• تمهيد:
    وُجدت اللغة مع وجود الإنسان، ثم بدأ هذا الأخير يتكون في شكل جماعات بشرية مختلفة تنتقل باستمرار بحثا عن مقومات العيش على سطح الأرض، فصار لكل جماعة بشرية لغة تميزها عن باقي الجماعات، وترتب عن عدم الاستقرار والتنقل الدائم ظهور تنوع لغوي استمر في النمو والتوسع بحكم التطور المستمر للمجتمعات نتيجة عدة عوامل اجتماعية سياسية واقتصادية وثقافية... وهو تطور نتج عنه أيضا احتكاك الأنظمة اللغوية مع بعضها البعض داخل حيز جغرافي واحد، الشيء الذي سيسفر عن تطور ظواهر لغوية متعددة من قبيل: التعدد اللغوي، والثنائية اللغوية، والازدواجية اللغوية، والتداخل اللغوي، والتحول اللغوي الذي سيكون موضوع عرضنا هذا، والذي حاولنا من خلاله الإجابة عن الإشكاليات التالية:
  • ما مفهوم التحول اللغوي وما هي أنواعه وما أسباب وقوعه في التواصل؟
  • كيف نشأ هذا المصطلح في الأدبيات اللسانية وكيف تم تناوله من منظور علم اللغة الاجتماعي؟
  • كيف يتمظهر هذا الوضع اللغوي عند الناشئة- تلاميذ المستوى الثانوي الإعدادي نموذجا- وكيف يتعاملون مع هذه الظاهرة؟

     بناء على هذه الإشكاليات تناولنا العرض من جانبين: جانب سنجيب فيه عن السؤالين الأول والثاني، والجانب الثاني شق تطبيقي سنقف من خلاله على ظاهرة التحول اللغوي عند عينة من تلاميذ المستوى الثانوي الإعدادي.

     وقبل الخوض في تعريف هذا المفهوم سنتعرض لبعض المفاهيم المرتبطة به، خاصة مفهومي   الثنائية اللغوية والازدواجية اللغوية باعتبار التحول اللغوي النقطة التي تجمع بينهما.

  • الثنائية اللغوية.

الثنائية اللغوية هي مقابل للمصطلح الإنجليزي Bilingualism[1]  وتتكون من السابقة اللاتينية Bi وتعني المثنى أو المضاعف، وLingual أي لغوي، واللاحقة ism بمعنى الحالة أو الصفة، وحاصل الترجمة؛ سلوك لغوي ثنائي أو مضاعف/ الثنائية اللغوية[2].

وقد تعددت تعاريف مفهوم الثنائية اللغوية بتعدد أراء الدارسين ووجهات نظرهم، فنجد مثلا:

أن فرانسوا جروجون Francois Grosjean يرى أن "ثنائيي اللغة هم أناس يستخدمون لغتين، أو لهجتين أو أكثر في حياتهم اليومية، فالإيطاليون الذين يستخدمون واحدة من لهجات إيطاليا- مثل البوليزية- مع الإيطالية الرسمية، يمكن وصفهم بأنهم ثنائيو اللغة"[3]. أما جورج مونان Georges      Mounin فيرى أن ثنائي اللغة هو الفرد الذي يتحدث لغتين دون تمييز. وينظر إليها بلومفيلد  Bloomfild على أنها إجادة الفرد للغتين مختلفتين. ويعرفها ماكي Mackeyبأنها الاستخدام المتناوب للغتين أو أكثر من قبل نفس الفرد[4].

    من خلال هذه التعاريف يتبين لنا أن الباحثين يتفقون على أن الثنائية اللغوية مرتبطة بالفرد الواحد ومدى قدرته على استخدام لغتين أو أكثر في محادثاته، لكن شرط الإجادة الذي وضعه بلومفيلد يضعنا أمام التساؤل عن وضع الفرد الذي يعرف لغتين أو أكثر بدرجات متفاوتة.

      فالشخص قد يستعمل اللغتين الأولى والثانية بصورة متكافئة فتسمى هذه الثنائية بالثنائية اللغوية المتوازنة، وقد يتقن اللغة الأم أكثر من اللغة الأخرى فتسمى ثنائية اللغة السائدة، وهذا ما يطلق عليه الدارسون المظهر الفردي للثنائية اللغوية، أما المظهر الاجتماعي فهو استعمال الأفراد داخل المجتمع لغتين أو أكثر، فيختارون استعمال لغة في مواقف معينة، ولغة أخرى في مواقف أخرى، أو قد يزاوجون بينهما في موقف واحد[5].

إنّ واقع المُدرس اليوم يعجُّ بالمفارقات، تنعكس في ثنائية التنظير والممارسة؛ فالمدرس لديه عدّةٌ نظرية حول طرق التدريس أو فن التدريس، لكن هذه العدة النظرية قابلة للتكذيب والتفنيد حسب كارل بوبر، لذلك يتوّجب عليه إخضاعها للتبيّئة أولاً، ثم للفحص والنقد والمُساءلة ثانياً. هكذا فالمنظومة التعليمية في المغرب تقوم على فرضية أنّ كل طالب فهو مشروع مدرس، لذا منذ أن يكون هذا "المدرس بالقوة" (طالب) وهو لديه تصور حول التدريس، مرورا بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين وهو أستاذ متدرب، إلى أن يُصبح أستاذا ممارسا "بالفعل"؛ أي أستاذا يتسلم مهامه، ويُصبح لديه رقم تأجير، ينتقل من واقع التنظير إلى واقع الممارسة. هنا يطرح سؤال المنهج/ المنهجية، والطريقة الأنجع لقيادة القسم. بينما المفارقة الثانية تتعلق بعلاقته بزملائه من المدرسين القدماء، يتوّلد لديه شعور مؤداه أن المدرس الذي سبقه في المهنة هو أدرى منه، فتنقل أفكار "مسمومة" من صاحب التجربة إلى من هو مبتدأ، فتكون سلبية على المردودية والنتائج، ومن بين هذه الأفكار التي نعتقد أنها أساس بناء الكاريزما، نذكر على سبيل المثال لا الحصر؛ "النهار الأول يموت المش..."، "تبكي مو قبل ما تبكي مي.."، "حاول متبينش سنانك.." فهذه الكاريزما الهشة كانت سلبية على واقع التعليم، ذلك أن الأستاذ قوى نفسه كاريزميا في حين تناسى نفسه معرفيا. هذه المفارقة كان لها بالغ الأثر السلبي على المنظومة التربوية متناسين بأن فعل التربية في أصله فعل كوميدي، مسرحي بامتياز.
يبقى شرط المسْرَحَة مهما لممارسة التدريس، إنّ المدرس هو فنان بالضرورة يجب أن تتوفر فيه علامات التمثيل والمسرحة، يجب عليه أن يلعب أدواراً متعددة أمام جمهور مختلف المستويات (المتعلمين). هكذا، نجد هيبيرت هانون في كتابه "مفارقات حول المدرس" يقول: "إنّ المدرس الناجح هو ذلك المُمثل الذي يتوفق في إخفاء شخصيته الحقيقية، بكل ما تحمله من انتماء ثقافي وعرقي، وكل ما تعيشه من صراع نفساني وطبقي، وما يؤمن به من قناعات سياسية وإيديولوجية ..." إذن يصور لنا هانون القسم بكونه مسرح يمتلك خشبة تدور فصول المسرحية داخل الفضاء التربوي، وبطلها المدرس باعتباره ممثلا، يحاول نقل رسالة إلى المتعلمين من خلال كوميديا يشتغل فيها على نص (فلسفي مثلا)، يستغل مهاراته وفنياته بما فيها الجسد. لهذا الأخير دور أساسي في نقل رسالة معرفية إلى المتعلمين، في حين المدرس يهتم بتناسق الأفكار منطقيا في حين يتناسى دور الجسد. إذن، فالعملية التعلمية التعلمية قبل أن تكون مؤسسة تربوية لها قوانين فهي كوميديا. فالمسرح يقوم على نقل رسالة لها مضامين متعددة؛ منها مضامين معرفية وأخلاقية وتربوية... لذا فالمدرس الناجح هو الذي يضع هذه المضامين في هاجسه الأولي، فيخفي قناعاته الشخصية، على اعتبار أن الشخص هو ذلك القناع الذي يرتديه الممثل لكي يتلاءم مع الدور الذي يؤديه داخل المسرحية، (درس الشخص في الثانية باكالوريا).

يأتي هذا المقال في سياق التفاعل مع مداخلة الأستاذة رحمة بورقية رئيسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي خلال الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة للمجلس التي عقدت يوم 30 ابريل 2025.
وسيقتصر تفاعلي على مبدإ أثار انتباهي عند تقديم الأستاذة بورقية لمقاربات اشتغال المجلس، حيث اعتبرت أن المجلس يعتمد "مبدأ الموضوعية التي لا تزعج ولا تجامل". وهو ما قادني للتساؤل حول إمكانية التوفيق بين عدم الازعاج وعدم المجاملة في مجلس ينتظر منه تقديم الآراء والتقييمات حول الواقع التربوي بالمغرب، وإفادة كل منظومات التربية والتكوين بمقترحات يراها صائبة وذات جدوى، إضافة إلى إخبار المجتمع عن الواقع الموضوعي لمدرسته وجامعته؟

فكيف يمكن للمجلس الاشتغال وفق هذا المبدأ في ظل التطور الذي عرفته الأدوات الإحصائية ومؤشرات قياس النتائج التعليمية التي تستخدم في تحليل النظم التعليمية ومقارنة تطوراتها، وأيضا مقارنة السياسات التعليمية التي تنفذها الحكومات؟ علما أن هذا التطور أضفى صفة تقنية على تقييم النظم التعليمية، هيمن فيها النقاش التقني على النقاش السياسي. حيث أصبحت نتائج التقييمات أكثر معيارية الأمر الذي يدعم ويبرر التوصيات الناتجة عنها.

وحتى يكون الجواب عن الأسئلة السالفة الذكر موضوعيا، كان لابد من مقاربة "مبدا عدم الازعاج وعدم المجاملة" عبر المحاور التالية:

  • المرجعيات الفلسفية لمبدأ "عدم الإزعاج" و"عدم المجاملة"؛
  • الأبعاد المهيكلة للمبدأ في الحوكمة التربوية؛
  • الديناميات التفاعلية للمبدأ في صنع السياسات التربوية؛

تعيش المدرسة المغربية منذ عقود مخاضًا عميقًا يعكس تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية معقدة. فقد أصبحت المؤسسة التعليمية اليوم ساحة لتجاذب تمثلات متعددة للثقافة، تتقاطع فيها الرهانات التربوية مع السياقات المجتمعية والاقتصادية، مما يطرح بإلحاح مسألة حضور البعد الثقافي في المناهج الدراسية ومسالك التكوين الجامعي. وفي قلب هذا الإشكال، تبرز الحاجة إلى تحليل موقع الأدب والفن والفلسفة والعلوم ضمن الهندسة البيداغوجية المعتمدة، بما يسمح بتقويم طبيعة التمثلات الثقافية التي تعيد المدرسة إنتاجها أو تسهم في تحولها.
إن التمثلات الثقافية لا تُختزل في مضامين معرفية جامدة، بل تنبني على تصورات رمزية ومرجعية للعالم والذات والآخر، تشكلها المؤسسات، ومن ضمنها المدرسة، عبر المناهج والكتب والطرائق. في هذا الإطار، ظلت المدرسة المغربية منذ الاستقلال تعيش تنازعًا بين مشروع حداثي يروم ترسيخ قيم العقلانية والانفتاح، ومقاربة تقليدية تميل إلى التلقين والحفظ وتكريس أنماط ثقافية محافظة. هذا التنازع يظهر بجلاء في كيفية إدماج المواد الثقافية في المنهاج، لا سيما ما يتصل بالآداب والفنون والفلسفة، مقابل المواد العلمية ذات الطابع النفعي والوظيفي.
يُسجّل في العقود الأخيرة تراجع نسبي في الاهتمام بالأدب والفنون والعلوم الإنسانية في المنظومة التربوية. فالمقررات الدراسية، خاصة في التعليم الثانوي، غالبًا ما تُقلص من الحيز المخصص لهذه المواد، أو تقدمها بطريقة تجزيئية وجافة، تفرغها من طابعها الإبداعي والتكويني. فمثلاً، تقدم نصوص الأدب في الكتب المدرسية كوسائط لغوية لا كتجارب إنسانية غنية، وغالبًا ما يُعتمد على مقاطع معزولة من سياقها، مما يضعف البعد الجمالي والنقدي فيها. أما الفنون، فقد بقيت في الهوامش، تُدرس أحيانًا كأنشطة موازية، دون أن تحظى بمكانة ضمن المقررات الرسمية أو تحظى بتقييم جدي يعكس دورها في بناء الوعي الجمالي والذوق الثقافي لدى المتعلمين.
أما الفلسفة، التي كان يُنتظر منها أن تلعب دورًا مركزيًا في ترسيخ التفكير النقدي والقدرة على المساءلة، فقد تعرضت لموجات من التضييق والمراجعة، سواء من حيث توقيت تدريسها أو من حيث طبيعة المواضيع المعالجة فيها، والتي أصبحت موجَّهة بشكل أكثر وأقل انفتاحًا على قضايا الراهن وأسئلته المعقدة. كما أن تمثلات المجتمع عن الفلسفة غالبًا ما تظل سلبية، باعتبارها مادة "نظرية" أو "ملغزة"، مما يقلل من إقبال التلاميذ عليها، ويُضعف من موقعها الرمزي في الفضاء المدرسي.

كانت الأسئلة ولا تزال مفاتيح لتبديد حيرة الإنسان إزاء ذاته والموجودات من حوله. كلما استوقفه غموض أو غرابة، إلا وتوسل بتلك العملية الفطرية التي حقق بفضلها قفزات علمية وحضارية هائلة. بل ليس من المبالغة القول بأن أي حدث تاريخي أو علمي أو حتى مأساوي لم يخلُ من سؤال أو أسئلة سبقته، وحفزت البشرية للبحث عن أجوبة.

نتساءل عن كل شيء في حياتنا اليومية، لكن تكمن المشكلة في عدم امتلاكنا المسبق لصيغة تحدد الأسئلة التي يجب طرحها، وتلك التي ينبغي تنحيتها. وحتى يكون السؤال في محله فالمرء بحاجة إلى ما يشبه الموهبة التي يمكن أن يتعلمها؛ كأن النجابة تتوقف على طرح السؤال الجيد الذي يتناسب مع السياق، أي مع البيئة العامة التي توفر للسائل والمتلقي فهما أفضل للتوقعات. لذا تضعنا كتب اللغة والأدب أمام آلاف الوضعيات التي تختبر مقدرتنا على تفكيك الغامض والمبهم والمدهش، بنحت مثير عقلي واضح، يتوقف عليه حدوث استجابة ملائمة، وذلك هو السؤال!

ضمن حكايات وأخبار متفرقة، يحيل ظاهرها على الطرفة والإمتاع، ينبه ابن الجوزي قارئ كتابه (أخبار الأذكياء) إلى ثلاثة أغراض ينشد تحقيقها وهي:

-  معرفة أقدارهم (الأذكياء) بذكر أحوالهم.

- تلقيح ألباب السامعين إذا كان فيهم نوع استعداد لنيل تلك المرتبة.

- تأديب المعجب برأيه إذا سمع أخبار من يعسر عليه لَحاقه.

وبين المعرفة والتلقيح والتأديب يتشكل فن السؤال باعتباره مرآة النجابة، ومظهرا أساسيا يكشف عن قوة الفطنة، وقوة جوهرية العقول:

" قال رجل لهشام بن عمرو القرَظي: كم تعُدّ؟ قال: من واحد إلى ألف ألف وأكثر، قال: لم أرد هذا، قال: فما أردتَ؟ قال: كم تعدّ من السن؟ قال: اثنتين وثلاثين سِنّة، ستة عشر من أعلى وستة عشر من أسفل، قال: لم أرد هذا، قال: فما أردتَ؟ قال: كم لك من السنين؟ قال: مالي منها شيء، كلها لله عز وجل، قال: فما سنك؟ قال: عظم، قال: فابنُ كم أنت؟ قال: ابن اثنين، أب وأم، قال: فكم أتى عليك؟ قال: لو أتى عليّ شيء لقتلني، قال: فكيف أقول؟ قال: قل: كم مضى من عمرك؟".

تفتح الأسئلة إذن خيارات التعلم للانتقال بالفرد من وضع التلقي السلبي إلى وضع التعلم النشط والحيوي والمتكامل. لا غرو إذن أن تشكل الأسئلة جوهر العملية التعليمية في فضائنا المدرسي، إذ لا يتصور في الأذهان تدريس خال من طرح الأسئلة، خاصة في ظل المقاربات الحديثة التي تبدي وعيا أكبر بضرورة التمحور حول المتعلم وتلبية احتياجاته.

إن كتاب جان جاك روسو، الذي ولد في 28 يونيو 1712 في جنيف وتوفي في 2 يوليو 1778 في إرمينونفيل، "إميل" أو "في التعليم" هو عبارة عن نصف أطروحة ونصف رواية تحكي قصة حياة رجل خيالي يدعى إميل. في هذا الكتاب، يتتبع روسو مسار تطور إميل والتعليم الذي تلقاه، وهو تعليم مصمم ليخلق فيه كل فضائل "الشخص الطبيعي" المثالي لروسو، والذي لم يفسده المجتمع الحديث. وفقًا لروسو، لا يمكن رعاية الخير الطبيعي للإنسان والحفاظ عليه إلا وفقًا لهذا النموذج التوجيهي للغاية للتعليم، ويذكر روسو أن هدفه في إميل هو تحديد الخطوط العريضة لهذا النموذج - وهو نموذج يختلف بشكل حاد عن جميع الأشكال المقبولة من التعليم. يقترح نظام روسو التعليمي تفاصيل طرق تدريس محددة لكل مرحلة من مراحل الحياة، وطريقة تعليمية تتوافق مع الخصائص الخاصة لتلك المرحلة من التطور البشري. وبناء على ذلك، تم تقسيم إميل إلى خمسة كتب، كل منها يتوافق مع مرحلة من مراحل النمو. يصف الكتابان الأول والثاني عصر الطبيعة حتى سن الثانية عشرة؛ يصف الكتابان الثالث والرابع المراحل الانتقالية للمراهقة؛ ويصف الكتاب الخامس عصر الحكمة، الذي يتوافق تقريبًا مع الأعمار من عشرين إلى خمسة وعشرين عامًا. يدعي روسو أن هذه المرحلة يتبعها عصر السعادة، وهي المرحلة الأخيرة من التطور، والتي لم يتناولها في إميل. في الكتابين الأول والثاني، يصر روسو على أن الأطفال الصغار في عصر الطبيعة يجب أن يركزوا على الجانب الجسدي لتعليمهم. مثل الحيوانات الصغيرة، يجب تحريرهم من القماط الضيق، وإرضاعهم من أمهاتهم، والسماح لهم باللعب في الخارج، وبالتالي تنمية الحواس الجسدية التي ستكون أهم الأدوات في اكتسابهم للمعرفة. لاحقًا، عندما يقتربون من سن البلوغ، يجب تعليمهم حرفة يدوية، مثل النجارة، والسماح لهم بالتطور فيها، مما يزيد من قدراتهم البدنية والتنسيق بين اليد والعقل. ويواصل روسو القول إنه عندما يدخل إميل سنوات مراهقته، عليه أن يبدأ التعليم الرسمي. ومع ذلك، فإن التعليم الذي يقترحه روسو يتضمن العمل فقط مع مدرس خاص ودراسة وقراءة فقط ما يثير فضوله، فقط ما هو "مفيد" أو "ممتع". يوضح روسو أنه بهذه الطريقة سوف يقوم إميل بتثقيف نفسه بشكل أساسي وسيكون متحمسًا للتعلم. سوف يغذي حبه لكل الأشياء الجميلة ويتعلم ألا يقمع انجذابه الطبيعي نحوها. يقول روسو أن فترة المراهقة المبكرة هي أفضل وقت لبدء مثل هذه الدراسة، لأنه بعد البلوغ يكتمل نمو الشاب جسديًا ولكنه لا يزال غير فاسد بسبب عواطف السنوات اللاحقة. إنه قادر على تطوير قدراته العقلية، تحت إشراف معلم يحرص على ملاحظة الخصائص الشخصية لطالبه ويقترح المواد الدراسية وفقًا لطبيعته الفردية.

" الحكايات تُحَف الجنة." مالك بن دينار
مثلما يقف الشعب باعتزاز على الأرض التي حررها بدماء أسلافه وبطولاتهم، فإنه يستلهم كيانه وهويته، ومُثُله وقيمه من ثقافته الشعبية التي تشكلت على مدار أزمان غابرة، لتصبح ذخيرته الحية، وعملته الحقيقية المتداولة في حاضره وغده.
ولأن الحكاية الشعبية جزء أصيل من تلك الثقافة، ووسيلة كل شعب لحفظ ذاكرته وخياله المشترك، فإنها لقيت عناية كبيرة لما تعكسه من تجارب حياتية، وأحلام ومخاوف، وآمال تلتمس التعويض في عالم مثالي. كذلك كانت الحكاية الشعبية حتى وقت قريب، قبل أن تداهمها التكنولوجيا بترسانة هائلة من وسائل الترفيه والتسلية، وتنزع عن الجدّات ثياب الحكواتي!
إن وظيفة حفظ التاريخ والذاكرة لا تمنع الحكاية الشعبية من أن تظل إنتاجا حيا ومتواصلا، ينسج من خلالها العقل البشري عالما مثاليا يطمح لتجسيده في واقعه، ويستدرك من خلاله نقائص المجتمع وخطاياه. تلك الاستمرارية رهينة إلى حد كبير باستثمارها كمدخل بيداغوجي، واعتمادها أداة ناجعة للتعلم، وتمرير القيم الأخلاقية، وتأسيس جمالية الحكي داخل فضاء تعلمي تفاعلي.
لهذا الفن القديم خصائصه ومرتكزاته التي تميزه عن سائر الأجناس الأدبية؛ حيث تتمتع الحكاية الشعبية ببساطة البناء والأسلوب، وبلغة خاصة ومتميزة تحقق الإيحاء والإثارة الفنية المطلوبة. للحبكة فيها دلائل نفسية وقيمية يصل دويها إلى أعماق المستمع. متحررة من خصوصيات الزمان والمكان والشخوص، مما أتاح لبنائها وتركيبها أن يكتسب سمات العالمية. هكذا تنقلت حكاية "سندريلا" من خلال ثلاثمئة وخمسة وأربعين نصا مختلفا، عبر رقعة تمتد بين روسيا وإيرلندا، فهي في إيطاليا "سينيرنتولا"، وفي فرنسا" سندريلون"، وفي ألمانيا" اشينبويل"، وفي المجر "بوبلوث"، وفي روسيا" جيرنوشكا"، بينما يرقى تاريخها في الصين إلى ما قبل سنة 800 ميلادية تحت اسم" يه هسين"، قبل أن تأخذ في الشرق لقب "ست الحسن".
تقوم الحكاية الشعبية على سرد مباشر يروم الإقناع والتأثير، ويتخذ من المغامرات الخيالية والأحداث الغريبة موضوعا له. وقد تكون الأحداث حقيقية، غير أنها مُزجت بآمال الناس وأحلامهم وخلاصات تجاربهم، فحررتها من صلتها المباشرة بالواقع لتعتمد على الخوارق والعجائب، وتضفي على الطبيعة الإنسانية المتشابهة في كل مكان وزمان، أزياء محلية متنوعة. ولذلك التشابه العالمي تفسيراته، من بينها الترجمة، والنشاط التجاري بين البلدان، بالإضافة إلى تحركات الجموع البشرية الموسومة بالهجرة.

مقدمة :
يعتبر كارل يونغ (1875 - 1961) مؤسس علم النفس التحليلي و واحدا من أهم رواد مجاله. أسس ما يسمى اليوم ب "علم النفس اليونغي" و الذي يختلف عن غيره من فروع  علم النفس بعدة مميزات، من ضمنها بعض المفاهيم الجديدة التي صاغها و عرفها من خلال كتبه، إضافة إلى نظرياته التي باتت جزءا لا يتجزأ من الأدبيات العلمية المتعلقة بعلم النفس.

يركز علم النفسي اليونغي على الطفولة كونها فترة جد مهمة للنمو النفسي لدى الفرد، إذ أنها الفترة التي تتشكل فيها الأنماط الأولية و يكتشف الطفل ذاته ويبني تكامله النفسي و العاطفي خلالها. و في نفس السياق، فإن أدب الأطفال شكل من أشكال الفنون التي تقوي اتصال الفرد بالعالم حوله و تصقل إنسانيته و حسه الفني لتجعل منه كائنا حساسا ينتمي إلى مدرسة الرومانسية و تعلمه كيفية التواصل مع أحاسيسه الأكثر تعقيدا. فكيف يؤثر أدب الأطفال في نموهم السيكولوجي و كيف له أن يساهم في تكوين شخصيتهم؟

أدب الأطفال كوسيلة للتربية و التعليم :

         إلى جانب سبل التعليم التقليدية التي تعتمدها معظم المدارس الحكومية في العالم، شهد المجال التربوي ظهور أساليب جديدة تهدف إلى جعل عملية التعلم أكثر متعة بالنسبة للطفل. من بين هذه الأساليب نجد القصة المصورة التي تمكن المعلم من تحقيق أهداف دراسية عديدة من خلال نشاط واحد، إذ أن القصة المصورة تساعد الطفل على تعلم القراءة والتعود عليها، و تلقنه الأخلاق و القيم الحسنة، كما تمده بالمعرفة الثقافية و العلمية.

من الطبيعي جدا أن يجد الطفل ذاته من خلال التعرف عليها في شخصيات خيالية معينة و أن يتعاطف معها و مع قضاياها؛ هذا إن دل على شيء فإنما يدل على قدرة الطفل على رصد الأنماط الأولية (Archetypes) التي تحتوي عليها معظم الكتب و الروايات، سواء أ كانت للصغار أم للبالغين. تعتبر هاته الأنماط الأولية لدى كارل يونغ إمكانات فطرية يتم التعبير عنها في السلوك والتجارب البشرية و تعززها التجارب الفردية والثقافية[1]. انطلاقا من ملاحظة هذه الأنماط و رصدها من خلال التفاعلات الاجتماعية التي تحدث خلال فترة الطفولة، يتمكن الطفل من بناء نظرة أولية على المجتمع و فهم مكامن النفس البشرية المعقدة بطبيعتها. إضافة إلى الملاحظة التي تعد أداة من أدوات التعلم، فإن القراءة وما تقدمه من رصيد معرفي للأطفال كما للبالغين تغنيهم علما و اطلاعا على اﻷنماط اليونغية التي تؤطر تفاعلاتهم الاجتماعية خلال حياتهم البالغة. يعد أدب الأطفال بمثابة وسيلة لدمقرطة القيم و الروح الأخلاقية، وذلك بفضل العنصر القيمي الذي يزخر به هذا الصنف الأدبي، إذ يقدم الكاتب عادة شخصيات خيالية عديدة منها الخَيِّرُ و منها الشرير، كما ينشر من خلال اللغة و جماليتها حب الجمال و تفضيله، و يقدم دروسا حياتية للقارئ عبر حبكة أدبية مميزة من شأنها أن تنمي الحس الإبداعي لدى الطفل. ثم إن تشجيع الأطفال على القراءة يدفعهم إلى التعود على هذا النشاط التعلمي، مما يجعل مسارهم الدراسي حافلا بالنجاح و التميز الأكاديمي، و يغرس حس الفضول وحب المعرفة فيهم منذ الطفولة ليعودهم على ما فيه نفع لهم.  

قبل أن يوجد المخرج كانت النصوص المسرحية تحمل في طياتها إرشادات وتوجيهات، تحدد شكل العرض وصياغته المشهدية. وبتتبع تاريخ العرض المسرحي في كل الحضارات، أمكن رصد التشكلات الأولى لدور المخرج باعتباره مسؤولا عن الولادة الثانية للنص، من خلال تنظيم مكوناته من أداء، وديكور، وموسيقى، وأضواء.

في القرون الوسطى كان ترتيب المناظر والحيل المسرحية، كما يصفها أرسطو في كتابه (فن الشعر) يقع على عاتق مدير اللعبة Meneur de jeu، وهي المهمة التي قد يتولاها الممثل الأول في الفرقة أو حتى مصمم الديكور. لكن في نهاية القرن التاسع عشر سيترافق ظهور الإخراج، كمكون أساسي في العملية المسرحية، مع ميلاد السينما، والتغيير الهائل الذي أحدثته في تركيبة الجمهور وأذواقه. وسعى منذ ظهوره إلى التجريب والبحث عن صيغ وجماليات متنوعة. لكنه خلال رحلته المديدة التي يُرجعها العلماء إلى زمن الفراعنة، لم يلتفت لجمهور الصغار إلا قبل مئة عام أو يزيد قليلا.

من المعلوم أن مسرح الطفل نشأ في سياق البحث عن طرائق تربوية جديدة لتربية وإرشاد الأطفال. وبفضل المنجز الذي حققته الأبحاث في ميادين علم النفس، برزت سمات وخصائص نمائية لمرحلة الطفولة، شجعت على توظيف المحاكاة الفطرية التي يتمتع بها الطفل منذ سنواته الأولى، ضمن إطارها الفني، عبر ثلاث محاور: التمثيل للطفل، والتمثيل مع الطفل، ثم الطفل يمثل بمفرده. هكذا نشأت بوادر الكتابة المسرحية للطفل، وتقريب مكونات العرض المسرحي من عالم الطفولة الفريد، ومن بينها الإخراج بطبيعة الحال.

إن تطوير الذوق الفني والجمالي للطفل، وبناء ثقته بنفسه، وتغيير توجهاته الفكرية والثقافية والاجتماعية لهي أهداف يلتئم حولها كاتب النص ومخرجه. بمعنى أن العرض المسرحي الذي يؤديه الطفل ويشاهده، ليس فقط وسيلة تربوية لغرس القيم، وتوجيه السلوك وجهة محمودة، وإنما هو أيضا اندماج مع عالم مواز لحياته اليومية؛ أعني عالم المسرح بتقنياته المختلفة، من اكسسوار وماكياج وإضاءة ومؤثرات صوتية. وهو الاندماج الذي يحتم العناية بالعملية الإخراجية، والتعرف على أسسها وقواعدها التي تسهم في إعداد الممثل الصغير.

يلج الطفل عالم المسرح متوسلا بميله الفطري إلى المحاكاة. تلك المهارة المتجذرة في طبيعته الإنسانية والتي تعتمد على الصوت والجسد في تقليد الآخرين، واكتساب المعارف الأولية، بالإضافة إلى التأثر بما يجري في محيطه. وهي في الوقت نفسه إحدى خواص الفن المسرحي، متى أحسن المدرس أو المنشط تحفيز أداء الطفل، وإعداده لتجربة متنوعة تعتمد الاستخدام الكامل لإمكاناته.

ليس الهدف بالضرورة خلق ممثل محترف، إذ يؤمن الطفل في النهاية بأن الأداء المسرحي هو لعبة للتنفيس عن توتره، وتنظيم انفعالاته، ومعالجة بعض مشاكله النفسية كالخجل وعيوب النطق. لكن ما الذي يمنع من الارتقاء بما يجري داخل الفصل الدراسي، أو في دور الشباب ومراكز الطفولة، إلى ممارسة واعية وممتدة، تتحرر من البساطة والتلقائية المعهودة لتربية الممثل الصغير؟

قدم المسرحي الروسي قسطنطين ستانيسلافسكي منهجا وطريقة في تدريب الممثل، تهتم بتفجير ملكات المخيلة والإبداع. وهو يؤمن بأن الممثل الذي يستشعر الموقف الوهمي، لن يجد صعوبة في التجسيد وإظهار العواطف والانفعالات الملائمة. وتعتمد طريقته على استرخاء الجسم والصوت، وتركيز الانتباه، وتحفيز الخيال دون فرض قواعد أو نماذج مسبقة.

يرتكز إذن تدريب الممثل وفق أسلوب ستانيسلافسكي على:

  • الاسترخاء: وذلك من خلال تمارين يتم تنفيذها مع كل جزء من أجزاء الجسم على حدة، وتهدف لتقليل التوتر، والسيطرة التامة على الصوت والجسد. ويمكن تشبيه الاسترخاء هنا بعملية ضبط الآلة الموسيقية قبل العزف.
  • التركيز: ويتضمن اختيار الممثل لموضوع أو مشكلة محددة للتدرب عليها. ويخدم التركيز هنا عدة جوانب من بينها: عزل الممثل عن التشويش الخارجي، وتحرير العقل ليتمكن من خلق المشهد المتخيل، ثم العيش في الجو التمثيلي كأنه حقيقة واقعية" مثلا التدريب على حمل كوب من الشاي، حيث يستعين الطفل بكوب حقيقي، ثم يحاول أن يستعيد تلك الخبرة مع كوب خيالي، مستحضرا وزنه وملمسه والسخونة التي يسببها".

تبدأ علاقة الطفل بالقصة والحكاية مستمعا ثم قارئا؛ لكن المسرح بإمكاناته الهائلة ينقله إلى عالم جديد قوامه التمثيل والفرجة، والمزج بين التعبيرات المتعددة على الخشبة. وهو انتقال يتطلب بالأساس اهتماما بالسمات النفسية التي تُمهّد لعلاقته بالمسرح؛ حيث إن الطفل يولد فنانا، يقول بابلو بيكاسو، لكن المشكل هي كيف نحتفظ بهذا الفنان بينما يكبر.

غير خفي إذن أن مسرح الطفل تتحكم في إنتاجه اعتبارات تربوية وفنية، متسقة بطبيعة الحال مع النمو النفسي والإدراكي والمعرفي للطفل. وهذا يعني أن إعداد عمل مسرحي ينطلق من استيعاب للخصائص السيكولوجية للطفل والمراهق؛ لأن عدم الاهتمام يؤدي في النهاية إلى تقديم عروض مسرحية ضعيفة أو مربكة لقدراته الذهنية. وبالنظر إلى عدد السنوات التي يقضيها الطفل في حضن المدرسة الابتدائية، يمكن التمييز بين مرحلتين أساسيتين:

  • مرحلة الخيال الحر والمطلق، حيث يتطلع الطفل في الفترة ما بين 6 إلى 9 سنوات إلى عوالم خيالية، تستوعب رغبته في المتعة والانطلاق خارج حدود واقعه اليومي. لذا يُظهر ميلا شديدا لقصص الحوريات والعمالقة والأقزام، وللحكايات المستلهمة من التراث الشعبي.
  • مرحلة البطولة والمغامرة والخيال الواقعي، وهي الممتدة إلى سن 12 سنة، حيث يبدأ تحرر الطفل تدريجيا من عالم الخيال، ليصير تفكيره أكثر نضجا واستعدادا لإظهار الشجاعة والمسؤولية. وخلال هذه المرحلة تستهويه قصص المغامرة التي تعتمد التفكير والتوقع، وتجعل من شخصية البطل قالبا ملائما لتمرير القيم والمواقف، وتأكيد ارتباطه بالقضايا الاجتماعية والإنسانية المختلفة.

تحدد تلك الخصائص وجهة المدرس أو المنشط في اختيار النص المسرحي الذي يتناسب مع إدراك الطفل واحتياجاته. نص ينبغي أن يتحقق فيه قدر من التبسيط، ووضوح العلاقات بين شخصياته، وبناء درامي تتنامى داخله الأحداث بشكل تسلسلي لا يعتمد القفزات المفاجئة.

بالنظر إلى الصعوبات التي تكتنف الكتابة المسرحية للطفل في العالم العربي، فإن المدرس أو المنشط يجد نفسه أمام خيارين: إما إيجاد نص ملائم، أو بذل جهد إضافي يتمثل في مسرحة نص أدبي " قصة، حكاية، شعر..." مع متطلبات البناء المسرحي. وفي كلتا الحالتين لابد من مراعاة بعض القواعد التي تجعل النص ملائما لنفسية الطفل وقدراته.