إِذا كانَتْ التَرْبِيَةُ فَنّاً، فَإِنَّ هذا الفَنَّ لا يَعْمَلُ فِي مادَّةٍ جامِدَةٍ، كَفَنُ النَحْتِ، بَلْ فِي مادَّةٍ حَيَّةٍ تَنْطَوِي فِي ذاتِها عَلَى مَبْدَأِ نُمُوِّها" - توما الأكويني
"لا تَعَلَّمُوا أَطْفالَكُم القِراءَةَ، بَلْ عَلِّمُوهُمْ أَنْ يَضَعُوا كُلَّ ما يَقْرَؤُونَهُ مَوْضُوعَ تَساؤُلٍ وَشَكٍّ، عَلِّمُوهُمْ أَنْ يَضَعُوا الأَشْياءِ كلها مَوْضِعَ تساؤل وَشَكٍّ وَاِخْتِبارٍ" - جورج كارلين.
مُلَخَّصٌ
يَتَّجِهُ كَوْكَبُنا قُدَماً لِيُصْبِحَ كَوْناً عَبْقَرِيّاً سِيبْرِنْتْيا فائِقَ الذَكاءِ، فَعَلَى اِمْتِدادِ هذا الكَوْكَبِ تَتَشَبّاكِ الأَدْمِغَةُ وَتَتَخاصَبُ العُقُولَ، وَتَتَفاعَلُ الإِراداتُ البَشَرِيَّةُ، وَتَتَضافَرُ الخِبْراتُ وَالمَعارِفُ الإِنْسانِيَّةُ، وَهذا كُلُّهُ يُبَشِّرُ اليَوْمَ بِوِلادَةِ وَعْيٍ إِنْسانِيٍّ إِبْداعِيٍّ فارِقٍ فِي التارِيخِ، إِنَّهُ شَكْلٌ مِن أَشْكالِ الوَعْيِ الجَمْعِيِّ المُتَشَكِّلِ مِن جِماعِ الأَدْمِغَةِ، وَمِن تَضافُرِ العُقُولِ وَالعَبْقَرِيّاتِ جَمِيعِها فَوْقَ هذا الكَوْكَبِ، لِيَتَجَلَّى في نهاية المطاف عَلَى صُورَةٍ عَبْقَرِيَّةٍ إِنْسانِيَّةٍ خارِقَةٍ لَيْسَ لَها مَثِيلٌ، وَلَنْ يَكُونَ لَها نَظِيرٌ فِي التارِيخِ الإِنْسانِيِّ بِرُمَّتِهِ. فَالثَوْرَةُ الصِناعِيَّةُ الرابِعَةُ تَعْمَلُ اليَوْمَ عَلَى إِلْغاءِ الحُدُودِ الفاصِلَةِ بَيْنَ كُلِّ ما هُوَ فِيزْيائِيٌّ وَرَقْمِيٌّ وَبيولوجِيٌّ، وَفِي هذا الكَوْنِ الجَدِيدِ المَغْمُورِ بِفَيْضِ الإِبْداعاتِ العَبْقَرِيَّةِ وَالأَصْواتِ وَالكَلِماتِ وَالصُوَرِ، يَتَوَجَّبُ عَلَيْنا أَنْ نُحَدِّثَ ثَوْرَةً تَرْبَوِيَّةً نَتَجاوَزُ فِيها أَزْمَةُ العَلاقَةِ بَيْنَ قَدِيمٍ لا يَمُوتُ وَجَدِيدٌ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُولَدَ كَما يَقُولُ كِتابُ أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci).
1 مُقَدِّمَة
الثَوْرَةُ فِي التَرْبِيَةِ وَالتَعْلِيمِ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ التَطْوِيرِ أَوْ التَغْيِيرِ، هُوَ سَبِيلُنا لِدُخُولِ الثَوْرَةِ الصِناعِيَّةِ الرابِعَةِ، وَنَحْنُ قادِرُونَ عَلَى إِحْداثِ تِلْكَ الثَوْرَةِ فِي تَعْلِيمِنا إِذا تَخَلَّيْنا عَن نَمَطِيَّةِ التَفْكِيرِ التَرْبَوِيِّ وَجُمُودِهِ فِي مَجالِ التَعْلِيمِ وَالتَخْطِيطِ التَرْبَوِيِّ، وَهذا الأَمْرُ يَتَطَلَّبُ أَيْضاً نَمَطاً مِن التَخْطِيطِ الثَوْرِيِّ لِاِحْتِياجاتِنا المُسْتَقْبَلِيَّةِ بِحِيادِيَّةٍ، بَعِيداً عَن النَزْعَةِ العاطِفِيَّةِ الاِنْفِعالِيَّةِ، وَبَعِيداً عَن الأَخْطاءِ الَّتِي أَعاقَت تَقَدُّمَنا الحَضارِيَّ وَالتَرْبَوِيَّ لِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ مِن الزَمَنِ؛ فَالتَغْيِيرُ الثَوْرِيُّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شُمُولِيّاً تَكامُلِيّاً يَأْخُذُ فِي الحُسْبانِ تَفاعُلَ المَنْظُوماتِ التَرْبَوِيَّةِ وَالاِجْتِماعِيَّةِ ضِمْنَ خَرِيطَةٍ جِينِيَّةٍ تَقُومُ عَلَى التَغْيِيرِ الجَذْرِيِّ فِي المَناهِجِ التَعْلِيمِيَّةِ بِشُمُولِيَّةٍ وَعُمْقٍ، وَيَتَضَمَّنُ ذلِكَ رَفْعُ كَفاءَةِ المُعَلِّمِ وَتَغْيِيرُ طُرُقِ التَدْرِيسِ التَقْلِيدِيَّةِ جَذْرِيّاً، وَتَحْسِينُ بِيئَةِ التَعْلِيمِ، وَتَطْوِيرِ أَنْظِمَتِهِ، وَذلِكَ كُلُّهُ يَجِبُ أَنْ يَتِمَّ فِي سِياقِ التَكامُلِ وَالتَفاعُلِ مَعَ مُخْتَلِفِ النُظُمِ الاِجْتِماعِيَّةِ وَالسِياسِيَّةِ لِخَلْقٍ بُنِّيَّةٍ مُجْتَمَعِيَّةٍ مُتَكامِلَةٍ مُتَكَيِّفَةٍ مَعَ الاِنْفِجاراتِ التكنولوجِيَّةِ وَالحَضارِيَّةِ الهائِلَةِ الَّتِي تَشْهَدُها الإِنْسانِيَّةُ مُنْذُ مَطْلَعِ القَرْنِ الحادِي وَالعِشْرِينَ.
لَقَدْ أَصْبَحَت الثَوْرَةُ فِي التَعْلِيمِ وَالتَرْبِيَةِ ضَرُورِيَّةً جِدّاً لِمُواكَبَةِ الثَوْراتِ الصِناعِيَّةِ المُتَجَدِّدَةِ، وَمِنْ غَيْرِ هذِهِ الثَوْرَةِ، فَإِنَّ الثَوْرَةَ الصِناعِيَّةَ الرابِعَةَ الَّتِي نُنْشُدُها سُتَلَتْهُمْ ثَقافَتُنا، وَتُدَمِّرُ، وَاِقْتِصادُنا وَتَنْتَهَكُ وُجُودُنا الأَخْلاقِيُّ وَالإِنْسانِيُّ، وَالحَدِيثُ عَنْ تَطْوِيرِ وَتَحْسِينِ وَإِصْلاحِ التَعْلِيمِ لَمْ يَعُدْ مُجْدِياً اليَوْمَ، وَقَدْ بَيَّنَتْ التَجارِبُ الإِصْلاحِيَّةُ فِي بِلادِنا عُقْمَ هذِهِ المُحاوَلاتِ وَفَشَلِها خِلالَ العُقُودِ الماضِيَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلمِلْياراتِ الَّتِي أَهْدَرَتْ عَلَى الإصلاح نَفْعاً أَوْ جَدْوَى، وَلَمْ تُغَيِّرْ فِي جَوْهَرِ التَعْلِيمِ، بَلْ زادَتْ الطِينُ بَلَّةً، وَالمُشْكِلاتُ تُشابِكاً وَالعَقْدَ تَعْقِيداً، وَحالُ هذِهِ الإِصْلاحاتِ كَحالِ السَجِينِ الَّذِي يَظَلُّ يَحْفِرُ نَفَقاً طَوِيلاً لِسَنَواتٍ لِلهُرُوبِ، وَإِذا هُوَ يَنْتَهِي بِهِ إِلَى غُرْفَةِ الجَلّادِ.