- تمهيد:
وُجدت اللغة مع وجود الإنسان، ثم بدأ هذا الأخير يتكون في شكل جماعات بشرية مختلفة تنتقل باستمرار بحثا عن مقومات العيش على سطح الأرض، فصار لكل جماعة بشرية لغة تميزها عن باقي الجماعات، وترتب عن عدم الاستقرار والتنقل الدائم ظهور تنوع لغوي استمر في النمو والتوسع بحكم التطور المستمر للمجتمعات نتيجة عدة عوامل اجتماعية سياسية واقتصادية وثقافية... وهو تطور نتج عنه أيضا احتكاك الأنظمة اللغوية مع بعضها البعض داخل حيز جغرافي واحد، الشيء الذي سيسفر عن تطور ظواهر لغوية متعددة من قبيل: التعدد اللغوي، والثنائية اللغوية، والازدواجية اللغوية، والتداخل اللغوي، والتحول اللغوي الذي سيكون موضوع عرضنا هذا، والذي حاولنا من خلاله الإجابة عن الإشكاليات التالية:
- ما مفهوم التحول اللغوي وما هي أنواعه وما أسباب وقوعه في التواصل؟
- كيف نشأ هذا المصطلح في الأدبيات اللسانية وكيف تم تناوله من منظور علم اللغة الاجتماعي؟
- كيف يتمظهر هذا الوضع اللغوي عند الناشئة- تلاميذ المستوى الثانوي الإعدادي نموذجا- وكيف يتعاملون مع هذه الظاهرة؟
بناء على هذه الإشكاليات تناولنا العرض من جانبين: جانب سنجيب فيه عن السؤالين الأول والثاني، والجانب الثاني شق تطبيقي سنقف من خلاله على ظاهرة التحول اللغوي عند عينة من تلاميذ المستوى الثانوي الإعدادي.
وقبل الخوض في تعريف هذا المفهوم سنتعرض لبعض المفاهيم المرتبطة به، خاصة مفهومي الثنائية اللغوية والازدواجية اللغوية باعتبار التحول اللغوي النقطة التي تجمع بينهما.
- الثنائية اللغوية.
الثنائية اللغوية هي مقابل للمصطلح الإنجليزي Bilingualism[1] وتتكون من السابقة اللاتينية Bi وتعني المثنى أو المضاعف، وLingual أي لغوي، واللاحقة ism بمعنى الحالة أو الصفة، وحاصل الترجمة؛ سلوك لغوي ثنائي أو مضاعف/ الثنائية اللغوية[2].
وقد تعددت تعاريف مفهوم الثنائية اللغوية بتعدد أراء الدارسين ووجهات نظرهم، فنجد مثلا:
أن فرانسوا جروجون Francois Grosjean يرى أن "ثنائيي اللغة هم أناس يستخدمون لغتين، أو لهجتين أو أكثر في حياتهم اليومية، فالإيطاليون الذين يستخدمون واحدة من لهجات إيطاليا- مثل البوليزية- مع الإيطالية الرسمية، يمكن وصفهم بأنهم ثنائيو اللغة"[3]. أما جورج مونان Georges Mounin فيرى أن ثنائي اللغة هو الفرد الذي يتحدث لغتين دون تمييز. وينظر إليها بلومفيلد Bloomfild على أنها إجادة الفرد للغتين مختلفتين. ويعرفها ماكي Mackeyبأنها الاستخدام المتناوب للغتين أو أكثر من قبل نفس الفرد[4].
من خلال هذه التعاريف يتبين لنا أن الباحثين يتفقون على أن الثنائية اللغوية مرتبطة بالفرد الواحد ومدى قدرته على استخدام لغتين أو أكثر في محادثاته، لكن شرط الإجادة الذي وضعه بلومفيلد يضعنا أمام التساؤل عن وضع الفرد الذي يعرف لغتين أو أكثر بدرجات متفاوتة.
فالشخص قد يستعمل اللغتين الأولى والثانية بصورة متكافئة فتسمى هذه الثنائية بالثنائية اللغوية المتوازنة، وقد يتقن اللغة الأم أكثر من اللغة الأخرى فتسمى ثنائية اللغة السائدة، وهذا ما يطلق عليه الدارسون المظهر الفردي للثنائية اللغوية، أما المظهر الاجتماعي فهو استعمال الأفراد داخل المجتمع لغتين أو أكثر، فيختارون استعمال لغة في مواقف معينة، ولغة أخرى في مواقف أخرى، أو قد يزاوجون بينهما في موقف واحد[5].