" صحيح أن العدالة ستعمل على حماية الحس المشترك من الانسياق الى العنف لكن بين دغمائية اليمين المحافظ ودغمائية اليسار الثورية ألا يوجد مكان لمقاربة مغايرة..."1- عصر الديمقراطية:
" ان الديمقراطية تنتشر في طول العالم وعرضه".
نحن نعيش الآن دون شك في عصر متوجها الى الديمقراطية لأن النماذج الفاسدة في طور التلاشي واحد بعد الآخر وأشكال السلطة تتبدل وأنماط الحكم تطورت شيئا فشيئا لتصل الى مرتبة الدولة بالمعنى الحقيقي للكلمة، كما أن النظريات المغلقة ألقت بها الطبقة الناشئة في مزبلة التاريخ وكذلك الأفكار الكلانية المعادية للروح الديمقراطية باتت مستهجنة من قبل النخب المثقفة والمتعلمة ومحسوما فيها من قبل الشعوب والجماهير وداست عليها الحشود بالأقدام في كافة أرجاء المعمورة.
ان الكل اليوم دون سفسطة يريد ديمقراطية، وبكل بساطة إننا نعيش لحظة البراديغم الديمقراطي بمعنى أن جملة المشاكل والآراء والأفكار التوجيهية والنظريات والتصورات التي تتعلق بتنظيم العلاقات بين الأفراد فيما بينهم وبين المجتمع والدولة تطرح ضمن المسطح الذي تنبسط فوقه فكرة الديمقراطية،بعبارة أخرى كل من يبحث عن موطن قدم له في المجتمع ومن يريد الحصول على الصحة والتعليم والشغل والمسكن والحياة الكريمة فانه يطلب الحقنة الديمقراطية من أجل تسكين أوجاعه وكأنها وصفة سحرية تنقل عاشقها من العدم الى الوجود ومن الظلام الى النور.
عبر فوكوياما عن هذا التوجه بقوله:" يتخذ الطابع العالمي للثورة الليبرالية الراهنة أهمية خاصة ذات دلالة وهذا يشكل فعلا شهادة إضافية بأن هناك عملية أساسية تجري وتفرض صورة مشتركة من التطور على جميع المجتمعات الانسانية وبالاختصار هناك ما يشبه التاريخ الشمولي للبشرية باتجاه الديمقراطية الليبرالية."
ان زراعة شجرة الديمقراطية وتربية الناس على مبادئها ونشر غسيل الاستبداد وترسيخ عقلية المواطنة وثقافة التمدن والسلم كفيل بأن يحقق الاطمئنان والثروة والأمن والازدهار للفرد والمجتمع وعلى صعيد الجسد والروح على السواء ومن ناحية المادة والفكر معا. ان النظام الديمقراطي هو المثل الأعلى الذي ينبغي أن يحاكى والمرحلة الأخيرة من تطور المجتمع البشري وهو الأكثر تعبيرا عن طموح الانسانية لتحقيق جملة أهدافها على الأرض الواقع وهو النظام السلام العالمي الذي يعبر عن تضامن الدول وتعاونها حيث يسود التسامح واللاعنف والتعددية والنسبية والاحترام والاعتراف العلاقات الدولية.
عنوان المقال هذا ليس لي في الحقيقة؛ بل هو للكاتب الألماني المعروف غونتر غراس, الحاصل على جائزة نوبل في الآداب, والذي يُعاني - بالمصادفة – الآن من مسألةٍ في "تاريخه" لها علاقةٌ إلى حدٍ بعيد بمشكلة الحرية. فقد عاد الكاتب (البالغ من العمر 78 عاماً) لكتابة مذكراته من جديد, وهذه المرة بعنوان "تقشير البَصَل", نعم, تقشير البصل باعتبار صعوبته, وأنّ العين تدمع, وقد تجرح السكين اليد! ومذكّرات الكاتب عن فتوته طويلةٌ ومفصَّلة, وقد سبق أن قصَّ الكثير منها (روائياً) في قصصه الرائعة والتي تتوالى منذ العام 1959م, والتي أورثتْهُ جائزة نوبل للآداب بعد توماس مان وهاينر بول. إنما المهمُّ ليس الطول أو التفصيل أو الروعة؛ بل سرٌّ يذكره الرجل للمرة الأولى, وهو أنه في فتوته (كان عمره 17 سنة) خَدَم في فِرَق الأمن الألمانية (44-1945م)! وهذا الأَمْرُ شديدُ الحساسية ليس للألمان فقط؛ بل ولليهود أيضاً, وسائر الأوروبيين. فقد كانت كتائب الـ SS هذه بقيادتة هاينرش هملر مخيفةً ورهيبةً, وهي تحرس "الفوهرر", ومعسكرات الاعتقال, وتمارس أعمال القمع في الأقطار التي "فتحتها" ألمانيا النازية أو اجتاحتها. وقد كان النازيون الشبان المتحمسون يعتبرون ذلك السلاح والدخول إليه شرفاً ما بعده شرف, وما كانت فِرَقُ النخبة هذه مُتاحةً للجميع؛ ولذلك فهذه مشكلةٌ أُخرى لغــراس: إذ لا بد أنه رغم صِغَر سنّه كان نازياً متحمساً بحيث رضي الذين أجروا له مقابلة الاختيار أن يقبلوا طلبه الدخول إلى منتدى الشرف ذاك!
تظهر في فكرنا العربي المعاصر عدة معارك زائفة وثنائيات مصطنعة مثل السلفية والعلمانية، الدين والدولة، الدين والعلم، الدين والفلسفة، الأصالة والمعاصرة، القديم والجديد، الإيمان والإلحاد، الدين والعقل، الله والطبيعة، الله والإنسان، النفس والبدن، الآخرة والدنيا، الرجل والمرأة.. الخ. وتوحي هذه الثنائيات بتناقض أطرافها واستحالة الجمع بينهما لأنهما على طرفي نقيض بمنطق "إما... أو". وتنقسم الأمة إلى فريقين متصارعين كل فريق في صف طرف ضد الفريق الآخر الذي في الطرف الثاني. وتنقسم الثقافة الوطنية إلى قسمين متصارعين، يدمر أحدهما الآخر ويقضي عليه. فينتهي الإبداع، ويعم النقل. ويتوقف الحوار، ويسود التعصب.
الحداثة السياسية عبارة عن أفق فكري تاريخي مفتوح على كل ممكنات الإبداع الذاتي في التاريخ، فلا يمكن تصور إمكانية تحقق الحداثة بالتقليد، بل إن سؤال الحداثة في أصوله ومبادئه الفكرية والتاريخية العامة يعد ثورة على مختلف أشكال التقليد.
عايشت حركة فتح منذ انطلاقها كرصاصة أولي للثورة حتى عام 1993 العديد من الظروف الصعبة ، والمواقف الحرجة التي وجدت ثورتنا عامة نفسها في معمعان التآمر تارة ، ومحاولات الاحتواء والتصفية تارة أخرى ، ورغم كل هذه الأحداث استطاعت حركة فتح أن تنهض ، وتنهض معها ثورتنا بقوة وعنفوان ، حتى وصلت فتح إلي أتفاق أوسلو وعادت قواتها ورئيسها الشهيد ياسر عرفات إلي الأرض الفلسطينية ولحق بركبها القوي الفلسطينية التي أدعت إنها قوي معارضة ، ورغم كل الإسقاطات التي حدثت لفتح داخلياً وخارجياً ، كان أشدها انشقاق " فتح الانتفاضة " وبعض الانشقاقات الأخرى التي قادها صبري البنا وغيره ، إلا أن فتح برئاسة ياسر عرفات استطاعت الحفاظ على وحدتها وتماسكها وبريقها الثوري وإعادة البناء والسيطرة على أطرها التنظيمية ، حتى سقط ياسر عرفات شهيداً في حصاره برام الله ، وجميع الدلائل تشير أن فتح سقطت بسقوط أبو عمار ، حيث انتخب الرئيس أبو مازن في مناخ مبشر لفتح التي توحدت من خلفه ، وأصبح يمثل رئيساً للسلطة الوطنية ، وفاروق القدومي أميناً للسر لحركة فتح ، وبدأت حالة الطلاق الفعلي بينهما ، طلاق لا رجعه به ، غير قابل للتلاقي والتآلف مرة أخرى. أن المدقق في أزمة فتح سيجد أنها تعاني الكثير من المشاكل، إذ تعاني فتح أولاً من مشكلة بنيوية تنظيمية حقيقية، ومن حالة تشرذم داخلي ومن صراعات وصلت حد الاغتيالات والتصفيات؟ ومنذ سنة 1989 لم تنجح فتح في عقد مؤتمرها العام، وشهدت انتخاباتها الداخلية وانتخابات اختيار من يمثلها في المجلس التشريعي (البرايمرز) ممارسات لا تليق بحركة عريقة مثلها. وكان الكثير من عناصرها يشكون من تفرُّد ودكتاتورية رئيسها الراحل ياسر عرفات، لكن الوضع زاد سوءاً بعد وفاته..وتعاني فتح ثانياً من تآكل رصيدها النضالي، إذ أن فتح التي نشأت لتحرير الأرض غرب الضفة الغربية (الأرض المحتلة 1948) تنازلت عن هذا الهدف، فقد قامت قيادتها (التي تقود م. ت. ف) بالاعتراف بإسرائيل وحقها في الوجود على 77% من أرض فلسطين، وأعلنت نبذ الإرهاب ووقّعت على اتفاق أوسلو وقادت تيار التسوية، واضطرت لقمع حركات المقاومة إيفاءً بالتزاماتها تجاه إسرائيل. وظهرت فيها مجموعات ورموز على علاقات سياسية واقتصادية وأمنية بالإسرائيليين...ومع غياب الرئيس عرفات وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية دخلت حركة "فتح" المرحلة الأخيرة التي شهدت انتهاءها تنظيماً موجوداً ذا رؤية سياسية وفكرية موحدة ومتماسكة وفكرة أو مفهوم جبهة التحرير الجزائرية أي الجبهة التي تجمع اتجاهات ومشارب سياسية فكرية مختلفة عفا عليها الزمن، فضلاً عن رحيل الرجل الذي مثل الخيمة أو العباءة التي تجمع تحتها كل الاختلافات والتباينات. ولم يتم العمل بشكل جدي لإعادة بناء تنظيم حركة "فتح" وفق أسس وطنية وديموقراطية شفافة ونزيهة وسليمة، بل على العكس جرى اختطاف التنظيم والهيمنة عليه من المجموعة نفسها التي حاولت الانقلاب على الرئيس عرفات، وهي اليوم تنقلب على حكومة الشعب الفلسطيني وعلى خياراته الحرة والديموقراطية وتتواطأ حتى مع الأجنبي والعدو من أجل تشديد الحصار وقطع المساعدات والمعونات عن الشعب الفلسطيني.
تمرعلينا الذكرى الأربعون لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وشعبنا تعصف به حالة من الانقسام والتشرذم لم يشهد لها مثيلا منذ انتصاب الكيان الصهيوني.
أمامي التقرير الربعي الأول للحكومة الفلسطينية الثانية عشرة، التي يرأسها د. سلام فياض، وهو تقرير يتحدث حسب العنوان عن الإنجازات، التي حققتها الحكومة في الفترة الممتدة من السادس عشر من حزيران وحتى الرابع عشر من تشرين أول من هذا العام.
تمر علينا الذكرى العشرون لانطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الاولى..انتفاضة"اطفال الحجارة" وشعبنا الفلسطيني يمر بمرحلة من الانقسام والعداء والتشرذم لم يشهد لها مثيلا منذ انتصاب الكيان الصهيوني.