ما أحوج منظومتنا التربوية إلى الفعل المقاوم ، إذ تكالبت عليها معاول الهدم من كل جانب ، ونخرتها العديد من الأمراض ، وعلى رأسها الاستخفاف وانعدام الرغبة الحقيقية في الإصلاح . وما عاد بالإمكان أن يدعي أحد الجهل بحقيقة تردي أوضاعنا التعليمية .إننا نعيش فترة تربوية حالكة تستدعي وقفة شجاعة للمحاسبة ، ووضع القاطرة على السكة الصحيحة . فتعليمنا يواجه إقصاء فعليا من المجتمع والحكومات المتعاقبة ،باسم انعدام المردودية واللا جدوى .
لقد أصبحت الأمور واضحة لدى المواطن العادي ، فمنذ أن غدت سياساتنا التعليمية أسيرة املاءات غربية يتحكم خلالها صندوق النقد الدولي في نسب النجاح والاكتظاظ ، ونوعية البرامج وطرق التدريس ، وعدد المدرسين ونمط تكوينهم ،تراجع التعليم العمومي خطوات كثيرة إلى الوراء ، ليفسح المجال للوبيات التعليم الخصوصي ،التي غزت سوق التربية كالفطر، ليعمل الجميع من أجل الإجهاز على آخر معقل للمجانية ، باعتبارها أكبر معرقل للتقدم وأوضح مسبب للتخلف .
لقد سنت البرامج الوافدة أسلوبا ماكرا هدفه الظاهر تحديث منظومتنا التعليمية لتواكب تحديات العولمة التي لا ترحم ، أما الهدف الباطن فلا يكاد يخفى عن المتبصر الغيور ، فهذه البرامج تسعى إلى إفراغ تعليمنا من مضمونه، وإفقاده لهويته ودوره الحضاري ، فهي تكرس نوعا من التبعية في شتى المجالات ، مما يخنق الإبداع وروح الابتكار الضروريين لكل تقدم ونماء .
لقد عمل أعداء التعليم في الداخل والخارج على جعل المجال التربوي حقل تجارب دائم ، بطريقة منسقة محبوكة ، فما إن نضع الأصبع على مكمن الخلل ، ونشمر جادين عن سواعدنا لمعالجته ، حتى تتغير الأمور ، فنعود إلى نقطة الصفر ، ليصيبنا الإحباط من جديد فتركزت في ذواتنا عقدة النقص وآمنا بالعجز يغزو الهمم والقلوب .
وكيف لا يتسرب الريب إلى قدرتنا على الخروج من هذا النفق المسدود ، حين نرى اليوم ما أصاب مستوى متعلمينا من ضعف بين، غدا موضوعا للتندر والتفكه في المجالس ، ناهيك عن التشويه الممنهج الذي يطال صورة الفاعلين التربويين عبر منابر إعلامية يفترض فيها الحياد والعقلانية .
من الظواهر السلبية التي لازمت مجتمعنا ولا زالت ، غياب ثقافة الحوار ، وهكذا نجد سطوة الكبير هي العليا داخل أغلب أسرنا ، وان كان على ضلال ، فالأب يسكت الأم ، والأخ الكبير يسكت الصبيان والبنات ، فيسود الصمت ويعلو صوت الإكراه ويعم الهدوء ، ولعمري هو ذاك الذي يسبق العاصفة .
ثمة من يتساءل : هل لدينا أزمة تعليمية ؟هل من مشكلة نعانيها في تعليمنا ، أطرافها المدعى عليهم على الدوام رجال ونساء التربية ؟
من الأمور التي يكاد يجمع عليها الكل ، كون القراءة من الأنشطة المحورية والمهارات اللغوية ،التي تمكن المتعلم من التزود من حياض المعرفة، ناهيك عن تطوير قدراته العقلية والوجدانية مما يمكنه من استيعاب محيطه وفهم بيئته بشكل يسمح له بالتكيف السريع والاندماج السليم.
مرت اللقاءات التفسيرية المحلية الخاصة بتقرير المجلس الأعلى للتعليم كسابقاتها (منتديات الإصلاح) بسرعة ماراطونية وبطريقة استعجالية وفي مدة قياسية، لم تسمح لكثير من نساء ورجال التعليم من الإطلاع على تفاصيل ما جاء في التقرير، وتعرف أهم محاوره، حتى يتأتى لهم تقييم اقتراحاتهم العملية الملموسة (أما ملاحظاتهم حول التقرير فقد حسم فيها بالدعوة إلى تجنب إثارتها)، فترتب عن ذلك عزوف جل المشاركين في هذه اللقاءات عن المساهمة في نقاش أمور يجهلون أهم محاورها وخطوطها العريضة وبالأحرى تفاصيلها.
مقدمة:
يرى جورج جورفيتش G.Gurvitch سوسيولوجيا القرن التاسع عشر، إذا كانت، ربما تتميز بأحادية البعد فإن سوسيولوجيا القرن العشرين وقبل كل شيء متعددة الأبعاد، إنها سوسيولوجيا، العمق(1). وليس مصادفةً أن تتعدد ميادين السوسيولوجيا، لتعدد الظواهر الاجتماعية وتعقد المشاكل المعاصرة، التي صاحبت التطور الحضاري والصناعي للمجتمع البشري، وأضحت السوسيولوجيا علماً متعدد الاختصاصات ومن بين هذه الاختصاصات تحتل سوسيولوجيا التربية مكاناً مهماً لدورها الكبير في إعداد مستقبل المجتمعات الإنسانية. قال البروفيسو Jean Fourastié سنة: 1958 «Un pays sous développé est un pays sous-enseigné» معلناً بذلك الرباط القوي بين التربية والتقدم الحضاري، ويضيف أن البحث في التربية هو رأس مال مصير الإنسانية، والأطفال الذين يعتبرون حالياً الساكنة التعليمية يتم تحضيرهم لأعمال المستقبل من خلال التربية إلا أن أهميتها الاقتصادية تظهر للبعض الآن كميدان غير مربح، وتقدم التعليم لا يتوقف فقط على العوامل الديمغرافية، بل أيضاً على الظروف الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية والتي تعتبر فعلاً موضوع تحليل سوسيولوجيا التربية.
تعد النزعة الإنسانية من أهم الحركات الفكرية التي توّجت عصر النهضة وفجرت ينابيعه الفكرية والأدبية، وقد قدّر لها أن تجسد بأنساقها الفكرية رؤية ثورية في طبيعة الإنسان قوامها التأكيد على الجوهر الإنساني بما ينطوي عليه من معاني الحرية والإرادة والعقلنة والقدرة على تحديد المصير، واستطاعت أن تعبّر عن رؤية فلسفية جديدة تنطلق من الإنسان تستلهمه وتسعى إليه، فكان لها أن تشكل في عصرها ثورة فكرية شاملة أدت إلى تصدع كبير في بنية المنظومات الفكرية التقليدية وتكويناتها السائدة في العصر الوسيط.
إزاء مظاهر العنف المرعب، والكوارث الدموية، التي تشهدها المدرسة في مختلف أنحاء العالم المعاصر تطرح المسألة التربوية نفسها موضوعاً للبحث والمناقشة في خضم التحديات الكبرى التي يواجهها العصر الذي نعيش فيه. فمما لاشك فيه أن ظاهرة العنف التربوي تستحق مزيداً من المحاولات العلمية والبحثية التي يمكنها أن تحدد لنا طبيعة هذه الظاهرة وخلفياتها الفكرية والمجتمعية. وفي إطار البحث عن خلفيات هذه الظاهرة يجري التركيز اليوم على مسألة اللا مساواة الاجتماعية دورها الكبير في إحداث الخلل وتغييب الأمن المدرسي بصورته المعنية.
لقد باتت المدرسة المغربية عملة مزيفة غير قابلة للتداول على أرض الواقع مهما بالغنا في عمليات التجميل والإغراء أمام غياب شروط التحفيز التي تشد إليها المتعلم وتجعله ينساق إليها بدون إكراه مادي أو معنوي، فكما يقال في حقل التربية : يمكن أن نجر الحصان إلى الماء ولكن لا يمكن أن نجبره على الشرب.
لم تلاق التربية العلمية في تاريخ البشرية اهتماماً قدر ما تلاقيه في الوقت الراهن في المجتمعات المتقدمة والمجتمعات النامية، وقد تعددت مسارات هذه المجتمعات في معالجة وإدارة التربية العلمية. لذلك لا يمكن القول أن هناك مجتمعاً مهما كان تقدمه انه وصل للمستوى المطلوب من التربية العلمية لمواطنيه، وربما كان الدليل على ذلك ما ينشر بين الحين والحين من كتب لكبار المفكرين ورؤساء الدول ينبهون من خطورة تدنى مستويات المواطن في القدر اللازم له من التربية العلمية لكي يعيش هذا العصر بكل ما يحمله من تغيرات متسارعة ومتغيرات متعددة تفرض على المسئولين عن تربية المواطن وتربيته العلمية بصفة خاصة بذل ما في وسعهم لملاحقة المتغيرات والتطورات العلمية التي تتدخل في الحياة اليومية لكل مواطن.