توقفت مرتين على الجسر متثاقلة، قبل الوقوف الأخير في وسطه.. وبذا تكون هذه النقطة هي الأبعد عن مياه النهر فتسهل مهمتها القاسية.. والأبعد في الوقت نفسه عن الشاطئين لتضاف سهولة أخرى.. ولكن!. كيف سيواجه أشقائها عامة الناس؟.. ويواجهوا الأصدقاء؟ لا سيما أن أعداداً من سكان الديوانية قد نزحت إليها من القرى والأرياف.. ولو ـ لعنت الشيطان ـ وعادت بخفي حنين إلى المدينة، كيف ستواجه الأم التي طالما حذرتها منه؟ إذ هي على دراية أن السفر هاجسه بقصد الدراسة أو الإقامة أو ما يبرر له هذا.. عدا أن الكثير من شباب الحي يمني النفس بها، وهي لن تمني النفس إلا به، لذا لقبتها أمها ـ إكحيلة ـ عن استحقاق.
فبعد مضيها لبعض الوقت في غرفته تنهض لتضع لمساتها على جميع مقتنيات الدار ولوازمه، لم تدع صحناً أو قطعة ملابس إلا وغسلتها وتحديداً ملابس أمه.. التي أحبتها بصدق.. والحق، إنها كانت كحمامة بيضاء هادئة ووديعة.. كغزال بري في لفتاته. كثيراً ما أضافت إلى المنزل هالة رائعة بتشكيلات ملابسها وتسريحات شعرها. كان الشريط الأسود بعرض اصبعين يطوق جيدها ويضفي عليها الكثير.. كانت واثقة الخطى في المنزل.. وواثقة منه تماماً، فعما قريب ستأتي رسمياً إلى الدار، وبذا تلقم الأفواه الممطوطة الشفاه هزءاً بحجر.. فأمها حين امتثلت لإرادتها، قالت ذات صباح:ـ إنها كفيلة بإسكات أشقائها.



لمعان باهت ولّده امتزاج الملح والرمل مع العرق المنداح حول العنق، مسح جبينه بكم القميص المخطط، ووجد نفسه خارج الحفرة بعد أن سمع: اعطني يدك يا صبّار، لقد تعبت. ومرة بعد أخرى، كانوا يتناوبون السقوط في الحفرة بعد السحب، وأصوات المعاول تغزو الرأس وهي تحتك بالأحجار، الأحجار المنتصبة في الأرض على شكل علامات دالّه، أسند رأسه عليها، فأبصر القادمون على شكل خيط ملتو، ملتو لأنه يشبه مكحول، مكحول الممتد أمامه مثل مسبحة، رأسها في الشمال، أطلال قلعة لأسلاف مضوا، ويحضن جسدها لفيف قرى ـ متناثرة ـ لا يفصلها عنه سوى دجلة وجذوع أشجار فضيّة. صعّد من وتيرة زفيره في محاولة لطرد التعب إلى الخارج، فامتزجت أمامه مجموعة من الصور: القادمون على شكل خيط، خيط الحذاء المعقود على شكل فراشة، الفراشة التي طارت عندما أزاح الأشواك عن باب الخندق منذ عام تقريباً. أقول(تقريباً) لوجود مثل هذه الأعوام دائماً!!.
أشهر ما في هذه المدينة هي حديقة الحيوانات والسيرك الذي عسكر بجانبها ليشكلا ثنائياً قل نظيره في مخيلة الناس، والشيء الملفت للنظر في هذا الأمر هو كثرة الذئاب وتناوب تداولها وتحولها بين السيرك والحديقة، فينما شكلت فصيلة الذئاب البرية السمة الغالبة في حديقة الحيوانات تفنن إداريو السيرك في تقديم ذئاب بأنسال متطورة نتيجة حدوث طفرات وراثية في سلالاتها المتأخرة، فدخلت الذئاب مرحلة الرياضات الخطرة وتفوقت على جميع أصناف الحيوانات الأخرى كالقردة والدببة والكلاب والجياد والبطاريق والدلافين، فصارت تمشي على الحبال وتغوص في الماء وتتهجى الحروف وتداعب الأطفال وتدخن السيجار وتأكل المرطبات وترقص على العجلات وتقود العربات.. بل وتلقي النكات أحياناً وتغني أحياناً أخرى، فهي ذئاب متطورة قلّمت الحضارة مخالبها وأنيابها، ذئاب مرحة، ذئاب مسامرة مسالمة، ذئاب حكيمة وحريصة على راحة المتفرجين، ذئاب حالمة وشاعرة