلم والفلسفة في الحقبة المعاصرة فهمنا للمعرفة ومستقبل الإنسان؟

1.قراءة العلماء لأنساق الفلاسفة في الحقبة المعاصرة
السياق التاريخي والمعاصر
في الحقبة المعاصرة، يتزايد اعتماد العلماء على الأنساق الفلسفية لفهم الأسس النظرية والأخلاقية لأبحاثهم، خاصة في مجالات مثل الفيزياء النظرية، علم الأحياء، والذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، يستلهم الفيزيائيون النظريون مثل ستيفن هوكينغ وماكس تيغمارك من الفلسفة الوضعية المنطقية وأعمال كارل بوبر لتطوير مناهج التفسير العلمي. كما أن علماء الأحياء، مثل ريتشارد دوكينز، يتفاعلون مع الأنساق الفلسفية المتعلقة بالتطور والأخلاق لفهم دلالات نظرية التطور.

مقدمة
يُمثل الإدراك البشري (Perception) أحد الموضوعات الأساسية في الفلسفة، حيث يتناول العملية التي يترجم بها العقل البشري المعطيات الحسية إلى معرفة. يتمحور النقاش الفلسفي حول الإدراك حول سؤال أساسي: هل الإدراك عملية موضوعية تعكس الواقع كما هو، أم أنه ذاتي يتشكل وفقًا لتجارب الفرد وتصوراته؟ هذا المقال يهدف إلى استعراض التمايز المصطلحي بين الذاتية والموضوعية في سياق الإدراك، ثم استكشاف إمكانية التكامل المعرفي بينهما، مع الاستناد إلى التراث الفلسفي وآراء فلاسفة مثل ديكارت، كانط، وهوسرل، إلى جانب الإسهامات الحديثة في فلسفة العقل وعلم الإدراك.
التمايز المصطلحي: الذاتية والموضوعية
يُعرف الإدراك في الفلسفة بأنه العملية التي يتم من خلالها تفسير البيانات الحسية لفهم العالم الخارجي. يتمحور التمايز بين الذاتية والموضوعية حول مصدر المعرفة وطبيعتها:
الذاتية (Subjectivité): تشير إلى الإدراك كتجربة فردية تتأثر بالعوامل الشخصية مثل الخلفية الثقافية، العواطف، التجارب السابقة، والتحيزات المعرفية. في هذا السياق، يُنظر إلى الإدراك كعملية داخلية تعكس حالة الذات أكثر من الواقع الخارجي. على سبيل المثال، يرى الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت في كتابه التأملات في الفلسفة الأولى (1641) أن المعرفة الحسية قد تكون خادعة، وأن اليقين الحقيقي يكمن في الذات الواعية ("أنا أفكر، إذًا أنا موجود").
الموضوعية (Objectivité): تفترض أن الإدراك يمكن أن يعكس الواقع كما هو، مستقلًا عن الذات الفردية. هذا الموقف تجسد في الفلسفة الواقعية، التي تؤكد أن هناك عالمًا خارجيًا موجودًا بغض النظر عن إدراكنا له. على سبيل المثال، يرى جون لوك في مقال في الفهم البشري (1689) أن الأفكار تنقسم إلى صفات أولية (موضوعية مثل الحجم والشكل) وصفات ثانوية (ذاتية مثل اللون والطعم).
التمايز بين الذاتية والموضوعية يطرح إشكالية فلسفية عميقة:
هل يمكن للإدراك أن يكون موضوعيًا بالكامل، أم أن الذاتية جزء لا يتجزأ منه؟ هذا السؤال قاد إلى انقسامات فلسفية بين التيارات المثالية (Idéalisme)، التي ترى أن الواقع يعتمد على الذهن (كما عند بيركلي)، والتيارات الواقعية (Réalisme)، التي تؤكد وجود عالم مستقل.

الملخص :
تتناول هذه المراجعة بالنقد والتحليل كتاب: "كيف تنقلب سبع رذائل للحداثة إلى فضائل: فلسفة الحضارة في سياق المكابدة والمنهجية الاستئلافية"، للدكتور أحمد زهاء الدين عبيدات (2024)، والذي يسعى في تضاعيفه إلى تحويل الرذائل الحداثية إلى موارد أخلاقية عبر ما يسميه بالمنهجية "الاستئلافية".
تنطلق المراجعة من تفهّم تأويلي للرهانات التي يحملها المشروع، لكنها تُبيّن حدوده البنيوية، وتقدّم بديلاً تأويليًا صيروريًا يرتكز إلى فلسفة "الرباط"، بوصفها أفقًا يضمن التوتر الحي ولا يخضعه لمنطق التسوية. كما تسعى إلى مساءلة الأساس الفلسفي العميق للمنهج المعتمد، وتُظهر المحدودية النظرية للمقاربة إن قُرئت في ضوء نقدي للمرجعية البراغماتية التي تسكن خلفيتها التأويلية.
يسلط هذا المسار البديل الضوء على الكرامة الأخلاقية، والنضال التاريخي، والمفهوم الميتافيزيقي لـ"الوجه" بوصفه أفقًا للتمايز المفعم بالمعنى، مقدِّمًا قراءةً صيرورية ووجودية لانسدادات الحداثة.

الكلمات المفتاحية:
الحداثة، المفارقات، نقد القيم، التوتر الأخلاقي، فلسفة الصيرورة، الفردانية، العلمانية، التكنولوجيا، الفكر ما بعد الحداثي، الفلسفة العربية.

  • مدخل إلى القراءة النقدية

يقع كتاب "كيف تنقلب سبع رذائل للحداثة إلى فضائل: فلسفة الحضارة في سياق المكابدة والمنهجية الاستئلافية"، الصادر عن دار خطوط وظلال، عمّان، سنة 2024، في 138 صفحة.
وهو كتاب يندرج ضمن حقل التأملات الفلسفية في القيم والحداثة، ويطمح إلى مساءلة الخطاب الأخلاقي السائد عبر استراتيجية تحليلية جديدة، يعتبرها المؤلف خروجًا عن الثنائيات المتصلبة التي حكمت النظر إلى الحداثة بين رفض محافظ أو قبول ليبرالي.

لا تنطلق هذه القراءة من رغبة في التفنيد ولا من موقف إيديولوجي مسبق، بل من التزام فلسفي يرى أن العمل في حقل القيم لا يُقاس بمرونة الأدوات فقط، بل بقدرتها على حفظ التوتر الأخلاقي، واحتضان المكابدة الوجودية.

فكتاب "كيف تنقلب سبع رذائل للحداثة إلى فضائل" يقدم اجتهادًا تأويليًا ذكيًا في تجاوز الثنائية الحادة بين التبشير والتكفير بالحداثة، ويقترح أدوات تحليلية تستند إلى مفهوم "العنقود الاستئلافي" لتفكيك المفارقات الأخلاقية.

غايتنا هنا ليست تقويم النوايا، بل مساءلة المفهوم: هل يمكن لتحليل قائم على منطق التجاور والدمج أن يُوفي للتصدعات الأخلاقية حقها؟ وهل تكتمل الكرامة في بنيةٍ لا تُقيم وزنًا للتوتر ولا تسمع صدى المكابدة؟

تعريف بالورقة:
صعوبة تلخيص مباحث هذه الورقة في اختلافاتها وفي تداخلاتها، التي غالبا ماتأخذنا الى استطرادات متفرعة عنها، لكنها ذات اهمية كبيرة في توضيح القضايا التي تحاول الورقة الاحاطة بها في توصيل المضامين المحورية فيها، من منظور منهج جدلي- تخارجي غير دوغمائي الذي ينطلق من يقينيات اصابها الكثير من النقد الذي زعزع جوانب عديدة في ادانة الجدل وبالتحديد الديالكتيك الماركسي الذي غالبا ما اتهم في تطويع حقائق المعرفة ومباحث الوجود والتاريخ في الفلسفة الى منطلقات قبلية صارمة غير منفتحة على التطور الحاصل في الحضارة البشرية المعاصرة بمفاهيمها الجديدة التي دخلت في سباق دائم مع كل من معطيات الفكر والعلم ومباحث الفلسفة والمعرفة عموما.

من هذه المفردات الفلسفية المتعالقة تخارجيا معرفيا مع بعضها، الوجود، الماهية، الوعي الذاتي / وعي الموضوع،/ اللغة في اشتغالاتها المحورية في الفلسفة المعاصرة، / العقل او اللوغوس،/ التفكير والتجريد، / وكذلك علاقة الخيال المنتج بصنع الواقع والحضارة، الخ.

حاول كاتب هذه السطور تناول جوانب فلسفية متعالقة ضمن اشكالات تعريفية غير محسومة على صعيد التناول الفلسفي، عند كبار الفلاسفة منهم لا الحصركيركاجورد، هيجل، كانط، ديكارت، هوسرل، سارتر وهيدجر، واخرين سواء ممن مهدوا لظهور المذهب العقلاني عند ديكارت، وفي الكوجيتو انا أفكر تحديد آلية عملية التفكير في توكيده الموجود الانطولوجي ووعي الذات، او الذين جاؤوا بعده موجهين النقد الفلسفي له في تبنيهم الوعي القصدي.

يذهب بنا التداخل في موضوعات فلسفية متداخلة في تضمين الورقة ثلاثة مواضيع هي : الوعي والخيال واهميتهما المتكافلة في تقدم الحياة والحضارة، الثانية هي علاقة اللغة بالوجود والاشياء، والمبحث الثالث في جدلية تخارج الوجود والماهية.

 الوعي والخيال الانساني                      

الوعي ذات ادراكية انفعالية ناقدة في فهم الواقع وتحليل ظواهره ومعطياته وعلاقة الانسان بالطبيعة كمعطى اولي متداخل بالوجود الانساني (الذكي ) على الارض.

أن خاصية الانسان البدائية والبدئية في صناعته التاريخ انثروبولوجيا وسيرورة تقدمه الحضاري بدءا من عصر الصيد والالتقاط تم بالمفارقة عن حياة الحيوان بحيازة الانسان الذكاء وفي القدرة على اعمال العقل والتفكير الخيالي.

باشلار ومنهج تشيييء الزمان
حين ينعكس الفهم الراسخ لدينا أننا لا نستطيع إدراك الذات ولا النفس ولا الزمان بمنطوق منهجي فلسفي جامع واحد يتقبل أو يلغي فروقات الجمع بين هذه المفاهيم الفلسفية الثلاث (الزمان، الذات، النفس) حتى على صعيد الربط الميتافيزيقي بينهم. فهذا يوجب علينا توّخي الحذر الشديد حين نتعامل مع الذات في تعالقها مع النفس والزمان بالمنطق الفلسفي كتجريد يحمل دلالاته المحمولة في إمكانية التصور الادراكي للزمان والنفس كموضوعين.

لكن هذا ليس كافيا أمام إصطدامنا بحقيقة أن كل موجود ندركه في الطبيعة يمكننا رد كل اشكالياته المتداخلة بعضها مع البعض الآخر الى مرجعية ميتافيزيقية تحتويه كما تحتوي كل شيء وموجود وظاهرة في الوجود والطبيعة والكوني. وهو ما سار عليه برجسون ومن بعده باشلار إنهما إن صح التعبير أنسنا الميتافيزيقا من حيث هي تجريد عقلي يعلو الطبيعة والانسان الى موجود متعيّن انطولوجيا.

وهذه الميتافيزيقا بحسب فلسفة باشلار هي المحدود زمانيا بألمنطق الفلسفي الذي يريد دراسة تعالق الذات والنفس بالزمان كمحدودات متعيّنة وجودا ندركها وليست جواهر مفهومية يصعب تناولها انطولوجيا أو حدسا إدراكيا، أي الزمان نفسه يصبح متعيّنا بدلالة ما يحتويه من موجودات تعرف بدلالتها الزمانية وليست المكانية فقط.

ميزة الميتافيزيقا أنها تمنحنا القدرة والحرية كاملة في أن نقول ما لا يقبله العقل والمنطق الفلسفي قوله والتعبير عنه دونما رقيب ممانع من أحد يصفنا أننا نحرث في بحر. والصعوبة عندما نعامل مفاهيم انطولوجية مثل الذات والنفس بمنهج التفكير الميتافيزيقي للزمان بنفس المنهج...أي أننا وبحسب فلسفة باشلار نجعل الزمان مدركا بدلالة إدراك العقل للوجود.

هذه الاشكالية المتداخلة بين الذات والنفس والزمن رغم الفروقات الشاسعة المختلفة المتنوعة بينهم نجد يعاملها كل من برجسون وباشلار على أنها نوع من الحدس الميتافيزيقي الذي يمكننا إدراكه ذاتيا - نفسيا في حدود سايكولوجيا النفس ومطلق الزمان حين تحدّه النفس والذات بالإدراك المباشر خياليا إستذكاريا مصدره الذاكرة التخييلية.. على أن الأخير الزمان لايحضرمطلقا لامتناهيا ولا غير محدود بفضاء وجودي ولا تدرك صفاته الخارجية ولا ماهيته تجريدا إدراكيا لكنه يحضر كمدرك متعيّن انطولوجيا بدلالة غيره مثل إدراكنا النفس والذات كما فعل برجسون ومن بعده باشلار. هنا يتعامل باشلار مع الزمان إستذكارا مصدره الخيال النفسي الرومانسي ولا يعامله بمطلقه الازلي.

يشير هنري برجسون في معرض علاقة الوعي بالذات والاشياء قائلا " اننا لا ننقطع عن التفكير في ذاتنا الا لكي نفكر بالاشياء. وكذلك فإن هجر الاشياء يعني حكما العودة الى ذاتنا" 1 ويضيف " الفكر كوجود دائم هيولي زمني " 2.

تفكير الذات تجريدا هو تفكيرها في جواهرها وفي الاشياء كينونة موجودية واحدة. اذ لا يعي الوعي التفكير بغياب موضوعه من الاشياء المادية أو من الموضوعات الخيالية، والتفكير الذاتي هو تفكير تعاقبي ضمن سيرورة دائمية لا إنقطاع فيها مطلقا. التفكير الذاتي بالاشياء هو ليس لإثبات الوجود الانطولوجي بالمغايرة الإدراكية...بل تفكير الذات بالاشياء هو تفكير قصدي يبغي المعرفة وليس الادراك الحسّي الشيئي فقط الذي هو واجب ما تقوم به الحواس. اما عن عبارة برجسون الفكر وجود دائم هيولي زمني فهي خاطئة تماما. الفكر سيرورة من التعاقب اللازمني. بمعنى الزمن يحتوي الفكر بحيادية تامة.

الأهم الذات لا تتكافأ مع مدركاتها من الاشياء المادية ولا مع المواضيع التي مصدرها الذاكرة الخيالية، ليس من حيث أن مدرك الذات الانسانية من الموضوعات والاشياء لا يمتلك قابلية الجدل مع الذات التي تدركه، بل ومن خلال إنعدام المجانسة النوعية الماهوية بين الذات كتجريد واع مع الاشياء كوجود مادي غير تجريدي مستقل في العالم الخارجي لا تربطهما مجانسة نوعية. وهذه الميزة عدم المجانسة النوعية تبطل الديالكتيك الذي يؤكد وحدة المجانسة النوعية في التضاد الذي يلغي احد طرفي التضاد في بقاء الاخر. فلا الفكر بمستطاعه الغاء الواقع ولا الواقع بمستطاعه الغاء الذات التي تفكر. ومن المحال دخولهما في جدل ديالكتيكي.

الخاصية الماهوية للذات هو الوعي الإدراكي التجريدي في معرفة الاشياء المادية والتعبير عنها بالفكر واللغة. في حين تبقى مدركات الذات موجودات مستقلة لا تمتلك قابلية التعبير عن نفسها حضوريا من دون ذات تدركها ويحتويها تعبير اللغة.

ولا يتموضع الادراك الفكري اللغوي الذاتي بمدركاته الشيئية المادية والخيالية ويبقى الادراك تجريدا منفصلا عنها. موضعة الذات بمدركاتها استحالة عقلية. فالذات لا يمكن لها ان تكون جزءا من موضوعها الذي تدركه..

البنية اللغوية في موازاة الواقع
هل تراجعت اللغة كنسق نظامي مستقل في تعبيرها عن الوجود؟ وهل أصبحت جوهرا محايدا في فلسفة اللغة وتيارات فلاسفة التاويلية والتفكيكية والتحليلية المنطقية في تعبيرها عن المعنى الدال وتراجعت مهمة التواصل المجتمعي الى مرتبة ثانوية في خلق اللغة عوالمها الموازية لعالم الواقع الحقيقي لا تقاطعه ولا تحتدم معه بصراع ولا تتناغم معه كتكوين متموضع تجديدي؟ هل تنازلت اللغة عن مهمتها في تحقيقها الإدراك الشيئي القائم على مطابقة الدال اللغوي مع المدلول الشيئي مطابقة تامة تجعل من المدركات الشيئية بديهيات معرفية لا تقبل التشكيك بها، بعدما إكتسبت تلك الاشياء البداهة الحدسية الموجودية في مطابقة الدلالة اللغوية مع وجودها الشيئي زمكانيا.؟

فلسفة اللغة أدخلت مبحث اللغة في دوامة من المتناقضات التي إعتبرها فلاسفة اللغة وعلوم اللسانيات وفلاسفة مبدأ التحول اللغوي علي يد كل من فريجة ودي سوسير، وفلاسفة اللغة، ونظرية القراءة الجديدة وحفريات النص في تقصّي البحث عن فائض المعنى اللغوي  . المعنى غير المكتشف في ثنايا تداولية اللغة بمثابة محاولة عملية إنقاذ فاشلة لمباحث الفلسفة من تقليديتها الخاوية المفرغة من مرحلة الاحتضار والموت البطيء التي كانت تعانيه طيلة قرون طويلة في دورانها المتمركز حول الانسان والمعرفة والوجود والطبيعة والعلاقات البينية بين تلك المباحث وغيرها.. ما اقصده هنا هو تشخيص الاعتلال والمرض لا يعني إمكانية الشفاء منه كما حاولته تيارات ومدارس فلسفة اللغة والتحويل اللغوي وفشلت.

الحقيقة التي لا يمكن القفز من فوقها أن التيارات الفلسفية التي عمّت وسادت اوربا وامريكا بعد أفول نجم البنيوية التي رافقت بكل إمكاناتها طروحات مرحلة ما بعد الحداثة، لم تحقق الطموح الذي كانت تتوخاه من عملية التحول اللغوي وإعتماد علوم اللسانيات وفلسفة اللغة وما يتفرع عنها في محاولة إدخال فلسفة اللغة في كل مبحث فلسفي أو مبحث معرفي حتى وصل الحد تجاوز إدخال الفلسفة بعلوم الفيزياء الى إدخالها في علوم الرياضيات وباقي العلوم الطبيعية التي تمتلك خصائصها النوعية التي تقاطع منطق الفلسفة تماما. ليس في إختلاف شكلية التعبير اللغوي بين الفلسفة التي تعتمد اللغة الابجدية الصوتية، وبين العلوم الطبيعية التي يكون تعبيرها اللغوي هو علامات ورموز ما يسمى بالمعادلات الرياضية . إنما الإختلاف أبعد من ذلك حول إهتمامات ما يشغل التفكير العلمي في تقاطعه مع ما يشغل مباحث الفلسفة. ولو نحن إستقصينا في جردة سريعة الإخفاقات التي رافقت فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ولم تنجز اليسير مما كان يمّثل طموحا مرتجى صدر عنها وأعلنت هي عنه، فلا البنيوية ولا التاويلية ولا حتى نهايات الوجودية الحديثة، ولا التفكيكية، ولا العدمية ولا التحليلية المنطقية الانجليزية جميعهم منفردين ولا حتى متداخلين لم يتمكنوا من إسعاف بعضهم البعض ولا إستطاعوا إنجاز ما كانوا يأملونه من توظيفات فلسفة اللغة وعلوم اللغة واللسانيات بما لا يمكن حصره من مباحث وقضايا كانت فلسفة اللغة على الدوام توازيها ولا تتقاطع أو تتداخل معها حينما كانت غارقة في مثالية إعتماد مركزية اللغة هي الحل السحري لمشاكل وقضايا  تاريخ الفلسفة المستعصية أو  الميئوس منها..