ـ ما هي العلمانية ؟هذا السؤال يعد من بين أهم الأسئلة التي كانت الأجوبة عليها يكتنفها غموض كبير، إما عن قصد أو جهل بمضامين ومدلولات المفهوم.
لابد لنا أولا من التفريق بين العلمانية la laïcité كمفهوم له سياقاته التاريخية وارتباطاته بتطورات الفكر الانساني في علاقته بالتحولات المجتمعية . وبين العلمانويةle laïcisme كمذهب فكري ايديولوجي له حمولة وتأثير النزعة الوضعية التي تستبعد الدين كمكون ثقافي أساسي في تاريخ البشرية.
إن الخلط بين العلمانية كمفهوم والعلمانوية كمذهب خلق غموضا والتباسا في كثير من التعريفات والدراسات التي اهتمت بالموضوع ، وارتكز عليها الفكر التقليدي لاستعداء العلمانية ووصفها بالإلحاد.
إن المفاهيم النظرية في كثير من الأحيان تتغير مدلولاتها ومضامينها عبر التحولات التي تعرفها المجتمعات وعبر التطورات التي تعرفها الانساق الفكرية والمنظومات الثقافية في ارتباطها بأسئلة وإشكاليات مجتمعاتها. فمثلا مفهوم المواطنة أو مفهوم الديمقراطية لم يحتفظ بنفس المدلولات التي ظهرا بها في الفكر الإغريقي فتأثير الفكر الليبرالي واضح في مضامينها اليوم. ومفهوم العلمانية كذلك من المفاهيم التي تطورت مضامينها ولم تعد تنحصر في علاقة الدين بالدولة فقط، بل بالإنسان في علاقاته بوجوده وبمجتمعه بشكل عام.
إن العلمانية في الوقت الحالي هي تصور و كيفية للعيش وطريقة في التفكير ، إنها تدعو الفرد لفهم الواقع والايديلوجيات وتوسيع الوعي بها عوض اختيار واحدة منها . إنها إذن نمط عيش وتصور للعالم والوجود ودعوة إلى الفهم والاختيار وعدم التقوقع الدوغمائى.، إنها باختصار دعوة لاحترام الآخر والتعامل معه على قاعدة الاختلاف والتسامح. وبهذا فمضمونها اليوم يحمل في أعماقه دلالة ومعنى مفهوم آخر أشمل وأرحب هو مفهوم الحداثة.
1. اللغة العربية عبر العصور
ينصرف مفهوم الأخر في الخطاب العربي أو الإسلامي إلي المخالف قومياً أو دينياً .. وقد تجسد منذ وقت مبكر ليعني فقط الفهم المخالف للدين .. فالأنا هو الفهم الرسمي - فهم السلطة للدين - واتباعه ومريديه فالناس علي دين ملوكهم .. والآخر هو كل من عارض السلطة وكل مذهب أو طائفة أو دين أو قومية أو سياسة أو فكر أو بلد يخالف مذهب أو طائفة أو دين أو قومية أو سياسة أو فكر أو بلد السلطة العربية والإسلامية .. لان السلطة تتخذ مذهب الحق وهي الفرقة الناجية وتعتنق دين الله .. وقوميتها هي اشرف القوميات وسياستها اصح السياسات وفكرها مستقيم وبلدها البلد الأمين والآخر هو من يحمل الصفات السلبية المناقضة للصفات الايجابية التي تتسم بها - الأنا أو السلطة - .. وفي العصور الحديثة صار مفهوم الأخر ينصرف فوراً إلي الحضارة الغربية .. إلي تاريخ الغرب وهوياته .. وأخلاقه ومدارسه الفلسفية والثقافية ونظمه الاجتماعية والسياسية !!! فمنذ نابليون بونابرت إلي بوش الابن ، أي منذ غزو مصر عام 1798 إلي غزو العراق عام 2003 .. وعلي مدار قرنين من الزمن .. فان سؤال العلاقة العربية بالغرب لم يبرح إشكاليته المزمنة .. إذ شاب هذه العلاقة المزيد من الالتباس (( بين مد الحروب وجزر التثاقف ، يسيل في طريقها دم كثير ويسيل في وصفها حبر كثير )) . هذه الإشكالية تقوم علي معيارين :
كثر الحديث في السنين الأخيرة عن علاقة الإسلام بالحداثة والمدنية، أو بما أنتجته الحضارة الإنسانية في القرون الأخيرة من خلال مقارنته بالأديان الأخرى أو من خلال تأويل نصوصه وملاءمتها مع العصر بالدعوة إلى الاجتهاد والخلق والإبداع. بيد أن الخوض في هذه العلاقة ليس بجديد على الثقافة العربية والإسلامية، بل كانت طرحت على مدى التاريخ العربي الإسلامي، إما في جدال فكري أو سجالي بين مسلم وغير مسلم دفاعا عن الإسلام كدين وثقافة وحضارة، أو في جدال بين مسلمين أنفسهم: بين من يحاول أي يفصل الإسلام عن الحضارات الأخرى، باعتبار الآخر وحضارته لا يمكن أن يقوما إلا بتدنيس الدين الإسلامي وتقويض دعائمه. أو بين من يحاول أن يجعل من الإسلام دينا وثقافة وحضارة جزءا من الحضارة الإنسانية فاعلا ومنفعلا مؤثرا ومتأثرا، علينا بالضرورة كمسلمين الانخراط فيها كمساهمين ومنتجين بالاعتماد على العقل والعقلانية متشبعين بفكر التسامح والاختلاف وحق الآخر في الوجود.
خلال الخمس وعشرين سنة الأخيرة، خصّ اللاّهوتي السويسري الألماني هانس كونغ الأديان الثّلاثة باهتمام خاصّ، أنتج خلالها، إضافة إلى أعماله الأخرى، ثلاثيّة متعلّقة بالأديان الإبراهيمية، كان مستهلّها عملا بعنوان "اليهوديّة" (1991)، ثم "المسيحيّة" (1994)، وأخيرا "الإسلام" (2004)، وبمناسبة صدور التّرجمة الإيطالية لمؤلّفه الأخير، نوافي القارئ العربي بعرض وتلخيص لأهمّ الأفكار الواردة فيه.
فرضت صيرورة تشكّل الأسس الحضارية في بلاد العرب حضور الدّيني مكوّنا جوهريا داخل العملية، عرف التلازم خلالها تمظهرات عدّة. وداخل التبدّلات والتحوّلات الممتدّة عبر القرون، لايزال الدّيني يحضر في الفرد وفي الشخصية العامة بعد مسيرة حافلة بشتى التقلّبات، الأمر الذي يطرح سؤال تراكم الوعي من انعدامه في تلك العلاقة الجدلية، ومما يجوّز الحديث عن علاقة متأسّسة على تطوّر هرمي متصاعد من الجاهلية إلى العرفانية، أو بالأحرى متراجع نحو اندثار الوعي وتلاشيه.
يعلو ضجيج صاخب حينا، يدعو لحوار الأديان وينادي بتنشيط التثاقف بين الحضارات، في غياب شروطهما العلمية اللاّزمة لهما، محوّلا بذلك المعرفة إلى خطاب استهلاكي سطحي مبتذل. ففي الفاكرة العربية، لا يزال التمثّل رهين التصوّر الخلقي والنوايا الطيّبة في هذا المبحث، والحال أن العملية ليست منعزلة عن تأسيساتها المعرفية اللاّزمة لها. إذ التنمية العلمية الثابتة من موجبات الولوج الموضوعي والمسؤول للحقل، وهو ما يتطلّبه الالتزام الرّوحي والفكري الحق في مستوى هذه المسائل الشائكة.
لم أر إدوارد سعيد فى حياتى سوى مرة واحدة، كان ذلك قبل رحيله بشهور قليلة، فى محاضرة رائعة، ألقاها فى قاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية بالقاهرة فى مارس عام 2003، وكانت بعنوان: "فلسطين وعمومية حقوق الإنسان". بدا الرجل ساعتها ـ كما تخيلته دائما ـ عملاقا، رغم وطأة المرض ودنو النهاية! أذكر أن الحاضرين استقبلوه بحفاوة بالغة، تليق بمكانته الرفيعة، حتى أنهم ظلوا يصفقون له زمنا طويلا، وكانوا من مشارب شتى! وأذكر كذلك أنه بعد فراغ إدوارد سعيد من إلقاء محاضرته، أقبل عليه الكثيرون لمصافحته، وكنت أحدهم بطبيعة الحال، غير أنى لم أكد أقترب من المنصة التى كان إدوارد سعيد يجلس إليها، حتى خانتنى شجاعتى وتهيبت مصافحته، احتراما واجلالا للرجل، وهو ما سأظل أذكره بألم، وأندم عليه ما بقى لى من سنوات، طالت أم قصرت، فى ذمة الحياة!