مقدمة
يُعتبر ريتشارد رورتي (1931-2007) أحد أبرز الفلاسفة البرغماتيين في القرن العشرين، وقد أثار جدلاً واسعًا بسبب مقاربته الجريئة لإعادة تعريف منزلة الفلسفة في عالم الثقافة المعاصر. من خلال كتاباته، مثل الفلسفة ومرآة الطبيعة ( 1979) والطوارئ والتضامن والعرضية (1989)، يقترح رورتي إعادة صياغة الفلسفة كأداة ثقافية تخدم الحوار الاجتماعي والسياسي بدلاً من البحث عن "حقائق مطلقة" أو تقديم أسس ميتافيزيقية للمعرفة. تتناول هذه الدراسة منزلة الفلسفة في عالم الثقافة اليوم من منظور رورتي البرغماتي، مع التركيز على مقاربته الجديدة التي تؤكد على دور الفلسفة كممارسة سردية وتفسيرية، تهدف إلى تعزيز التضامن الإنساني وإعادة تشكيل الخيال الثقافي. يعتمد المقال على تحليل أكاديمي معمق، مع الإشارة إلى المراجع والتعليقات النقدية، لاستكشاف كيفية تطبيق هذه المقاربة في سياق العالم المعاصر.

البرغماتية الجديدة عند رورتي: إعادة تعريف الفلسفة

نقد الفلسفة التقليدية

يبدأ رورتي نقده للفلسفة التقليدية بالهجوم على فكرة الفلسفة كنسق معرفي يسعى لتقديم تمثيلات دقيقة للواقع، كما تجسد ذلك في الفكر الديكارتي والكانطي. في الفلسفة ومرآة الطبيعة، يجادل رورتي بأن الفلسفة التقليدية، التي ترى نفسها "مرآة" تعكس الحقيقة الموضوعية، قد فشلت في تحقيق أهدافها بسبب اعتمادها على افتراضات ميتافيزيقية غير قابلة للإثبات[1]. يرى رورتي أن الفلسفة يجب أن تتخلى عن طموحها لتكون "حارسة العقل" أو مصدرًا للحقائق المطلقة، وأن تتحول إلى ممارسة ثقافية تهدف إلى تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل

البرغماتية كبديل

تستلهم البرغماتية الجديدة عند رورتي من أعمال فلاسفة مثل ويليام جيمس وجون ديوي، ولكنها تذهب إلى أبعد من ذلك بتبني منظور "ما بعد ميتافيزيقي". يقترح رورتي أن الفلسفة يجب أن تكون "تأويلية" بدلاً من "ابستيمولوجية"، أي أنها يجب أن تركز على إعادة صياغة السرديات الثقافية والاجتماعية بدلاً من البحث عن أسس معرفية ثابتة[2]. في هذا السياق، تصبح الفلسفة أداة لتوسيع "المفردات" الثقافية، مما يسمح للمجتمعات بإعادة تصور ذاتها وخلق معانٍ جديدة تتناسب مع تحديات العصر.

منزلة الفلسفة في عالم الثقافة اليوم

الفلسفة كحوار ثقافي

في عالم الثقافة المعاصر، يرى رورتي أن الفلسفة يجب أن تلعب دورًا في تعزيز الحوار بين الثقافات المختلفة، لا سيما في ظل العولمة وتعددية الهويات. يجادل رورتي بأن الفلسفة يمكن أن تساهم في بناء "التضامن" الإنساني من خلال إنتاج سرديات مشتركة تعزز التفاهم المتبادل، بدلاً من فرض أطر ميتافيزيقية صلبة. على سبيل المثال، في الطوارئ والتضامن والعرضية، يقترح رورتي مفهوم "الليبرالية الريبية"، حيث يدرك الفرد عَرَضية معتقداته ومع ذلك يلتزم بقيم مثل الحرية والعدالة كوسيلة لتعزيز التضامن الاجتماعي[3]. في عالم اليوم، حيث تتصاعد التوترات الثقافية والسياسية، يمكن لهذه المقاربة أن تساعد في بناء جسور بين الثقافات المتنوعة، مثل الغربية والإسلامية أو الشرقية، من خلال الحوار بدلاً من المواجهة.

تقديم
بدءا أقر بأن عنونة المقال بين الاتصال والانفصال في الزمان خاطئة من وجهة نظر فلسفية وكوزمولوجية علمية اناقشها في اسطر لاحقة بأعتبارها مجازا في التعبير اللغوي ولا تعبّرعن حقيقة فيزيائية وسلامة تطبيقية زمانية يقبلها علم الكوزمولوجيا، علما أن المقولة مأخوذة عن ارسطو نقلا عن المفكر عبد الرحمن بدوي فلسفيا.

فالزمان مفهوم تجريدي شامل لا يتقبّل أن يكون موضوعا لإدراك عقلي لا بالماهية ولا بالصفات وأنما يكون إدراكه بالدلالة الإدراكية المرصودة لحركة الاجسام والاشياء وتكوينات الطبيعة المتعالقة بالزمان إدراكا تجريديا..لذا من المتعذر رصدنا الانفصال أو الاتصال داخل الزمان لأنهما ليستا خاصيتين له يمكننا إدراكهما.فالزمان مفهوم واحد متجانس الصفات والماهية، وكلتاهما غير مدركتين بالانفصال عن بعضهما بل هما استدلال يمكن إدراكه الحدسي بدلالة الزمان كمفهوم ميتافيزيقي.

والزمان ماهية وصفات غير مدركتين لا تتجانس الا مع ذاتها لعدم وجود ما يتجانس معها لا بالاتصال بها ولا بالانفصال عنها. الزمان جوهر نوعي موحد قائم بذاته يدرك بدلالة حركة الاجسام بداخله.. ولا يوجد زمانان اثنين او اكثر كما يحلو للبعض ذلك. وكل استنساخ لعدة طبعات من الزمن مثل الزمن النفسي، والزمن التاريخي وغيرها هي تقلبات نفسية ولا علاقة للزمن بها.

ثم أن الزمان وحدة كليّانية واحدة كجوهر غير مدرك كمفهوم وماهية وصفات ولا يقبل الانقسام والتجزئة ولا يتقّبل الاتصال بغيره من ماهيات غير مجانسة له زمانيا غير موجودة حيث لا يوجد فرق ماهوي ولا صفاتي لشيء في الزمان ذاته لا تحتويه الكليانية الماهوية والصفاتية للزمان كجوهر غريب عن الماهية والصفات قريب منهما بالإدراك الزماني كدلالة.

وليست هناك صفات لا تجانسه من غيرمجانسة الزمان لذاته كجوهر غير مدرك عقليا الا بدلالة غيره من الاجسام. بمعنى الزمان هو في حالة أبدية سرمدية ازلية من وجود ملازمة الاتصال الذي لاينفصل ولا يتجزأ بالمزامنة له الذي يرفض القطع أو الانقسام لذا فمقولة الاتصال والانفصال الزمانيين لا معنى لها من الناحية الفيزيائية العلمية كوزمولوجيا. بضوء حقيقة الزمان هي وحدة اتصال بالمكان كليّانية قائمة بذاتها مكتفية تجانسيا لا تقبّل اتصالا كيفيا(نوعيا) بغيرها وفي عبارة أرسطو تاكيد لذلك قوله (لا يحد الزمان بالزمان) وهي عبارة عميقة المعنى في التعبير عن الوحدة الكليانية المفهومية للزمان الكوني.

الإدراك واللغة
(من الممكن الاستغناء عن اللغة للوصول الى الانطولوجيا). عبارة فلسفية خاطئة

خطأ هذا التعبيرالفلسفي السفسطائي يكمن في محاولة أستبدال وسيلة اللغة الإدراكية التجريدية (بالإدراك) المباشر الحسي الانطولوجي الاستبطاني المجرد من اللغة وهو محال أن نجد إدراكا مجردا من لغته. فالإدراك هو تفكيرحسي لغوي وليس مجرد أحساسات لا تمتلك صورتها اللغوية التجريدية... وهذا الاتجاه الفلسفي بمقدار ما يحمله من أدانة واضحة الا أن فلاسفة الوضعية المنطقية التجريبية حلقتي فينا وحلقة اكسفورد التحليلية أخذا كليهما بهذا الاحتمال.

ويحمل هذا التعويل الخاطيء على أن إدراك الاشياء في وجودها الانطولوجي حسيا داخليا يعني أن تلك الإدراكات الحسية هي لغة تعبير تواصلي لا تعتمد وسيلية اللغة في إدراكها الاشياء، وهو خطأ لا يمكن تمريره فالإدراك الحسي هو لغة تمّثل تجريدي ايضا لا تختلف عن أية لغة تواصل. الإدراك هو لغة تصورية تجريدية لا تخرج على أبجدية اللغة التواصلية العادية. بعبارة توضيحية أكثر الإدراك ليس بمقدرته أختراع لغة إدراك خاصة به تختلف في بنيتها التركيبية نحويا وبلاغيا وقواعد هي غير نمط وشكل لغة التعبير العادية التي يتحدث بها مجتمع معين أوقوم من الاقوام او أمة معينة.. الإدراك تمثّل لغوي تجريدي للاشياء لا يتموضع بها ولا يكون جزءا منها.

وإدراك الحواس ماديا لا يمكن ترجمته الى أحساس مفهوم المعنى والدلالة من غير لغة تحتويه وتعبّر عنه... أذ لا يمكن تحقيق إدراكا حسّيا عن شيء لا يحمل لغة إدراكه التجريدية معه، كل إدراك حسّي عن شيء وكل إدراك غير حسي خيالي عن موضوع لا يمكننا فهمه من غير تلازم تعبير اللغة عنهما خارجيا أو استبطانا صامتا.. توجد عبارة خالدة للفيلسوف الامريكي العبقري اوليفريد سيلارز قوله (الوجود لغة). سيلارز بعبارته هذه اختزل مجلدات في مبحث فلسفة اللغة.

الإدراك الحسي يبقى لغة صمت مضموني لا يستطيع الافصاح عن نفسه من غير توسيل تعبيرشكل اللغة التواصلية الاعتيادية المنطوقة.. بالمختصرالمفيد الإدراك لغة خرساء صماء موجودة بالذهن ولا يمكن تحققها بالواقع كلاما وتعبيرا من غير وسيلية تعبير اللغة الافصاح عنها كموضوع. لذا يكون من المشكوك به أمتلاك الإدراكات الحسية مصداقية تعبيرية عن الموجود الانطولوجي بمعزل عن اللغة التواصلية أكثر مما تستطيع التعبير عنه. وكلا التعبيرين لغة الإدراك الصمت ولغة الافصاح الصوت هما لغة واحدة لا أنفكاك بينهما، من حيث ترابطهما الابجدي في تكوين الكلمات الصوتية والجمل. الصمت واللغة هما تعبير واحد لتفكير العقل.  

الزمان الفيزيائي
 لا يوجد زمان نفسي وزمان علمي او زمان طبيعي او زمان تاريخي او زمان فيزيائي وهكذا، وانما يوجد زمان افتراضي واحد هو الزمن الوجودي فقط. والزمان بالمنظور الفلسفي المجرد من الإدراك ماهويا يقاس بدلالة مقدار حركة موجوداته داخله و يمكننا تّمثله بمنحيين جوهريين :

  • زمان أرضي كتحقيب توقيتي وزماني معا يشمل الماضي كتاريخ ناجز والحاضر والمستقبل كتحقيبين تصنيعيين بإرادة ذاتية تدرك زمن موجودات الطبيعة فيه بدلالة حركة الاجسام داخله.
  • الزمان كمطلق كوني لامتناهي أزلي لا يمكن إدراك لامتناهيه بمحدودية مستحيلة على الصعيد الفلسفي خارج مدركات العقل له، وتبقى نسبية ومطلق الزمان الكوني من إختصاص قوانين علوم الفيزياء خارج الفهم الفلسفي المجرد بعيدا عن التجربة العلمية..

حين نقول الزمان هو تحقيب على صعيد موجودات الطبيعة وحركة كوكب الارض حول نفسها وحول الشمس، هنا يتحول مفهوم الزمان من مطلق لانهائي أزلي غير محدود لا بالصفات المجردة ولا بالجوهر الماهوي الى تحقيب زمني أرضي (وقت) ندركه بدلالة حركة الموجودات التي يحتويها، فالزمان الارضي يدرك بدلالة ملازمته إدراكنا المكان ثابتا ومتحركا أوضمن حالة من سيرورة انتقالية دائمة في حركة الاشياء. يلاحظ اننا نستعمل لفظة الزمان هي المرادف لكلمة وقت، وهو استعمال خاطيء. فالوقت هو غير الزمن.

الزمان الارضي المنقسم إفتراضيا الى ماض وحاضر ومستقبل يكون على مستوى تحقيب زماني لتاريخ يدرك بمحدودية وقت وقائعه، ويكون الزمان الارضي توقيتا تتوزعه الثانية فالدقيقة والساعة واليوم والاسبوع والشهر والسنة وصولا الى الفصول الاربعة، فهذه القطوعات الزمنية الافتراضية الوهمية من حيث أن الزمن واحد لا يمكن تجزئته فهو وحدة واحدة من المجانسة الماهوية التي يتصف بها الزمن ولا يدركها الانسان كتجريد منفصل عن المكان.، وهذه القطوعات الزمنية نعرفها بدلالة قوانين الفيزياء التي تنّظم حركة الارض حول نفسها وحول الشمس، وعلاقة تلك الحركة بحركة الجاذبية الارضية والجاذبية الكوكبية الكونية حول مركز الشمس والجاذبية المتعالقة بين الكواكب في السديم الفضائي الكوني.

ونلاحظ هذه العلاقة ازدواجية الزمن تحقيبا تاريخيا وتوقيتا ارضيا من جهة وكونيا من جهة اخرى يمكننا بها تفريق الزمان أن يكون تحقيبا لتاريخ ندركه بدلالة وقائعه الثابتة في الماضي ليصبح توقيتا لزمان دائب الحركة التغييرية حاضرا ومستقبلا.

الماضي زمان إفتراضي نسبي بدلالة تغيرات الحاضر وتصنيع المستقبل لنفسه ذاتيا على حساب معطيات الحاضر المتحركة المتغيرة على الدوام. ونسبي ايضا لأننا ما زلنا لا نستطيع الجزم القاطع أننا أصبحنا نعرف كل شيء عن الماضي لسببين : الاول لم يعد كل شيء يخص الماضي دراسة علمية تاريخية متاحا امام المؤرخين في اكتشافاتهم الاركيولوجية الاثارية وفي اللقى والعثور على بعض الكتابات التدوينية كافية توصلهم لحقائق يقينية موثوقة عن الماضي كتحقيب تاريخي.

كيفية إدراك الظواهر؟ العالم الفوقحسي كمجال للقوانين
تسمح لنا لعبة القوى كجهاز مفاهيمي بتأسيس موقف جديد بالنسبة إلى الموضوعية، ما دام يُنظر إلى المحسوس بعد ذلك على أنه نتيجة لتفاعلاتها؛ لكن من الواضح أن هذه الحركة يمكن أن تظهر وكأنها اغتراب عن العالم المحسوس. بالفعل، إذا اعتبرنا نتاج لعبة القوى، فإن ما يقدم نفسه لنا يوميا ليس موجودا كما يبدو، ليس إلا ظاهرا، أو أن المحسوس ليس سوى "ظاهرة أو ظهور". لذلك يبدو أن هيجل يقترح للحظة، وللحظة فقط، رؤية أفلاطونية وثنائية بشكل أساسي للعالم من حولنا، ما دام أنه: "من الآن يبدأ في الانفتاح، فوق العالم المحسوس بقدر ما هو عالم الظواهر، عالم فوقحسي، باعتباره العالم الحقيقي، فوق العالم السفلي الذي يختفي، والعالم الآخر الذي يبقى".
لكننا لا نستطيع أن نكتفي بتفسير دوغمائي للتمييز بين الحسي والفوقحسي. بالفعل، إذا تخيلنا أننا قادرون على الوصول إلى عالم آخر من خلال الفهم، فسوف نظل بحاجة إلى معرفة كيف يجب أن يكون الأخير مأهولا، إذا جاز التعبير. مع ذلك، إذا لم نتوفر على محتوى ما يبدو لنا أنه يشكل هذا العالم الفوقحسي، فإنه يتميز بشكل أساسي بفراغه الفلكي. إن باطن الأشياء إذن هو مجرد عالم آخر فارغ بكل بساطة، ما دام أننا لم نصفه إلا بأنه سلب للظاهرة أو ما لم تكنه الظاهرة. لذلك ينكر هيجل على الفور الفكرة القائلة بأن الفهم يتوفر على نمط محدد من التفكير يرتبط بمتعارضات محددة قد تقع خارج الظواهر وقد تشكل حقيقة هذه الأخيرة؛ بهذا المعنى، بدون العطاء المحسوس، تكون معرفتنا فارغة تماما بالنسبة إليه.
لكن هناك تفسيرا لهذه النتيجة لا يرغب هيجل في سماع أحد يتحدث عنه. قد يدعي بالفعل تاويل متشكك معين للفلسفة المتعالية الكانطية أننا لا نعرف شيئا آخر غير الظواهر، بمعنى أن الحقيقة لن تكون متاحة لنا بشكل نهائي. نحن نعلم أن هيجل يؤول الفلسفة الكانطية باستمرار (وخاصة في مقدمة كتاب "الظاهريات") كنوع من الانهزامية المعرفية بسبب التمييز الشديد بين الظاهرة والنومين (الشيء في ذاته) في كل شيء. من هذا المنظور، إذا بدا لنا الباطن فارغا، فذلك "لأننا لا نستطيع فهم باطن الأشياء"، أي أن قدرتنا على فهم الحقيقة ستكون في حد ذاتها مخطئة. لكن الأمر ليس كذلك، كما يعترض هيجل، فلا يجب أن نعتقد أن العقل باطل لأنه لا يميز شيئا في الفراغ؛ على العكس من ذلك، من المناسب تصحيح صياغة المشكلة التي تم طرحها بشكل سيء، لأننا من حيث المبدأ قمنا ببناء الفوقحسي كعالم آخر أو سفلي، كشيء متميز بشكل أساسي عن الظواهر نفسها. باختصار، يجب علينا أن نتبع القلاسفة الذين أتوا بعد كانط مثل فيشته وأن نتخلى عن شبح "الشيء في ذاته" الذي ليس سوى آخر ما بقي من الدوغمائية.

تمهيد

يُعتبر اللاوعي كيانًا نفسيًا، منفصلًا عن الوعي، وقادرًا على تطوير الأفكار. بهذا المعنى تتحكم آليات اللاوعي في معظم قراراتنا ومشاعرنا وسلوكياتنا. في هذه المداخلة، نركز على اللاوعي ونشرحه.

كما يشير الوعي واللاوعي إلى مجالات نشاط العقل، أو النفس، التي يدرسها التحليل النفسي.فما هو الوعي ؟ وماهو اللاوعي؟ وماهي العلاقة بينهما؟ هل يوجد تناقض أم تبادل للخدمات؟ ما تأثير اكتشاف اللاوعي على الحرية الإنسانية؟ ألا توجد حتمية نفسية؟ هل الحياة النفسية تختزل في اللاوعي؟

الوعي واللاوعي

الوعي هو حالة الفرد التي يعرف فيها من هو، وأين هو، وما يمكنه فعله أو لا يمكنه فعله في السياق الذي يجد نفسه فيه. وبشكل أعم، هو القدرة على "رؤية" الذات والتعرف عليها في أفكاره وأفعاله.

اللاوعي هو ما يفلت من الوعي.فما هو اللاوعي؟

يشير اللاوعي إلى عمليات حقيقية لا نعيها، ولا ندرك حدوثها داخلنا لحظة حدوثها. أما اللاوعي عند فرويد فيتحدد كما يلي: كان نشأة التحليل النفسي مع سيغموند فرويد هو ما ارتبط بفرضية اللاوعي: جزء من حياتنا النفسية (أي نشاط عقولنا) يستجيب لآليات لاواعية لا نملك نحن، كذوات واعية، معرفة واضحة ومباشرة بها. كتب سيغموند فرويد عام ١٩١٥ في كتابه "علم ما وراء النفس": "إن فرضية اللاوعي ضرورية لأن بيانات الوعي ناقصة للغاية؛ فكثيرًا ما تحدث لدى الأصحاء والمرضى أفعال نفسية تفترض، لتفسيرها، أفعالًا أخرى لا تستفيد من شهادة الوعي. تضعنا تجاربنا اليومية الشخصية في مواجهة أفكار تأتي إلينا دون أن نعرف مصدرها، ونتائج أفكار يبقى تفصيلها مخفيًا عنا."

آليات اللاوعي

بالنسبة لفرويد، يُمثل اللاوعي ذكرياتٍ مكبوتة تخضع للرقابة، وهي نفسها لاواعية، وتسعى بكل الطرق لإظهار نفسها للوعي من خلال التحايل على الرقابة. يمكن تحقيق هذا الظهور للوعي من خلال عمليات تمويه تجعلها غير قابلة للتمييز (مثل الأخطاء، زلات اللسان، الأحلام، أعراض المرض).

كيف تكتشف اللاوعي؟

هناك علاجاتٌ مُختلفة تُتيح لك اكتشاف اللاوعي.

الدوامة الحسية

الدوامة الحسية هي أسلوبٌ من أساليب التنويم الذاتي. يهدف هذا العلاج إلى تغيير مستوى وعيك من خلال تمكين لقاءٍ بين الوعي واللاوعي.

أحلام اليقظة الحرة

أحلام اليقظة الحرة هي أداةٌ للعلاج النفسي والتنمية الشخصية. يُبرز هذا العلاج صورًا مدفونة في اللاوعي لفكّ رموزها. ان الهدف من أحلام اليقظة الحرة هو تحرير المريض من عوائقه.

التنفس الهولوتروبي

التنفس الهولوتروبي هو تقنية تجمع بين فرط التنفس والموسيقى. يهدف هذا العلاج إلى استرجاع الذكريات والمشاعر المدفونة من خلال اللاوعي.

اللاوعي: قوة هائلة

تُظهر العديد من التجارب النفسية أن اللاوعي قوي جدًا، وأن آلياته تتحكم في معظم سلوكياتنا وخياراتنا وقراراتنا. لا يمكننا التحكم في هذا اللاوعي. التحليل النفسي وحده هو الذي يُمكّننا من فهم صراعاتنا الداخلية. ينطلق التحليل النفسي من خلال اكتشاف مصدر صراع اللاوعي "المكبوت" الذي يُسبب مشاكل حياتنا. إن محاولة تحليل أحلامنا، وزلات لساننا، وأفعالنا الضائعة، وما إلى ذلك، أمرٌ مهم لأنه يُمكّننا من سماع رغباتنا المكبوتة، دون الحاجة إلى إشباعها بالضرورة. في الواقع، إذا لم تُسمع رغباتنا المكبوتة، فقد تتحول إلى أعراض جسدية. فهل اللاوعي صديقنا أم عدونا؟

لا يُريد اللاوعي لنا الخير ولا الشر. في الواقع، اللاوعي موجود فقط لمنعك من السماح لأي شيء بالدخول إلى عالم الوعي قد يؤذيك، أو يضرك، أو يخيفك، أو يعطيك صورة سيئة عن أحبائك، على سبيل المثال. ان اللاوعي موجود دائمًا، لذا فإن الأفكار المكبوتة لا تُسكت أبدًا بما يكفي لنسيانها.

فهل يتناقض اللاوعي مع الحرية؟

نتصرف بحرية إذا كانت إرادتنا هي أساس أفعالنا، إذا لم يكن هناك أي عامل خارجي آخر (مثلاً، مسدس مصوّب نحوي) يُحدد اختياري. وإلا، فأنا أتصرف تحت الضغط. ولكن كيف نتأكد من عدم وجود دافع آخر يتدخل في قراري؟ إذا كان الدافع واضحاً كوجود مسدس مصوّب نحوي، فلا يُطرح هذا السؤال. ولكن لنفترض أن هناك عنصراً يُحدد إرادتي سراً، دون وعي مني؟ لذا، يبدو أن فرضية اللاوعي تُشكك في مفهوم الحرية ذاته. إذا كانت الدوافع اللاواعية هي التي تدفعني إلى التصرف بهذه الطريقة أو تلك، فكيف يُمكننا القول إنني حر؟ ومع ذلك، قد يتساءل المرء عما إذا كان لا ينبغي التشكيك في فرضية العقل اللاواعي ذاته. ألا تبقى حريتنا سليمة؟ لذا، يجب أن نسأل أنفسنا: هل تُشكك دوافع لاواعية تتدخل في أفعالنا في حريتنا؟

يُفنّد اللاوعي فكرة الذات العقلانية، المُتحكمة في أفعالها – عند فرويد. تشير فكرة اللاوعي إلى أن الذات ليست شفافة تمامًا تجاه نفسها، وأن هناك مجموعة من التمثيلات والصور والأفكار التي، بسبب طبيعتها المُقلقة، لا تصل إلى الوعي، بل تُكبت منه بشكل مُمنهج. ولكنها تُشير أيضًا إلى أن هذه التمثيلات تنجح أحيانًا في تجاوز حاجز الرقابة، لتأتي وتُؤثر على الوعي بطريقة مُقنّعة: يحدث هذا في الأحلام، أو زلات اللسان، أو بعض السلوكيات العصابية. هذا هو النمط العام الذي طرحه فرويد في جميع أعماله. في الموضوع الثاني، يُلخّص فرويد هذا برسم الخريطة التالية: يُمثّل "الهو" جميع التمثيلات المُقلقة، والخطيرة على الصحة النفسية، نظرًا لطبيعتها المُزعجة أو اللاأخلاقية. ويُمثّل "الأنا الأعلى" جميع القواعد الأخلاقية، التي تُشكّل أساس رقابة تمثيلات "الهو"، مانعةً إياها من الوصول إلى "الأنا". بما أن هذه الرغبات وتمثيلات الهو مكبوتة، فإنها لا تصل إلى الوعي. إنها لا واعية. ومع ذلك، فإنها أحيانًا تتجاوز حاجز الرقابة، وتُعدِّل نفسها بطريقة تُخدع الحاجز الذي يُشكِّله الأنا الأعلى. ثم تُحدِّد، دون قصد، بعض أفعالنا. العصاب مثال على ذلك. ويمكننا أن نرى كيف يُشكِّك هذا في حريتنا: فبعض أفعال الأنا العقلانية ليست تعبيرًا عن إرادتها، بل تُحدَّد سرًّا وبلا قصد من قِبَل عناصر لا واعية. يُلخِّص فرويد هذا بقوله في "مقالات في التحليل النفسي التطبيقي" إن الأنا ليست سيدًا في بيتها الخاص: في بعض الأمراض، وبالتحديد في العصاب الذي ندرسه، تشعر الأنا بالقلق؛ إذ تبلغ حدود قوتها في بيتها الخاص، الروح. تنبثق فجأة أفكار لا نعرف من أين أتت؛ ولا نستطيع طردها. حتى أن هؤلاء الضيوف الغرباء يبدون أقوى من أولئك الخاضعين للأنا. هكذا يسعى التحليل النفسي إلى توجيه الأنا. لكن الرؤيتين اللتين يقدمهما لنا: معرفة أن الحياة الغريزية للجنس لا يمكن ترويضها تمامًا فينا، وأن العمليات النفسية هي نفسها لا واعية، ولا تصبح متاحة وخاضعة للأنا إلا من خلال إدراك ناقص وغير مؤكد، هما بمثابة تأكيد على أن الأنا ليست سيدًا في بيتها. ولهذا السبب، يمثل التحليل النفسي، بعد الإهانات التي ألحقها كوبرنيك (الأرض ليست مركز الكون) أو داروين (الإنسان ينحدر من الحيوانات)، جرحًا نرجسيًا ثالثًا، كما يشير فرويد في مقدمة التحليل النفسي: سيُلحق البحث النفسي المعاصر دحضًا ثالثًا بجنون العظمة البشري، الذي يهدف إلى إظهار الأنا أنها ليست فقط ليست سيدًا في بيتها، بل إنها مُجبرة على الاكتفاء بمعلومات نادرة ومُجزأة عما يحدث، خارج وعيها، في حياتها النفسية. كما نرى، تُشكك فرضية اللاوعي في فكرة الحرية ذاتها. فإذا لم يعد مبدأ الأفعال هو الإرادة العقلانية للأنا فحسب، بل دوافع لا واعية تُحددنا سرًا، فإن أفعالنا لم تعد تُمارس بحرية. ولكن، هل اللاوعي حقيقة؟ أليس هو بالأحرى خرافة، ذريعة للهرب من حريتنا ومسؤوليتنا؟

اللاوعي ليس إلا أسطورة، ولذلك لا يُشكك في حريتنا

حريتنا قد تُخيفنا. من الصعب مواجهة الإمكانيات اللامحدودة المتاحة لنا واتخاذ قرار. من الأسهل بكثير اتباع الأوامر، أو اتباع مسار مُحدد مسبقًا، من التحكم في حياتنا وتحديد شكلها. الحرية تعني أيضًا تحمل مسؤولية أفعالنا المختلفة. من الأسهل بكثير التهرب من مسؤولياتنا واختلاق الأعذار: فعلتُ هذا لأن فلانًا طلب مني ذلك، إلخ. هذه هي نقطة انطلاق الوجودية عند سارتر: الحرية. الإنسان حر تمامًا لأنه لا وجود لجوهر الإنسان الذي قد يُقيده لأنه مُلزم بالامتثال له. بل هو الوجود، وهو يُشكل تدريجيًا، من خلال أفعاله وحياته بأكملها، ماهيته. ما يُقدمه سارتر في الوجودية هو الإنسانية: كتب دوستويفسكي: "لو لم يكن الله موجودًا، لكان كل شيء مباحًا". هذه هي نقطة انطلاق الوجودية. في الواقع، كل شيء مباح إذا لم يكن الله موجودًا، وبالتالي يُهجر الإنسان لأنه لا يجد في داخله ولا خارجه سبيلًا للتمسك. لا يجد في البداية أي أعذار. إذا كان الوجود سابقًا للماهية، فلا يمكن تفسيره أبدًا بالرجوع إلى طبيعة بشرية مُعطاة وثابتة؛ بمعنى آخر، لا وجود للحتمية، فالإنسان حر، الإنسان هو الحرية. أما إذا لم يكن الله موجودًا، فلن نواجه قيمًا أو أنظمة تُشرع سلوكنا. وهكذا، في عالمنا الروحي، لا توجد لدينا قيم ولا مبررات ولا أعذار. نحن وحدنا، بلا أعذار. هذا ما أود التعبير عنه عندما أقول إن الإنسان محكوم عليه بالحرية. تبدو الحتمية إذن كفعل سوء نية: فالإنسان، في سبيل فراره من حريته، يكذب على نفسه متوهمًا أن دوافع أخرى غير إرادته هي أصل أفعاله. إنه شكل من أشكال الجبن: لقد عرّفنا وضع الإنسان بأنه اختيار حر، بلا أعذار أو مساعدة؛ أي إنسان يلجأ إلى ذريعة أهوائه، أي إنسان يخترع الحتمية، هو إنسان سيئ النية. أولئك الذين يخفون حريتهم الكاملة، من خلال الجدية أو الأعذار الحتمية، سأسميهم جبناء. فرضية اللاوعي، وهي نوع من الحتمية (لأن العناصر اللاواعية هي التي تسبب أفعالي)، ليست سوى شكل من أشكال سوء النية: يبحث البشر عن أعذار بمفهوم اللاوعي. كما نرى، فإن مفهوم اللاوعي لا يشكك في حريتي، لأنه مجرد أسطورة، خالية من أي حقيقة، مصممة فقط لإعفاء البشر من مسؤولياتهم. ومع ذلك، يمكننا أن نتخيل أن جزءًا كبيرًا من أفكارنا أو تصوراتنا لا تصل إلى الوعي أبدًا دون التشكيك في حريتنا.

الإدراكات اللاواعية الصغيرة

بعض الإدراكات متناهية الصغر، وبالتالي فهي لاواعية. نحن نعي فقط الكل. هذا ينطبق، على سبيل المثال، على صوت البحر: فنحن لا نعي صوت كل قطرة ماء. من ناحية أخرى، نسمع الضجيج العام، كما يوضح لايبنتز في كتابه "مقالات جديدة في الذهن الإنساني":وعلاوة على ذلك، هناك آلاف الدلائل التي تدفعنا إلى الحكم بوجود عدد لا نهائي من الإدراكات في داخلنا، ولكن دون إدراك وبلا وعي ودون تأمل، أي تغيرات في الروح نفسها لا ندركها، لأن هذه الانطباعات إما أن تكون صغيرة جدًا وكثيرة جدًا، أو مترابطة جدًا، بحيث لا يوجد شيء مميز عنها بحد ذاتها، ولكنها مع غيرها، لا تزال تؤثر، ويشعر بها المجتمعون بشكل مشوش على الأقل. ولكي نحكم بشكل أفضل على الإدراكات الصغيرة التي لا نستطيع تمييزها بين الحشود، عادةً ما أستخدم مثال هدير أو ضجيج البحر الذي يصيبنا عندما نكون على الشاطئ. لكي نسمع هذا الضجيج كما نفعل، علينا أن نسمع الأجزاء التي تُكوّن هذا الكل، أي أصوات كل موجة، مع أن كل صوت من هذه الأصوات الصغيرة لا يُعرَف إلا في تجمّع الأصوات الأخرى المُشوّش، أي في هذا الزئير نفسه، ولن يُلاحَظ لو كانت الموجة التي تُصدره وحدها. لأننا يجب أن نتأثر قليلاً بحركة هذه الموجة، وأن يكون لدينا إدراكٌ ما لكل صوت من هذه الأصوات، مهما صغر حجمها؛ وإلا، لما كان لدينا إدراكٌ لمئة ألف موجة، لأن مئة ألف لا شيء لا يُمكنها أن تُحدث شيئًا. كيف تُقيّد هذه المُدركات التي لا تصل إلى وعينا حريتنا؟ إذًا، نرى أن اللاوعي، بهذا المعنى (أي عندما يُشير إلى مجموعة الأفكار التي لا توجد حاليًا في وعينا، أو المُدركات اللامتناهية الصغر)، لا يُشكّك في حريتنا أساسًا.

الخاتمة

الخلاصة القول إذن، أننا نرى أن اللاوعي لا يُشكّك في حريتنا بالضرورة. هذا هو الحال إذا فهمناه بالمعنى الفرويدي، ولكن يُمكننا أن نتفق مع سارتر على أن هذا مُجرّد خرافة. من ناحية أخرى، فإن العمليات العديدة التي تجري في عقولنا دون وعينا لا تُهدد حريتنا، بل تُساهم فقط في الأداء الطبيعي للعقل.

كاتب فلسفي

العدمية هي فلسفة ترفض القيمة والإحساس بالوجود. لا وجود لحقيقة موضوعية أو قيمة أخلاقية أو كل شيء ولكن في الحياة. من الواضح أن هذا هو بمثابة رفض للمبادئ والوصايا الأساسية للمجتمع. يبدو أن المصطلح "عدمية" هو مصطلح لاتيني "nihil" والذي يعني "لاشيء". إنه مرتبط برؤية متشائمة للحياة، حيث لا وجود لها بكل معنى الكلمة أو الموضوع. انتشرت العدمية على يد رواية "الآباء والأطفال" التي ألفها إيفان تورغينييف في عام 1862. وقد أصبحت شخصية بازاروف، العدمي، رمزًا للفكر العدمي. وقد أثرت العدمية أيضًا على المفكرين مثل لودفيغ فيورباخ، وتشارلز داروين، وهنري بوكلي. هناك أشكال عديدة من العدمية، بما في ذلك: العدمية الوجودية: التأكيد على أن الوجود الإنساني ينبع من الإحساس والوجود. العدمية الأخلاقية: عدم وجود قيم أخلاقية للأهداف، يرفض فكرة "السعادة" و"السوء". العدمية المعرفية: ليس هناك إمكانية لمعرفة موضوعي وآمن. اما علاقة العدمية والفلسفة فلقد تم دراسة العدمية على نطاق واسع وناقشها فلاسفة مثل فريدريك نيتشه، الذين ارتبطوا بالعدمية بموت الله وأزمة القيم الغربية. استكشف مارتن هيدجر أيضًا العدمية في تفسيراته لفلسفة نيتشه. كما ارتبطت العدمية بحركات التمرد ضد النظام الاجتماعي والتقاليد. قد يكون بمثابة رد فعل على فقدان القيمة والتقليدية. ان العدمية هي فلسفة لا معنى لها ولا قيمة للوجود، وترفض أفكار الحقيقة الموضوعية والقيم الأخلاقية والحياة. هناك العديد من أشكال العدمية التي تم دراستها ومناقشتها على نطاق واسع من قبل الفلاسفة وعلماء الاجتماع.

مقدمة
نشرح هنا أسباب الحرب ووظيفتها في التاريخ. ونظهر قصور التفسيرات القائمة من حيث التنافس على الموارد الشحيحة، والعدوانية كسمة متأصلة في الطبيعة البشرية، والصراع على السلطة. وتبني تفسيرًا جديدًا يجمع بين العناصر المُبرَّرة للتفسيرات غير الكافية، ويضيف إليها الصراعات بين أنظمة القيم التي تعتمد عليها هوية الأطراف المتحاربة، باعتبارها أهم أسباب الحرب. ونخلص إلى أنه بما أن القيم متعددة ومتضاربة، فإن الصراعات بين أنظمة القيم لا مفر منها. ويترتب على ذلك أن الحرب تُمثل محنة دائمة، وعائقًا لا مفر منه أمام تحسين الوضع الإنساني. الحروب صراعات مسلحة واسعة النطاق بين مجموعتين منظمتين أو أكثر. تكمن المشكلة الأساسية للحرب في أنها تنطوي على إلحاق الموت والمعاناة بالناس، الذين يتمتعون، في الظروف العادية، بحقوق أساسية تحميهم من التعرض لمثل هذه المعاملة. وبالطبع، يدرك الجميع أن للحروب إشكاليات أخرى: فهي تُفسد وتُدمر المؤسسات والعلاقات، وتُبدد ثروات طائلة كان من الممكن استخدامها لمعالجة الضعف المتجذر، وتُسبب أضرارًا جسيمة لا رجعة فيها للبيئة الطبيعية. هذه تكاليف ليست بالهينة. ومع ذلك، عند النظر في أخلاقيات الحرب، يبدأ معظم الناس بالقتل والمعاناة، لأنه إذا لم يكن القتل مبررًا، فإن الباقي لا قيمة له: خيارنا الوحيد هو تأكيد مبدأ السلمية. ومع ذلك، فإن تبرير القتل شرط ضروري، ولكنه ليس كافيًا لتبرير الحروب ككل. تبقى أسئلة مهمة يجب طرحها حول كيفية وأسباب القتل. في حين أن جواز القتل في حد ذاته يُشكّل الأساس الفلسفي لأي نظرية للحرب العادلة، فإن البنية الفوقية تتطلب الاهتمام بمسائل محددة تحكم ممارسة الحرب. وعلى وجه الخصوص، ما هي الأسباب التي تُبيح بدء الصراع؟ كيف يُمكننا القتال بشكل مُباح؟ كيف يُمكننا إنهاء الحروب والتعامل مع عواقبها بشكل مُباح؟

     مَدرسةُ فرانكفورت ( 1923 _ 1970 ) هِيَ مَدرسة للنظرية الاجتماعية والفلسفةِ النَّقْدية ، مُرتبطة بمعهدِ الأبحاثِ الاجتماعية في جامعة غوتة في مَدينة فرانكفورت الألمانية ، ضَمَّتْ المُفكِّرين والأكاديميين والمُنشقين السِّياسيين غَير المُتَّفقين معَ الأنظمة الاقتصادية الاجتماعية المُعَاصِرَة ( الرأسماليَّة ، الفاشيَّة ، الشُّيوعيَّة ) في ثلاثينيات القرن العِشرين .

     تُفْهَمُ أعمالُ مَدرسةِ فرانكفورت في سِيَاقِ الأهدافِ الفِكرية للنَّظريةِ النَّقْدِيَّة ، التي تَقُومُ على النَّقْدِ الاجتماعيِّ الرَّامي إلى إحداثِ تغيير اجتماعيٍّ ، وتَحقيقِ التَّحَرُّرِ الفِكْرِيِّ مِن خِلالِ التَّنويرِ غَيْرِ الجَامِدِ في افتراضاته، وكَشْفِ تَناقضاتِ المُجتمع الغربيِّ الحَديثِ ، وتَحديدِ مَظاهرِ الاستغلالِ والاستلابِ والاغترابِ التي أفْرَزَتْهَا الحَدَاثةُ المَادِيَّةُ نَتيجة هَيمنةِ العَقْلانيَّةِ الأداتيَّةِ .

     وَقَدْ هَاجَمَتْ مَدرسةُ فرانكفورت ابتعادَ الفَلسفةِ عَنْ دَوْرِها الاجتماعيِّ ، وانتقدتْ تهافتَ النَّزعةِ الوَضْعِيَّة التي تَجْعَلُ مِنَ العُلومِ الطبيعيةِ نموذجًا لِلْعِلْمِيَّةِ ، وتَجْعَل العِلْمَ والتِّقنيةَ الأدَاتَيْن القَادِرَتَيْن بِمُفردهما عَلى إحداثِ التَّغييرِ الاجتماعيِّ ، وتَحقيقِ سَعادةِ الإنسانِ ، كما انتقدتْ تَحَوُّلَ أدواتِ التَّثقيفِ وَوَسَائِلِ الإعلامِ إلى أدوات تُمارسها سُلطة الأنظمة السِّيَاسِيَّة الغربية للسَّيطرةِ على الناسِ، والهَيمنةِ عَلى مَسارِ حياتهم ، وتَوجيهِ الرَّأي العام.

     يُعْتَبَر الفَيلسوف الألماني يورغن هَابِرْمَاس ( وُلِدَ عام 1929 ) مِنْ أهَمِّ عُلماءِ الاجتماعِ والسِّيَاسَةِ في العَالَمِ ، وَهُوَ المُمَثِّلُ الأكثرُ شُهرةً للجيلِ الثاني لِمَدرسةِ فرانكفورت ، وَالوَرِيثُ الرئيسيُّ المُعَاصِر لأفكارِهَا ونظرياتها وإسهاماتِ أساتذته : ماكس هوركهايمر( 1895_ 1973)، وتيودور أدورنو ( 1903_1969) ، وهِربرت ماركوز ( 1898_ 1979) ، وفالتر بنيامين ( 1892_ 1940) ، وإريك فروم (1900_ 1980) .

بما أن هناك اختلافا في تحديد مصدر نشأة اللغة بين الديني والفلسفي، فإن هوبز ينطلق من تأكيد مفاده أن «أول مؤلف للنطق كان الإله نفسه، الذي علم آدم كيف يسمي المخلوقات التي جعلها ماثلة أمام بصره.».[1]وهي أطروحة يستند فيها إلى جملة من النصوص الدينية التي تؤكد أن الإله أول خالق لنشوء الأسماء والكلمات التي تطلق على الأشياء والموجودات في العالم. وأول هذه النصوص ما جاء في العهد القديم من الكتاب المقدس، حيث يقول الإله: «وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء، فأحضرها لآدم ليرى ماذا يدعوها، وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها.»[2]، أو كما جاء في نص ثان يقول فيه الإله «فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء وجميع حيوانات البرية.»[3].

تفيد هذه النصوص الدينية السالف ذكرها، أن الإله لما خلق آدم علمه الأسماء كلها التي تطلق على الأشياء في العالم، وبذلك، فهو أول مؤلف وخالق للغة عند البشر. وإذا نظرنا إلى مسألة تعليم آدم أسماء الأشياء والمخلوقات من زاوية منطقية، سنجد أن هذه القصة مقبولة ذهنيا، من حيث إن آدم باعتباره كائنا بشريا يتصف بالنقص والمحدودية، فإنه لا يقدر على تخيل شيء، أو التفكير فيه، دون أن يكون له به اطلاع مسبق. يعني ذلك، أن آدم لو ترك بدون أن يعلمه الإله اللغة، ما كان في إمكانه أن يعرف مسميات الأشياء، بل ما كان في مقدرته أن يفكر في الأصل. ذلك، أن اللغة هي وسيلة الإنسان في التفكير، وأداته في إبداع المفاهيم والتصورات والنظريات. بمعنى آخر، إذا كان العمل كما يقال هو الوسيط بين الإنسان والطبيعة، فإن اللغة هي الوسيط بين الفكر والوجود. فالفكر «ليس شيئا داخليا، ولا يوجد خارج دائرة العالم والكلمات.»[4].

وإذا كان «الكلام هو حركة ودلالة العالم»[5]، فإن تعليم آدم أسماء الكائنات التي خلقها الإله، كانت له غاية هي تزويده بما يقدر به على التفكير في العالم الذي سيوجد فيه، نتيجة ارتكابه للخطيئة بحسب النصوص الدينية. غير أن القول بكون الإله هو المؤلف والخالق الأول للكلام، من باب أنه علم آدم جملة من الأسماء التي تطلق على الكائنات والمخلوقات، يضعنا أمام مشكلة تتجلى في التساؤل حول ما إذا كان الإله قد علم آدم الأسماء كلها، أم بعضها فقط[6]. بمعنى آخر، هل وهب الإله لآدم كل الكلمات والأسماء التي تطلق على الأشياء والكائنات منذ بداية البشرية إلى اليوم، أم أنه لم يزوده إلا ببعض ما يقدر به على إبداع أخرى؟

لا تربط الفكرُ النقدي بالكائن البشري حاجة عابرة، وإنما هو عنصر أصيل من عناصر التفكير السويّ لديه. فلا ينحصر دور هذا الفكر في التنديد بما قد يتهدّد الرصيد القِيَمي والجمالي من تآكلٍ، أو بما قد يعتري حياة البشر من زيف جرّاء تغوّل الأيديولوجيا والديماغوجيا، وإنما تأتي الحاجة إلى الحضور المستدام للفكر النقدي لأجل تعزيز رصيد الناس المعرفي، والتوقّي من مخاطر فقدان الكينونة، وهو ما قد يحدث جراء الإيقاع بالناس من حيث لا يعلمون.

يتعزّز ذلك الحضور للنقد بغرض دفع الناس صوب المسلك القويم في تقييم الأشياء، وانتهاج سبيل الرشاد في تبنّي الخيارات الحرة. وبالتالي يبدو مفهوم الفكر النقدي، من هذا الجانب، مغريا، وأداة فعالة بحوزة المرء لفرز الغثّ من السمين حين تختلط الثنايا، وتختلّ المقاييس. كون العملية النقدية تقف على نقيض الخيارات السلبية، وتؤسس لوجود متحرّر من شتى أوجه الاغتراب. لذا تلوح الفعلة النقدية، بصرف النظر عن دوافعها ونتائجها، مغامَرةً واعية وليست مقامَرة يائسة، تهدف لاستعادة الأصالة، وتأسيس الوجود الحق، والقطع مع السلبية.

ومع هذه الحمولة الإيجابية التي ينطوي عليها الفكر النقدي، يظلّ في كثير من الأحيان مبهَمًا، تغشاه ضبابية يعوزها التفصيل والتوضيح، وتفتقر إلى البيان والتبيين. ولو شئنا شرح تجليات الفكر النقدي في المعيش اليومي، وتقفّي آثاره المباشرة، لقلنا هو القدرة التي تتيح للمرء العيش في العالم وليس خارجه، والمشي سويا على قدميه وليس مكبّا على وجهه. إذ يشكّل الفعل النقدي المتأتي من الوعي النقدي نحتًا للكيان، وإغناءً للذات قبل أن يكون تتبُّعا لعورات الآخرين وترصُّدًا لسقطاتهم أو تشهيرا بزلّاتهم. وبالتالي الفكر النقدي هو إدراكٌ واعٍ قائم على التحليل والتقييم لأيّ طرْح وأيّ عرْض، بغرض تبيّن حظوظ التلاؤم مع الواقعية. والأمر في هذا الجانب، يتعلق بآلة قياس تَقِي ضدّ الخديعة وسوء الفهم لذواتنا ولنظرائنا في العالم.

لكن ثمة أسئلة جوهرية على صلة بالموضوع على غرار علامَ يقوم الفكر النقدي؟ وما هي مقوّماته؟ وهل هو آلة متعددة الأوجه تناسب كل الوقائع والحالات بما يعني القدرة التي بوسعها التعامل والتكيف مع كل الظروف والأحوال؟