الدائرة الخضراء – قصة: د.عوض النقر بابكر محمد

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

استيقظ جمال للمرة الثالثة على التوالي، يتصبب عرقاً كأنه يركض في صحراء بلا حدود. لكنه لم يكن يركض؛ كان يقف في بقعة دائريّة من العشب الأخضر النضر. دائرة تتآكل أطرافها ببطء في البداية، ثم تنكمش بضراوة، حتى لا يبقى تحت قدميه الحافيتين سوى تراب عارٍ وعتمة مطلقة.تكرر هذا الحلم اكثر من ثلاث مرات.
غير أن الذعر الذي أفقده أنفاسه لم يكن وليد هذه الليلة؛ كان خبيئاً في صدره منذ سنوات. كان جمال يمارس حياةً دقيقةً كعقارب الساعة: يستيقظ في السادسة، يتناول فطوره الصامت بينما زوجته غارقة في نومها، يقطع الشوارع إلى مكتبه دون أن يتأخر دقيقة واحدة، ينجز مهامه بكفاءة آلية صماء، ثم يعود ليعالج عشاءً بارداً أمام شاشة التلفزيون، ويغفو في الحادية عشرة. حتى حديثه مع زوجته تحول إلى مجرد تبادل للخدمات اليومية: "هل أحضرت الحليب؟"، "سنزور أمي الجمعة". لم يكن ثمة شجار، ولا خيانة، بل فراغٌ هادئ ومريح تغطيه طبقة سميكة من الروتين.
في اليوم السابق، وبينما كان يحدق في شاشة الحاسوب المضيئة، شعر فجأة بأن جدران الغرفة تتقدم نحوه، تتنفس في وجهه وتضيق عليه، تماماً كالدائرة في حلمه. نهض، احتسى القهوة، وتظاهر بأن شيئاً لم يكن. كان متقناً لفن التظاهر.
لكن في صباح اليوم الرابع، انكسر شيء ما. لم يذهب إلى العمل. قال لزوجته التي رمقته بدهشة: "سأتأخر قليلاً"، وخرج يبحث عن تفسير لثقلٍ لا اسم له. كان يشبه رجلاً أضاع مفاتيحه في غرفة مظلمة، يمسح الأرضية بيديه ، وهو غير واثق أصلًا من وجود تلك المفاتيح.

مرّ على الشيخ إسماعيل، فقال له بصوت واثق: "الدائرة هي إيمانك الذي يضيق." وجلس أمام الدكتورة سميرة فقالت و هي تدون ملاحظاتها: "الدائرة هي حدودك الشخصية التي تنهار." ثم قصد البروفيسور نصر الدين، فهزّ رأسه مبتسماً: "الدائرة هي وهم المعنى حين يتبخر."
خرج من عندهم وأذناه تطنان بجملهم المعلبة، وصدره يزداد حرجاً. كل تفسير كان يبدو منطقياً للوهلة الأولى، ثم لا يلبث أن يتحول إلى طبقة جديدة من الغبار تنزل على روحه. في الشارع، كان المشاة يمرون مسرعين، وجوههم مشدودة ونظراتهم معلقة بشاشات الهواتف تحت ضوء شمس باهتة. تذكر عبارة البروفيسور عن "الإنسان الحديث الذي يمشط تراباً لا ينبت"، فشعر بأنه شبح يذرع الإسفلت بلا وجهة.
توقف عند مقهى قديم على الرصيف، وجلس تحت شجرة عجوز. طلب قهوة ولم يمسها. كان يراقب الشجرة: جذورها الضخمة تشق الأرض بقسوة وتغوص في العتمة، بينما أغصانها في الأعلى تشابكت بأوراق خضراء رطبة تنبض بالحياة. لم تكن الشجرة تبحث عن معنى لوجودها، ولا عن كتاب يفسر نموها؛ كانت فقط قائمة هناك، تتنفس، تمتص الماء، وتتسع ببطء لا تكاد تلاحظه العين.
كان ثمة طفل على الطاولة المجاورة يلهو بقطع السكر، وأمه تهمس له بلطف. لم يلتفت جمال إلى ضحكة الطفل؛ كان مستغرقاً في تتبع الجذور التي تشبه قبضة يد عجوز تقبض على جوهر الأرض. وفي تلك اللحظة، ودون مقدمات درامية، هطلت من السماء المشمسة قطرة مطر واحدة، ثقيلة ودافئة، فاستقرت على جبهته. ثم أمسكت السماء. لكن جمال شعر بزحزحة خفيفة في أعماقه.
سحب هاتفه من جيبه. كانت الإشعارات تتلاحق: رسائل العمل، تنبيهات البريد، وإعلانات، ورسالة من زوجته تسأل: "أين أنت؟". قرأ الرسالة ولم يرد. وضع الهاتف على الطاولة ووجهه إلى الأسفل، مكتفياً بالإصغاء لنبضه الخاص.
نظر إلى التراب المحيط بجذع الشجرة. لم يكن عارياً أو ميتاً كما في الكابوس؛ كان داكناً، رطباً، وفيه شقوق ناعمة تختبئ فيها بذور غير مرئية. لم يشغل باله بما إذا كانت تلك البذور ستورق أم ستبقى نائمة إلى الأبد. ولم يعد يعد نفسه بـ "زرع عشب جديد" كما كان يفعل عادةً للهروب من الفشل. كل ما فعله هو أنه تنفس بعمق، وأغمض عينيه، وتخيل نفسه جذراً يمتد في الظلمة الرطبة، جذراً لا يستعجل الضوء.
نهض أخيراً، ودفع ثمن القهوة التي بردت. مشى في الشارع تحت سماء مترددة ترش المطر قطرة قطرة. شعر أن دائرته لم تعد تضيق، لكنها لم تتسع أيضاً. كانت فقط قد توقفت عن الانكماش... لحظة من السكون الثمين بين موجتين.
عندما بلغت قدمه عتبة بيته، وقف هنيهة. لم يمد يده إلى المقبض بعد. كان يستمع إلى حركة زوجته في الداخل وهي ترتب الملاعق على طاولة الغداء. كانت تلك الأصوات اليومية العادية تبدو له فجأة، ودون سبب يدعو للدهشة، كأنها لحن بعيد وخافت، لا يحتاج إلى شرح، بل إلى إصغاء صبور.
أدار المقبض ودخل.
لم يكن يعرف إن كانت دائرته ستتسع غداً أم سيعاودها الانكماش. لكنه انتبه إلى شيء بسيط: قدماه، وهما تطئان أرضية البيت، كانتا ثابتتين.
وكان ذلك، في تلك اللحظة بالذات، يبدو كافياً.
---

د.عوض النقر بابكر محمد-  السعودية- الرياض
كاتب ومدون سودانى