"لم يكن ماركس مفكرًا في القرن التاسع عشر فحسب، بل كان ولم يزل منظّرًا يستشرف أبعاد الحاضر والمستقبل، وما زالت تحليلاته حول الرأسمالية والعولمة والتناقضات الاجتماعية تظل موجهة لنا حتى اليوم." المؤرخ البريطاني إيريك هوبسباوم (Eric Hobsbawm) ([1]).
1- مقدمة:
إنّ أوضاع الطبقة العاملة في عصرنا تغيّرت كثيراً عمّا كانت عليه في زمن ماركس، لكنّ الجوهر واحد لم يتغيّر. فالرأسمالية تُحوّل الإنسان إلى مادّة خامّ قابلة التّصنيع والتّسويق وتجعله موضوعاً أو شيئاً للبيع والشّراء ومصدراً ل لرّبح والثروة والقوة. وهنا يكمن جوهر الرأسمالية في أيّة مرحلة من مراحل تطوّرها، وفي أيّ مستوى من مستويات تبدّلها وتغيّرها. ومهما تغيّرت الظّروف والأحوال فإنّ جوهر الرأسمالية الاغترابيّ - القائم على الاستغلال الطبقي والاجتماعي - لم يزل قائماً لا تبدّل ولا تغيّر في طبيعته الأساسيّة.
وعلى الرّغم من كلّ هذا التّباعد بين نظريّة ماركس الاغترابيّة - التي وصف لنا فيها الكيفيّات التي يغترب بها العامل في الإنتاج - والتّغيّرات الحادثة، فإنّ الشيء الذي لا يمكن نكرانه ولا التّهوين من شأنه هو فرضيّته التي تقول: إنّ الرأسمالية - أيّا كانت صيغتها ومراحل تطوّرها - ستجرّد الإنسان من إنسانيّته. وهذه هي الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن يجحدها في الإرث الماركسيّ. وإذا كان ماركس قد وصف لنا بعضا من وجوه الاغتراب في الماضي، فإنّ هذا الاغتراب يأخذ اليوم ألف وجه ويتجلّى في أكثر المناطق الحيويّة في الإنسان: في أعماق الرّوح والوعي والإرادة والوجود الأخلاقيّ.
والحصيلة من ذلك أنّ أفكار ماركس ما زالت تفرض حضورها وصلاحيّتها في فهم العصر الذي نعيش فيه، وهذا ما يؤكّده الكاتب والصّحفيّ البريطانيّ فرانسيس وين (Francis Wheen) في كتابه المعروف "رأس المال لكارل ماركس" الذي يرى فيه أنّ الرأسمالية مهما بلغت شأوها، ومهما حقّقت من انتصارات عظيمة، فإنّها تبقى كارثة"([2]). وذلك " لأنّها تحوّل البشر إلى سلعٍ يمكن مبادلتها بسواها من السلع، وإلى أن يتمكّن البشر من تحقيق أنفسهم بوصفهم ذوات التاريخ لا موضوعاته، لا يمكن أن يكون ثمة مفرّ من هذا الطّغيان" ([3]).
2- القدرة على الاحتواء والتجاوز :
وعلى هذا الإيقاع، يصوغ المفكر الفرنسيّ هنري لوفيفر (Henri Lefebvre) رؤيته مستلهما ماركس في كتابه المعنون "الماركسية" (Le Marxisme) ([4]): " كيف يُعقل تجاوز تصوّر عن العالم يحتوي هو ذاته على نظريّة التّجاوز؟". وفي هذا السياق نفسه يرى لوفيفر أن الماركسية ليست فقط نظامًا فكريًا مغلقًا يمكن تجاوزه، لأنها تحتوي في داخلها على آلية نقدها وتجاوزها لذاتها. أي أن الماركسية بوصفها فلسفة للتاريخ والتغيير، تتضمن في صلبها دينامية داخلية تجعلها قادرة على النقد الذاتي والتجدد. وهذا يعني أنه لا يمكن تجاوز ماركس لأن فكره لا يكتفي بوصف الواقع، بل ينطوي على نظرية لتغييره وتجاوزه. وهذا يجعل من الماركسية فكرًا مفتوحًا على المستقبل يصعب تجاوزه دون أن يُستبطن أو يُعاد إنتاجه بطريقة ما. وفي هذا السياق يقول المؤرّخ الماركسيّ إيريك هوبسباوم(Eric Hobsbawm) في سياق حوار مع المفكر الفرنسي البارز جاك أتالي (Jacques Attali) "إنّه لمن المفارقة الغريبة أنّ الذين يعيدون اكتشاف ماركس هم في معظمهم من الرّأسماليّين" ([5]). وفي هذا السياق يؤكد جاك أتالي رؤية هوبسبام الآنف الذكر التي تفيد أن ماركس هو اليوم "أكثر أهمّيّة من أيّ وقت مضى"، مشيراً إلى أنّ تحليلاته الرأسمالية ما تزال تكشف الكثير من أوجه الاختلال في العالم المعاصر([6]).