كتاب بمثابة دراسة بحثية للباحث الفلسطيني ذي المنزع القومي الليبرالي عزمي بشارة، تتوزع مضامينه على أربعة فصول (توترات الديمقراطية بين المساواتية والحرية، الشعبوية: الخطاب والمزاج والأيديولوجيا، مسألة عدم الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، هل فقد النظام الديمقراطي جاذبيته؟)، إذ تناول من خلالها الظاهرة الشعبوية من حيث هي خطاب سياسي وممارسة في آن واحد، فمن شأن عدم تحديد معنى المصطلح بدقة أن يُطلق العنان لهذه التسمية من دون قيد، كما انبرى المؤلف لبيان مصادر الشعبوية ومضارها على النظام الديمقراطي:
جوهر الشعبوية
بحسب الكاتب، الشعبوية هي استراتيجية سياسية تستثمر في مزاج شعبي غاضب، وقد تتحول من محض خطاب إلى أيديولوجيا في الحالات القصوى، وذلك حين تفضي إلى استقطابات حادة تنعكس في المقابلة بين الشعب "الطاهر – النقي" والنخب "الفاسدة". فالسياسي الشعبوي يزعُم بأنه وحده الممثل الحقيقي للشعب على الضد من النخب التقليدية، مع التنبيه إلى أن خطاب الأخيرة لا يخلو أيضا من مسحة شعبوية وإن بدرجة أقل حدة. كما ينهض الخطاب الشعبوي على الاعتقاد بأن الشعب هو مستودع كل الفضائل، وهو دوما على حق، فيما يجنح إلى شيطنة النخب ("أعداء الشعب") وتسويد صحيفتها في نظر الجمهور.
وقد عبر المفكر الألماني كارل شميت (1888-1985) بوضوح عن تلك النزعة حين طعن في الديمقراطية التمثيلية، القائمة على فكرة تمثيل الأحزاب، التي لا تجسد – في اعتقاده – إرادة وتطلعات الشعب، بحيث نادى شميت بحكم فرد دكتاتور في مكنته اتخاذ قرارات حاسمة لا تذعن لسطوة المواضعات النخبوية، على نحو يضمن تحقيق مبدأ السيادة الشعبية. وبينما لا ينكر عزمي بشارة أن أطروحة محدودية الديمقراطية التمثيلية تنطوي على قدر من الوجاهة، فإنه يلح – بالمقابل – على أن فرادة الديمقراطية الليبرالية تكمن في إتاحتها وسائل للرقابة الشعبية والقضائية على النخب الحاكمة، في إطار مبدأ علوية القانون، وهي الضمانات التي تهدد الشعبوية بالنيل منها.