" لقد كان الإغريق من أعلن موت الحكيم، ليستعيضوا عنه بالفلاسفة، باعتبارهم أصدقاء للحكمة، يبحثون عنها، دون حيازتها "
جيل دولوز(1)
فلتسمحوا لي أيها الأصدقاء أن أهِم هذا المساء ، وبنية وقصد مبيتين ، بتقديم مديح في حق الفلسفة . وهو مديح تفرضه صداقة ومحبة الحكمة . و يطيب لي أن أبدأ الكلام بما انتهى عنده اسببينوزا في كتاب " الإتيقا " حيث نقرأ : " كل ما هو جميل صعب ، بقدرما هو ناذر "(2) . يؤسس الجميل وجوده، إذاً، على الندرة، ذلك أن الوجود يكتسي حلة القبح نتيجة الحركة الجدلية للموجود، وهو يصارع من أجل اقتطاع حيز من الوجود ، يرضي طمعه اللامحدود في التملك . ولأن العمل جدلي ، ولأن الموجود يصارع الموجود، بعناد ، فإن النتيجة الطبيعية لهذا الصراع هي انبثاق القبح، باعتباره ذلك الخراب الذي يصيب سكينة الوجود ، أو ذلك النشاز الذي يعكر تناغمه ( هارمونياه ) .
إن الجميل ، إذاً ، ناذر ، لأن الخراب والنشاز يكتسحان أنحاء الوجود . فلا تتبقى له سوى الهوامش، والفراغات الصغيرة، والصموتات العابرة ، لكي يِِؤسس فيها منازله . كيف يمكن أن تَكتشف منازل الجميل تلك ، وكيف يمكن أن تقيم فيها ؟ يقول اسبينوزا : " صعب " . ذلك أن العبور إلى تلك المنازل لا يتم إلا عبر المسالك الجانبية ، والطرق الضيقة ، التي يغفل عنها الموجود في تجاذباته . ولاتكمن الصعوبة في العبور عبر تلك المسالك فحسب ، لأنها تكون موحشة، بل إن الصعوبة تتعاظم لأن الإفتضاح يظل ممكنا في أي لحظة ؛ كأي عشق سري :
" ياحسرتا للعاشقين تحملوا ** سر المحبة والهوى فضاح " ( السهروردي) .
إن احتمال الإفتضاح ، يشكل، دون شك، خطرا محدقا بذلك العشق ، لكنه يعمل في نفس الوقت على إذكاءه .غير أن خطر الإفتضاح لا يهدد، فقط، ذلك العاشق العابر بسرية إلى تلك المنازل ، بقدرما يهدد تلك المنازل ذاتها، إذ تصبح موضع صراع ، عندما تتحول المسالك الضيقة إلى طرق سيارة فلا شيء يبقى سريا في الطرق السيارة .
إن النتيجة المرتقبة لهذا الإفتضاح هي: ألا يصبح الجميل فقط موضوعا للصراع، بل يصبح طرفا فيه . ذلك أن النشاز يسعى للإمتداد أكثر حتى يستحوذ على مساحة أكبر من الوجود يؤسس فيها، للموجود، مقامات .ثابثة و متشابهة .
ربّما، لو حاولنا أن نبحث فيما وَصلَنا من الثقافة العقلية القديمة عن أعمق الفلسفات وأفضلها، لن نجد بين الفلاسفة أفضل من أفلاطون (427 -347 ق. م) بالقياس إلى ثقافة زمنه، والوسائل المتوفر منها، وبصيرته النافذة في عصره وعصور قادمة والتي تكشف عنها آراؤه في دول العقل، وأنواع الحكومات، وطبيعة كلِّ نظام سياسي ومزاياه. وهذا العمق في فهم المشكلات الإنسانية الذي لم يبلغه أي فيلسوف في عصره، هو الذي يدفعنا لعرض وجهات نظر أفلاطون في النظام السياسي الأمثل، لكونه يمثل إلى حدٍّ بعيد قمَة حدود الإدراك العقلاني للضرورات والحاجات الإنسانيّة. وإنَّ دراسة حدود هذا الإدراك ومقارنته بالفهم الروحي لنفس المسائل سيكشف لنا عن الفرق بين مقتنيات العقل، ومقتنيات الروح، وفهم كل منهما للمشاكل الإنسانية، والحلول التي سيبني بهما كلاهما جمهوريته الفاضلة. ولا خلاف بين الفريقين على بناء هذه الجمهورية، ولكنَّ الخلاف هو في الأسس التي سيقوم عليها كل بناء، وهو خلاف ما زال قائماً في عصرنا، ويفرض علينا أن نتعامل معه كأمرٍ واقعٍ لا بدَّ منه، وإن كانت نتائجه الظاهرة للعيان تدفعنا بالضرورة للطموح إلى الجمهورية المثلى التي لا تأكل فيها الحروب خبز الإنسان ومأواه ومستقبله. وإذا كان لا بدَّ من دوام هذا الخلاف، فليكن، ولكن بصلح كصلح الحديبية بين الفرقاء، لفتح باب الحوار بدلاً من إطلاق النيران فمن يدري؟ ربما سيكون عدو الأمس صديقاً. وحتى إذا لم يتحول إلى صديق فلا حاجة للتفكير في قتله أو إكراهه على الإيمان، بما يؤمن به كل فريق. وإن من مصلحة الإنسانية تفويض الأمم المتحدة بحلِّ الخلافات بين الشعوب وفقاً لمعايير واحدة، بهدف نشر رايات السلام العادل فوق كل ربوع الأرض، لإتاحة الفرصة أمام كلّ شعب للتسابق مع الآخرين على بناء جمهوريته الفاضلة في جو السلام والأمن.
"
ألقى كوندراتينكو الضوء على الفرق الحاسم الذي يميز الإدراك المعرفي/العلمي، عن العلاقة الدينية، والجمالية بالمكان، والطبيعة عموماً، ليدلنا على المصدر الإدراكي للشعور الديني، والشعور بقداسة المكان، أو جماليته، إذ أشار إلى أنه لا توجد في المجتمع الإنساني علاقات بين الناس فقط، بل هناك علاقات الإنسان بالطبيعة، وبالمكان الذي يحيط به، وتقف هذه الأخيرة وراء العلاقة الميثية ـ الدينية بالمكان. فمن محاولة الوعي الإنساني الدائبة في البحث عن تفسير لقوى العالم المحيطة به، وهو مندهش أمام غرابتها، وروعتها وعظمتها، تنشأ العلاقة الميثية الدينية والجمالية. وعلى هذا فقد قارب كوندراتنكو ما بين العلاقة الدينية والعلاقة الجمالية، بالقدر الذي ميّز فيه مشاعر الإجلال والتقديس الدينية وما يصاحب الطقس الديني من عاطفة، وبين الدين كتعاليم ونظام ونظريات، وأيضاً بين العلاقة الجمالية وما يصاحبها من أحاسيس ومشاعر، وبين الفن والنظريات الفنية، وأيضاً بين العلاقة الأخلاقية والأخلاق كتعاليم ونظريات(1).
هناك مشكلة متداولة بين دارسي المتن الأرسطي تتعلق بطبيعة الكتابة الفلسفية ذاتها، إذ من المعروف أن أرسطو كان يكتب بلغة مزدوجة: بعضها مخصص للعامة، يسيرة الفهم، يسهل تداولها على نطاق واسع؛ وبعضها موجه للخاصة، مكتوبة بلغة تقنية صارمة، سبل إدراكها غير ميسرة للجميع. النوع الأول يسمى بالكتابة الظاهرية Exotérique، بينما يسمى النوع الثاني بالكتابة الباطنية Esotérique أو Acromatique.
سنتناول مفهوم العقلانية في المجال الفلسفي و العلمي و السياسي, باعتباره انتصار للعقل و مولدا لإنسان جديد هو الإنسان العاقل و الحر الذي بشرت به الثورة العلمية الكبرى في القرن 17 وجسدته الثورات السياسية في أوروبا في القرن 18 و 19 .
المدخل :
- في تعريف الدولة
في المُلتقى العالمي للفلسفة الذي عُقِد بمدينة اسطنبول، ألقى الفيلسوف الإيطالي جانّي فاتيمو (Gianni Vattimo)، مُحاضرة بعنوان استفزازي (كلام فاتيمو) "هايدغر فيلسوف الديموقراطية". وللتدليل على ديمقراطية هايدغر فإنه أجرى مقارنة بين أفكار شيخ الليبرالية كارل پوپر (Karl Popper)، من خلال كتابه "المجتمع المنفتح وأعداؤه"، وبين أطروحات هايدغر انطلاقا من محاضرته "نهاية الفلسفة ومُهمّة الفكر".
يخلد الفلاسفة بمفاهيمهم، و العلماء أيضا، بل إن العالم يتحول في آخر المطاف إلى إنسان مقترن بمجموعة من المفاهيم صيغت في شكل قوانين. و يخلد المفهوم الفيلسوف باعتبار المفهوم في جوهره تورطا و ارتطاما بالعالم و قضاياه، و بالضبط بقضايا الإنسان في علاقته بالإنسان. و التورط و الارتطام قد يكونان بالمعنى الإيجابي و قد يكونان بالمعنى السلبي، و السلبي و الإيجابي يدركان طبعا انطلاقا من شرط من يرى و يدرك. و حين يتمكن الفيلسوف من بناء مفهوم ما بهذا المعنى) وهي عملية في غاية الصعوبة و إلا لكان كثير من الناس فلاسفة (، يولد المفهوم و ينفصل عن صاحبه، و يصبح ملكا لكل قادر على التورط أو إعادة التورط به. و هنا يكمن سر تخليده للفيلسوف الذي أبدعه. أما سر تخليد المفهوم للعالم، فالواضح أنه أشسع من سر تخليده للفيلسوف خصوصا حين يتعلق الأمر بالمفاهيم المرتبطة بقضايا الإنسان، إذ إلى جانب كون المفهوم هنا تورطا و ارتطاما بالعالم و قضاياه يستثمره آخرون، فإن المفهوم في العلم يعتبر أداة للكشف و الاستقراء و النبش و السبر و التفكيك )تفكيك الوقائع طبعا( ...، يستمر اعتمادها) الأداة( بالتناسب مع حجم قوتها و فعاليتها، وما دام العلم لم يتمكن بعد من بناء مفهوم آخر أكثر قوة و فعالية.
"ينبغي أن تظهر عبقرية الفيلسوف في ميزة أخرى غير التي تجعله غامضا ومبهما في نظر معظم الناس"