مقدمة
حين تقرأ بيانات البنك الدولي عن المغرب، تظن للوهلة الأولى أنك أمام نموذج ناجح: نمو اقتصادي بلغ 3.8% سنة 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز 4.7% في 2025، ميناء طنجة المتوسط الأكبر على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، صناعات سيارات وطائرات تستقطب عواصم الاستثمار الأجنبي، وطاقة متجددة تتصدر المشهد العالمي. ثم تغلق التقرير وتخرج إلى الشارع.
تخرج إلى شارع حيث شاب جامعي يبيع الخضر بجانب أبيه على الرصيف أو عند باب جامع في حي شعبي، وامرأة في الخمسين لم تدخل سوق الشغل قط، وخريج هندسة ينتظر منذ ثلاث سنوات وظيفة لا تأتي، والرقم الرسمي للبطالة الذي تُعلنه الحكومة - 13% - لا يعكس ما تراه عيناك في مقاهي الدار البيضاء وفاس ومراكش. ثمة شيء ما لا تقوله الأرقام. أو بالأحرى: ثمة شيء تقوله الأرقام بشرط أن تحسن قراءتها.
I- أرقام تغش بعضها
لنبدأ من أكثر ما يُستشهد به: معدل النمو الاقتصادي. يُعلن المسؤولون بفخر عن نسب نمو الناتج المحلي الإجمالي، كأنها الدليل القاطع على أن المغرب يسير في الاتجاه الصحيح. غير أن معدل النمو - في حد ذاته حسبما يعكسه الشارع- لا يخبرك بشيء دون أن تسأل: نمو لمن؟ ونمو أين؟
حين تقرأ أن معدل الفقر انخفض إلى 3.9% سنة 2022 وفق البنك الدولي، يبدو الرقم مبشرا. لكن وراء هذا الرقم حقيقة صارخة:
- معامل "جيني" للاختلال في توزيع الثروة في المغرب يبلغ نحو 40.5 وفق البنك الدولي، وهو مؤشر يكشف أن التفاوت بين الأثرياء والفقراء ظل مرتفعا وثابتا حتى في سنوات النمو.
- نصيب الفرد من الناتج المحلي لم يتجاوز 3,672 دولار سنة 2023، مما يبقي المغرب عالقا في "فخ الدخل المتوسط" الذي حذرت منه دراسات مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
- ثلاثة أرباع السكان النشيطين يتمركزون في خمس جهات فقط، مما يعني أن النمو نفسه يتمركز جغرافيا بدل أن يتوزع.
إن النمو الاقتصادي في المغرب يشبه إلى حد ما "تلك الكعكة التي يتوسع حجمها دون أن تتسع شرائحها". عبارة لا تتبناها منظمة دولية فحسب، إذ هي خلاصة ما رصده تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) في مسحه الاقتصادي للمغرب سنة 2024، حين لاحظ أن الاستثمار الأجنبي المباشر كان قويا، لكن الاستثمار المحلي الخاص ظل هشا، وأن الشركات المغربية تواجه عقبات هيكلية تحول دون مشاركتها الفاعلة في منظومة النمو، وأبعد من ذلك فكم من مقاولة صغرى أعلنت إفلاسها، بحيث تفيد المعطيات والتقارير الصادرة عن الهيئات المهنية ومكاتب الدراسات المالية في المغرب بأن قطاع الأعمال شهد موجة إفلاس قياسي طال النسيج المقاولاتي، نتيجة تضافر عدة عوامل اقتصادية ضاغطة، أبرزها مستويات التضخم المرتفعة، وغلاء المواد الأولية، وشح التمويل.
اليسار واختراق القلعة الرقمية للرأسمالية - رزكار عقراوي
تمهيد: أزمة المناهج التقليدية في زمن الخوارزميات
من الصعب خوض معركة التحرر الاشتراكي في القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن الماضي. ففي زمن تهيمن فيه الخوارزميات، ويتسع فيه تأثير الرقمنة والذكاء الاصطناعي على الإعلام والثقافة والتعليم والعمل والحياة اليومية، وتصاغ السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية عبر تحليل البيانات الضخمة وحوسبة القرار السياسي والاقتصادي، يجد اليسار نفسه أمام تساؤل وجودي: كيف يمكن لحركات ما زالت تعمل وتنظم نفسها بمنطق تقليدي أن تصمد أمام رأسمالية رقمية بلغت من التقدم التكنولوجي حداً غير مسبوق؟
إن استمرار التنظيمات اليسارية في الاعتماد على أساليب تقليدية في الخطاب والتنظيم والعمل يضعها أمام تحدٍ كبير في مواجهتها مع الرأسمالية. فنحن نواجه خصماً يمتلك ترسانة متطورة من الأدوات الرقمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية، ويتطور على مدار الدقيقة في كافة المجالات، ويتكيف مع أزماته رغم عمقها، ويتحالف طبقياً مع بعضه رغم الصراعات بين كتله، في حين لا يزال جزء غير قليل من اليسار يعتمد على منهجيات ووسائل قديمة لم تعد تواكب متطلبات هذه المواجهة المتجددة. وهذا ما نشهده اليوم على أرض الواقع، وهو ما يجعل الحاجة إلى تطويرها وتجديدها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وفي مقالات سابقة، عبرت عن هذه الفجوة الرقمية الكبيرة بتشبيه الفيل والنملة. غير أنه بعد هذا التطور المتسارع والهائل الذي بلغته الرأسمالية الرقمية، وفي ظل محدودية البدائل الرقمية اليسارية والتقدمية المؤثرة، وبحكم عملي المهني في مجالات الخوارزميات والحوكمة الرقمية، أرى أن هذه الفجوة قد اتسعت الآن لتصبح بين النملة والديناصور. إنه واقع صعب ومر لا بد أن نقر به بصراحة، لكي نبدأ من هذا الإقرار في التفكير الجاد بالبدائل الممكنة.
بين صندوق الاقتراع وأمواج البحر : عندما يصوت الشباب بأجسادهم - محمد منير
لعل ما يمكن أن نقيس به مؤشرات نضج الدولة اجتماعيا وسياسيا، هي عند اقتراب الانتخابات بارتفاع النقاش المجتمعي، وبامتلاء الساحات بالوعود وباحتدام المنافسة بين البرامج والرؤى. لكن هناك أوطان أخرى، تقاس فيها حرارة الاستحقاقات بعدد الذين يغادرونها وهم يحملون ما تبقى من أعمارهم فوق أكتافهم، متجهين به نحو بحر لا يمنح أحدا وعدا بالنجاة.
في السياق المغربي، وبينما تستعد الأحزاب السياسية لخوض انتخابات شتنبر المقبل حيث يدخل الفاعلون السياسيون سباق استمالة الناخبين، كان مشهد آخر يكتب على شاطئ مدينة الفنيدق بشمال المملكة. لم تكن هناك منصات خطابة ولا شعارات انتخابية ولا صناديق اقتراع، لكن كان هناك أكثر من ألف شاب مغربي يندفعون دفعة واحدة نحو البحر، متجهين إلى مدينة سبتة المغربية، الخاضعة للإدارة الإسبانية، في واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية خلال السنوات الأخيرة.
لسنا هنا بصدد إقامة علاقة سببية بين الانتخابات والهجرة، وإن بدت الصورة وكأنها مشهدان متوازيان داخل الوطن نفسه؛ فالهجرة ظاهرة معقدة تتشابك فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية والقانونية. فهنا على اليابسة من يتنافسون على إقناع المواطنين بالبقاء داخل المشروع السياسي، وهناك بين الأمواج من يعلنون في صمت موجع أنهم فقدوا ثقتهم في انتظار المستقبل. غير أن التزامن بين الحدثين يفرض سؤالا مجتمعيا عميقا لا يمكن تجاهله، وهو ماذا يعني أن يختار آلاف الشباب خوض غمار البحر في اللحظة نفسها التي يطلب منهم فيها المشاركة في صناعة مستقبل "بلدهم" عبر صناديق الاقتراع ؟
لقد ساهم قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في الثامن من يوليوز 2026، والقاضي بمنع الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يعترضون في البحر، في تغذية الاعتقاد بأن فرص الوصول أصبحت أكبر. لكن هذا الحكم القضائي، بقدر ما خلق أحلاما وأوهاما لدا الكثير من الشباب غذى لديهم أيضا فرصا أكبر للمجازفة. أما الحلم نفسه فقد ولد قبل ذلك بكثير داخل واقع يشعر فيه جزء من الشباب بأن الزمن يتحرك من حولهم بينما هم عالقون في المستنقع ذاته.
الهوية بين الطائفة والوطن: قراءة أنثروبولوجية في جدلية الانتماء والولاء – د. حسن العاصي
في قلب كل مجتمع، تتصارع الهويات بين الانتماء الطائفي والهوية الوطنية، وكأنها خيوط متشابكة في نسيج واحد يصعب فكه. من منظور أنثروبولوجي، لا تُفهم الهوية باعتبارها مجرد بطاقة تعريف أو انتماء شكلي، بل هي منظومة معقدة من الرموز والطقوس والذاكرة الجمعية التي تحدد كيف يرى الفرد نفسه وكيف يراه الآخرون. الطائفة تمنح الإنسان شعورًا بالدفء والانتماء إلى جماعة صغيرة متماسكة، بينما الوطن يفتح أمامه أفقًا أوسع للانتماء إلى جماعة سياسية وثقافية أكبر. لكن هذا التداخل ليس دائمًا متناغمًا؛ ففي كثير من الأحيان يتحول إلى توتر وصراع، حيث يشعر الفرد أنه ممزق بين ولاءاته الطائفية وواجباته الوطنية.
الأنثروبولوجيا، كعلم يدرس الإنسان في سياقاته الثقافية والاجتماعية، تكشف لنا أن الهوية ليست ثابتة، بل هي عملية مستمرة من التفاوض وإعادة البناء. في المجتمعات المتعددة الطوائف، يصبح سؤال الهوية سؤالًا سياسيًا بامتياز: هل يُعرّف الفرد نفسه أولًا كعضو في طائفة أم كمواطن في دولة؟ وكيف تؤثر الدولة في إعادة تشكيل هذا التوازن عبر سياسات الدمج أو الإقصاء؟ إن دراسة هذه العلاقة لا تقتصر على الشرق الأوسط وحده، بل تمتد إلى البلقان، إفريقيا، وحتى أوروبا، حيث لعبت الانقسامات الطائفية دورًا في إعادة رسم الخرائط السياسية والاجتماعية.
في زمن العولمة، تتضاعف التحديات؛ فوسائل الإعلام والهجرة والاقتصاد العالمي تعيد صياغة الانتماءات وتفتح الباب أمام هويات هجينة، لا هي طائفية خالصة ولا وطنية صافية. هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على جذوره الطائفية دون أن يفقد انتماءه الوطني؟ وكيف يمكن للوطن أن يستوعب تعددية الطوائف دون أن يتفتت؟
هذه المقدمة تضعنا أمام إشكالية معقدة، لكنها ضرورية لفهم ديناميات المجتمعات الحديثة: الهوية بين الطائفة والوطن ليست مجرد قضية نظرية، بل هي واقع يومي يحدد شكل العلاقات الاجتماعية والسياسية، ويؤثر في استقرار الدول ومستقبلها.
الأنثروبولوجيا والحداثة: جدلية التقليد والتغيير في المجتمعات المعاصرة – د. حسن العاصي
في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها العالم المعاصر، تقف الأنثروبولوجيا كعلم يسعى إلى تفكيك جدلية معقدة بين التقليد والحداثة، بين ما هو راسخ في الذاكرة الجمعية وما يفرضه الواقع الجديد من أنماط عيش وقيم وسلوكيات. فالحداثة ليست مجرد مرحلة زمنية أو تقنية، بل هي منظومة فكرية واجتماعية تتحدى البنى التقليدية، وتعيد صياغة علاقة الإنسان بذاته وبمجتمعه وبالعالم من حوله. وهنا يبرز دور الأنثروبولوجيا كأداة تحليلية قادرة على قراءة هذه الجدلية في عمقها، بعيدًا عن التبسيط أو الاختزال.
لقد اعتادت المجتمعات عبر التاريخ أن تواجه موجات التغيير بطرق مختلفة: بعضها قاوم بشدة حفاظًا على الهوية، وبعضها انخرط في التحديث دون شروط، فيما اختارت أخرى مسارًا وسطًا يقوم على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة. والأنثروبولوجيا، بما تمتلكه من أدوات ميدانية ونظرية، تتيح لنا فهم هذه المسارات، ليس فقط بوصفها ظواهر اجتماعية، بل باعتبارها تعبيرًا عن صراع داخلي بين الذاكرة والابتكار، بين الماضي والحاضر، بين ما يجب أن يبقى وما يجب أن يتغير.
إن الحداثة، بما تحمله من قيم عقلانية وعلمية وتكنولوجية، تطرح أسئلة جوهرية حول مصير الطقوس والعادات والرموز التي شكلت عبر قرون أساس الهوية الثقافية. فهل يمكن لهذه الرموز أن تتعايش مع عالم سريع الإيقاع، قائم على الفردانية والرقمنة والعولمة؟ أم أن الحداثة ستفرض قطيعة جذرية تجعل من التقليد مجرد أثر تاريخي؟ هنا يتدخل التحليل الأنثروبولوجي ليكشف أن العلاقة ليست بالضرورة علاقة إلغاء، بل قد تكون علاقة جدلية حيث يعاد إنتاج التقليد في أشكال جديدة، ويُعاد تأويله بما يتناسب مع متطلبات العصر.
من منظور صحفي، يمكن القول إن هذه الجدلية ليست مجرد نقاش أكاديمي، بل هي قضية يومية يعيشها الأفراد في تفاصيل حياتهم: في طريقة لباسهم، في لغتهم، في احتفالاتهم، في علاقتهم بالسلطة، وفي تفاعلهم مع التكنولوجيا. ومن منظور أكاديمي، فإنها تمثل مادة خصبة لدراسة كيف يعيد الإنسان صياغة ذاته في مواجهة التغيرات، وكيف تتحول الثقافة إلى ساحة صراع بين قوى المحافظة وقوى التحديث.
الإسلام في فرنسا: الخلاص في "التّكيّف" أم في استرجاع الكونيّة! - حامد بن إبراهيم
في محاولةً مهمة، لإبراز «توافق» الإسلام مع العلمانية والنمط المجتمعي الغربي المعاصر، صدر عن المسجد الكبير في باريس، في بداية السنة الجارية، "دليل المسلمين في الغرب: ممارسة دينية ثابتة وحضور مُتكيِّف". وتندرج هذه المبادرة، ضمن مسعى تهدئة التوترات المجتمعية والسّياسية، في سياق فرنسي يتّسم بنقاشات محتقنة حول حضور الدين في المجال العام، وبخاصة الإسلام.
غير أن هذا النوع من الأدبيات يطرح إشكالا يتجاوز مسألة التكيّف البسيط، ويعيد تجديد طرح سؤال مفتوح للنقاش على الدّوام: هل تكمن المشكلة فعلًا في مدى توافق الإسلام مع الحداثة الغربية؟ ألا يتعلق الإشكال بالإطار المفهومي نفسه الذي تُطرح داخله هذه الثنائية، بين "الإسلام" و"الغرب"؟ فمجرد التعامل مع "الغرب" بوصفه كيانًا موحدًا ومعياريًّا، قد يُسقط التحليل في تغافلِ تعقيدٍ تاريخيّ وثقافيّ كبير.
الغرب ليس كتلة واحدة، لا من حيث البنية الثقافية، ولا من حيث النماذج القانونية، التي تنظم العلاقة بين الدين والدولة. والعلمانية الفرنسية بتجسيدها التشريعي في قانون 1905، تقوم على حساسية خاصة تجاه حضور الدين في المجال العام، وعلى حياد صارم للدولة، لأنها خرجت من رحم صراع تاريخي مع الكنيسة الكاثوليكية. غير أن، هذا النموذج لا يمثل الغرب بأسره. فداخل أوروبا ذاتها، تتباين أشكال التدبير الديني اختلافًا واسعًا. فلا تزال الكنيسة الأنغليكانية كنيسة دولة في بريطانيا، ويقوم النموذج الألماني على نظام الضريبة الدينية التي تُحصَّل عبر الدولة. وفي الولايات المتحدة، يحتفظ الدين بحضور قوي في المجال العام، رغم الفصل الدستوري بين الدين والدولة. ومن ثم، فإن تعميم فكرة "تحييد الدين" بوصفها سمة غربية عامة، يُعدّ تبسيطًا مخلًا، بل إسقاطًا لتجربة فرنسية خاصة، على فضاء أوسع وأكثر تنوعًا.
ومن هنا يتضح، أن عدم التلاؤم المفترض بين الإسلام والغرب، قد يكون في جزء كبير منه اشكالا نظريا ونتيجة صياغة غير دقيقة للمسألة. ولعلّ إعادة النظر في تعريفنا للإسلام نفسه، من شزنها أن تفتح أفقًا مختلفًا. فالإسلام في معناه الأولي، ليس هُوية مغلقة أو انتماءً جماعيًا حصريًا، بل هو في جوهره موقف وجودي يتمثل في التسليم لله. وقد وُصف إبراهيم في النصوص بأنه مسلمٌ، كما وُصف أتباع عيسى بأنهم مسلمون، بمعنى الخضوع لله؛ مما يشير إلى أن المفهوم -بتأييد نصّيٍّ من القرآن- أوسع من حدوده الخِتامية (المحمّديّة) اللاحقة. بهذا المعنى، يصبح الإسلام حالة إنسانية كونيّة، لا مجرد انتماء دينيا محددا تاريخيًا. ويمكن لمس المعنى كذلك في قول عيسى (ع): "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"؛ وهذا تمييز بين المجال السّياسي والمجال الرّوحي، بما يجعل الدين مصدرًا للأخلاق لا مشروعًا سياسيًا شاملًا.
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية: دروس وتحديات بناء إطار يساري واسع - رزكار عقراوي
المدخل:
كتب هذا النص في شباط 2026 للنشر في دورية يسارية عراقية، غير أن تأخر النشر جاء بسبب الظروف الإقليمية المتقلبة التي تعصف بالمنطقة. وعلى الرغم من أن النص يتخذ من التجربة العراقية مدخلاً تحليلياً، فإن ما يطرحه يتجاوز الحالة العراقية وحدها، إذ تشترك كثير من دول الشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي في وقائع متقاربة: حركات احتجاجية جماهيرية واسعة واجهت صعوبات جدية في التحول إلى قوة سياسية منظمة، ويسار أثبت حضوراً ميدانياً لافتاً في الشارع رغم تشتته، في حين تظل التحديات التنظيمية والانتخابية وضعف العمل المشترك قائمة وتستدعي المعالجة. العراق هنا نموذج للتأمل والاستفادة، والسؤال المطروح أوسع بكثير من حدوده الجغرافية.
وفي هذا السياق، تستحق التجربة المغربية الراهنة الإشارة والتأمل، إذ تقدم نموذجاً حياً ومتجدداً في مسار الحوار والعمل المشترك بين القوى اليسارية. فقد جاء تأسيس "تحالف اليسار" بين مجموعة من القوى اليسارية المغربية تتويجاً لمسار طويل من التنسيق والعمل المشترك، معبراً عن إرادة سياسية واضحة لتجاوز حالة التشتت التي عرفها اليسار خلال السنوات الأخيرة، ومستنداً إلى رصيد نضالي وتاريخي مشترك. وقد أكدت الأحزاب المشاركة أن طبيعة المرحلة وما تطرحه من تحديات سياسية وحقوقية واجتماعية تفرض تعزيز العمل الوحدوي، وإطلاق مبادرات مشتركة ونفَس نضالي موحد دفاعاً عن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وتدرك القوى المشكِلة لهذا التحالف أن المرحلة المقبلة تستوجب التجديد الفكري والسياسي وتطوير أساليب النضال، وصياغة برنامج عملي موحد يجيب عن أسئلة العمل والصحة والتعليم والسكن والعدالة وغيرها من متطلبات الجماهير الكادحة.
هذا النموذج المغربي، رغم خصوصية سياقه، يحمل دلالة رمزية ورفاقية مهمة لكل قوى اليسار في المنطقة: التوحد ممكن حين تتقدم الإرادة السياسية على حسابات الحزبية الضيقة. وفي هذا الإطار تحديداً، تجدر الإشارة إلى أن قوى وشخصيات يسارية عراقية عقدت قبل أيام اجتماعاً موسعاً، في خطوة تسير في الاتجاه ذاته، وتعبر عن إدراك متنامٍ بأن لحظة المراجعة والعمل المشترك والتوحد باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل. التجربتان، المغربية والعراقية، وإن اختلفتا في سياقهما وأدواتهما، تلتقيان في جوهر واحد: الوحدة والإرادة الرفاقية المشتركة هي وحدها القادرة على تحويل الغضب الاجتماعي وعدالة القضية إلى قوة سياسية منظمة وفاعلة.
وتتناول هذه المساهمة تجربة اليسار العراقي والكردستاني، انخراطاً في الحوار الرفاقي الجاري حول إمكانيات بناء إطار يساري موحد قادر على استعادة دوره التاريخي وتجديد حضوره الفاعل.
النظام الدّولي: بين الانفلات المعياري وملامح الصّمود القِيَمي - حامد بن إبراهيم
"كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى بعض النخب المعولمة"
"بروز محور محافظ عابر للأديان...ضمن رؤية مشتركة للعالم تقوم على الاستقرار القيمي ومقاومة التفكك الاجتماعي"
يشهد النظام الدولي لحظة تحول غير مسبوقة، يُميّزها تداخل الأبعاد الجيوسياسية مع التحولات القِيَميّة والتفاعلات العقائدية على نحو يصعب فصله. هذا التّحول لا يُظهره فقط تعدد مؤشرات تراجع الأحادية القطبية، بل نراه أيضًا في ارتفاع الأصوات المطالبة بإعادة تشكيل المرجعيات القِيَميّة التي تؤّطر العلاقات الدولية. وقد شكّل السكوت على الإبادة في غزة، ذروة انكشاف ازدواجية الخطاب، وزيف ادّعاء الرّيادة الأخلاقية لدوائر عديدة في الغرب. إلاّ أنّنا الآن نشهد صعوبة تمرير أجندات عدائية هيمنيّة دون التّعرض للاحتجاج والإدانة والمقاطعة، كما كان خلال عقود ماضية.
وقبل التّطرق الى ما تمّت الإشارة اليه في عنوان هذا المقال حول الانفلات المعياري وملامح الصّمود أو الصّحوة القِيَميّة تجاه التّصدع القانوني والمؤسساتي الدّولي، نسلّط الضّوء على مأساة غزة وملف ابستين، كثنائيّة كاشفة للمستوى المنحطّ الذي نزلت اليه قطاعات داخل منظومة الفعل السّياسي الدولي. وطبعا، دون الدّخول في جزئيات الاحداث، وبعيدا عن الطّرح الوقائِعي الذّي اهتمت به تغطيات متعدّدة.
غزة وإپستين: انحطاط الوعي ولاإنسانية الفعل السّياسي الدولي
زاوية النظر في القراءة التّي ستلي، تحاول الرّبط بين غزة وفضيحة إپستين للتّنبيه إلى مستوى السقوط الأخلاقي والقِيمي الذي وصلت إليه الإنسانية؛ وخاصة، بعض الأوساط الغربية الممسكة بالسّلطة. وقد كشفت أحداث غزة، كما فضيحة إپستين، عن أزمة عميقة في بنية الوعي السياسي والأخلاقي لدى النخب الغربية المعولمة. وللأسف، تدّعي الفئات المتورّطة انّها سليلة التّنوير والفكر الليبرالي، المدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية.
مأساة الشعب الفلسطيني وما تمّ في غزة من تدمير شامل وإبادة جماعية، أسال الكثير من الحبر، وليس المقصود هنا تكرار تحليل الأبعاد القانونية أو الجيوسياسية للقضية. فغزة، لا تُختزل في كونها ساحة صراع عسكري، بل يمكن اعتبارها فضاء تُمارَس فيه ما سمّاه ميشيل فوكو «سياسات الحياة والموت» (فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع)، حيث تحتكر السّلطة حق تقرير من يستحق الحياة ومن يمكن التّضحية به.