"هل يمكن للجامعة ( وبالتالي كيف لها) أن تؤكّد استقلالية لا مشروطة ، وتطالب بضرب من السيادة ، ونوع جدّ أصيل ، ونوع استثنائيّ من السيادة ، دون المجازفة بالوقوع في خطر كبير، بل من الواجب ، بحكم التجريد الممكن لهذه السيادة المستقلّة ، أن تسلّم نفسها وأن تستسلم دون شرط ، وأن تكون لقمة سائغة و أن تشترى بأيّ ثمن؟" ( دريدا).
" نحن نعرف ذلك جيدا، لا توجد فعلا هذه" الجامعة دون شروط" . لكن يجب على الجامعة، مبدئيا و توافقا مع الغرض من وجودها صراحة، وبفضل جوهرها المعلن، أن تظلّ الحيّز الأقصى للمقاومة النقدية - والأكثر من نقدية - مقاومة لكلّ سلطات التملّك الدغمائي وغير العادل."( دريدا).
"يمكن للمقاومة ، بوصفها لامشروطة، أن تجعل الجامعة في مواجهةٍ لعدد كبير من السلطات : سلطات الدولة ( وبالتالي السلطات السياسيّة للدولة - الأمّة وبتوهّمها السيادة غير القابلة للقسمة : وهو ما تكون به الجامعة متقدّمة لا تقدّما كوسموبوليتيكيا ، بل أيضا كونيّا، ممتدّة إذن إلى ما وراء المواطنة العالمية والدولة- الأمة بوجه عام)، و لسلطات اقتصادية ( تمركز الرأسمال الوطني والدولي)، وللسلطات الاتصالية والايديولوجية والدينية والثقافية ، الخ . وباختصار لكل السلطات التي تحدّ من الديمقراطية القادمة" .( دريدا)
************
" يعني هذا العنوان المقترح أولا أنّه يجب على الجامعة الحديثة أن تكون دون شروط. ونعني " بجامعة حديثة"، تلك التي أصبح نموذجها الأوروبي، بعد تاريخ وسيط غنيّ ومعقّد، مهيمنا، أي " كلاسيكيا"، منذ قرنين، في دول من نوع ديمقراطي. تتطلب هذه الجامعة، ويجب عليها أن تشهد بذاتها الاعتراف من حيث المبدأ، فضلا عما نسمّيه الحرية الأكاديمية، حرية لامشروطة في التساؤل والاقتراح لا بل أكثر من ذلك ، الحقّ في القول عموميّا كلّ ما يقضيه بحث أو معرفة أو فكر عن الحقيقة. وتبدو الإحالة إلى الحقيقة، وإن ظلت جدّ مبهمة أساسية جدا كي نجد أنفسنا، مع النور، على شارات رمزية لأكثر من جامعة. تضطلع الجامعة بالحقيقة . فهي تصرّح ، وتعدُ بالتزام دون قيد ولا حدّ تجاه الحقيقة.
تمنح منزلة الحقيقة وصيرورتها دون شكّ، مثل قيمتها، الفرصة لنقاشات لا تنتهي (حقيقة التطابق أو حقيقة الإلهام، والحقيقة بوصفها موضوع خطاب نظري- تقريري أو أحداث شعرية- إنجازية، الخ). غير أنّ هذا يناقش، بطريقة مميّزة، في الجامعة وفي الأقسام التي تنتمي إلى الإنسانيات. ولنترك جانبا هذه المسائل الخطيرة معلقة الآن. ولنؤكّد فحسب استباقا على أن هذه المسألة الشاسعة للحقيقة وللأنوار، مسألة الأنوار Ilustracion, Iluminismo, Enlightenment, Illuminismo,كانت دوما متصلة بالإنسان. وهيتلزم بمفهوم الإنسان في حدّ ذاته، ذاك الذي أسّس في الآن نفسه النزعة الإنسية والفكرة التاريخية للإنسانيات. ويشكلّ اليوم الإعلان المتجدّد والمعاد صياغته " لحقوق الإنسان" ( 1948) وتأسيس المفهوم الحقوقي" للجريمة ضدّ الإنسانية" ( 1945) ، أفقا للعولمة وللحقّ الدولي الذي يفترض منه السهر عليها.( أحتفظ بالكلمة الفرنسية " للعولمة mondialisation من أجل " الكوكبة" globalization - Globalisierung حتى احتفظ بالإحالة إلى "عالم"« monde » (world, Welt, mundus) الذي ليس الكوكب globe ولا الكوسموس cosmos ،ولا الكون l'univers).نحن نعرف أنّ الشبكة المفاهيمية للإنسان ، للإنسان في حدّ ذاته ، و لحقّ الإنسان وللجريمة ضدّ إنسانية الإنسان تنظّم مثل هذه العولمة . تريد هذه العولمة إذن أن تكون أنسنة humanisation . لكن، إذا ما بدا مفهوم الإنسان في ذات الوقت ضروريا وإشكاليا دوما، فسيكون هذا إذن ، أحد مبررات أطروحتي ، وإذا ما شئتم، إحدى أطروحاتي في شكل إفصاح عن اعتقاد ، لا يمكن مناقشته أو إعادة صياغته، كما هو ودون شرط ، ودون مسلّمات ، إلاّ في فضاء " الإنسانيات "الجديدة ". لكن لتكن هذه النقاشات نقدية أو تفكيكيّةdéconstructives ، وهو ما يعني المسألة وتاريخ الحقيقة في علاقتها بمسألة الإنسان، بما يخصّ الإنسان، بحق الإنسان ، وبالجريمة ضد ّ الإنسانية الخ..، يجب أن يجد كلّ ذلك مبدئيا في الجامعة وبامتياز، وفي " الإنسانيات" Humanités، حيّزه للنقاش اللامشروط ودون مسلمات ، وفضاءه المشروع للعمل وإعادة البناء. لا من أجل التقوقع عليها، بل على العكس، للعثور على أفضل منفذ إلى فضاء عموميّ جديد غيّرته تقنيات جديدة للاتصال والإعلام والتوثيق وإنتاج المعرفة. ( ومن بين المسائل الخطيرة التي تطرح هنا، لكنها المسألة التي يجب عليّ أن أتركها مفتوحة، بين الجامعة والخارج السياسي- الاقتصاديّ، هي مسألة سوق النشر والدور الذي يلعبه في عملية الأرشفة والتقييم والشرعنة للأعمال الجامعية). ليس أفق الحقيقة أو الأفق الخاص بالإنسان بالتأكيد حدّا قابلا للتحديد كثيرا. لكن أفق الجامعة والإنسانية هو كذلك أيضا. نحن نعرف ذلك جيدا، لا توجد فعلا هذه الجامعة دون شروط . لكن يجب عليها ، مبدئيا وفي التوافق مع هدفها الصريح ، وبفضل جوهرها المعلن، أن تظلّ الحيّز الأقصى للمقاومة النقدية - وأكثر من نقدية - مقاومة لكلّ سلطات التملّك الدغمائي وغير العادل. وحينما أقول " أكثر من نقدية" ، فإني أقصد " تفكيكيّة" ( لم لا نقول ذلك مباشرة ودون مضْعَيَة للوقت؟). أطلب الحقّ في التفكيك بوصفه حقّا لامشروطا في طرح الأسئلة النقدية لا على تاريخ مفهوم الإنسان فحسب، بل على تاريخ مقولة النقد بالذات ، على تاريخ شكل ونفوذ المسألة1، على الشكل. (1).